5 كتب تُدخلك إلى عالم الغناء والموسيقى العربيين

من العراق ومصر والسعودية

 Majalla
Majalla

5 كتب تُدخلك إلى عالم الغناء والموسيقى العربيين

صوت الأغنية في العالم العربي عالٍ ومعبّر عن المجتمع بشكل واضح، وعلى الرغم من التسليم المبدئي بهذه المقولة، إلا أن المشهد الغنائي العربي عرف في المئة عام الماضية تغيرات عديدة وتحولات مختلفة، وبدا بعضها شديد الانقطاع عن كل ما سبقه أحيانا، من هنا جاءت محاولات الكتّاب والدارسين في هذا المجال لرصد هذه الظواهر المختلفة وردّها إلى سياقاتها السياسية والثقافية والاجتماعية المختلفة، وقد ظهر في هذا الصدد عدد من الدراسات المهمة التي تسعى إلى الكشف عن جوانب مختلفة من أثر الغناء والموسيقى على المجتمع وما يجري فيه من تحولات.

1- علي عبد الأمير: رقصة الفستان الأحمر الأخيرة

إلى العراق يأخذنا الناقد والباحث علي عبد الأمير لتوثيق سبعة عقود من تاريخ العراق الحديث من خلال الغناء، ويُعنى تحديدا في كتابه "رقصة الفستان الأحمر الأخيرة" (المتوسط 2017) برصد ملامح الحداثة في الحياة الموسيقية العراقية منذ 1940 الى ما بعد 2015، وما يشير إليه ذلك من دلالات اجتماعية.

يقدّم الكتاب قراءة لملامح ثقافية اجتماعية في أنغام العراق المعاصر منذ اكتمال العناصر الفنية في أربعينات القرن الماضي حتى الوقت الحالي، ومن خلال فصول الكتاب الستة عشر يعطي رؤية شاملة لتاريخ الغناء العراقي وما شهده من تحولات. يتحدث في الفصل الأول عن الانتقال من الشفاهية المفرطة إلى المعرفة المدروسة منذ إنشاء أول معهد للموسيقى العراقية في بغداد 1926، على يد الشريف محيي الدين حيدر الذي بدأ بربط المدارس الابتدائية بالمعهد، كما نشط انتشار الموسيقى الوطنية، وكان من تلامذته من أصبحوا أبرز الموسيقيين العراقيين المهرة في التلحين والتأليف، يذكر منهم جميل بشير وسلمان شكر وغانم حداد، وكيف كان يسعى لإظهار كل واحد منهم لمواهبه الخاصة في العزف والتلحين تبعا للآلة التي يتقنها.

يلفت النظر بعد ذلك إلى أولية الغناء العراقي سواء في الحب أو الحزن على السواء، ويشير إلى أن ما تعاقب على المجتمع العراقي من نكبات وصراعات ربما يكون السبب في سيطرة الغناء الحزين الأشبه ما يكون بالنواح. وإن كان الغناء العراقي قد تجاوزه في مراحل مختلفة إلا أنه بقي حاضرا بقوة. في الفصول التالية يتوقف عبد الأمير عند عدد من الأصوات العراقية المؤثرة في تاريخ الغناء العراقي بدءا بـعثمان الموصلي وحنّا بطرس وكيف كانت أغانيهما معبّرة عن الهوية العراقية لا سيما في أحداث تاريخية مهمة، مثل "النشيد الموصلي" الذي خرجت الجماهير تتغنى به للمطالبة بانضمام الموصل إلى العراق. كما كان لشخص حنا بطرس دور كبير في إدارة الجوق الموسيقية في الجيش العراقي والحركة الكشفية وتدريس الموسيقى في دار المعلمين ببغداد، وكانت له إصدارات مهمة عن الموسيقى وتاريخها في العالم ومبادئها النظرية كما كتب عن الأناشيد الوطنية والقومية، وغير ذلك من مساهمات.

يتناول عبد الأمير بعد ذلك عددا من المؤلفين العازفين وكيف تميز كل واحد منهم، فيتحدث عن أسماء مثل جميل بشير وسالم عبد الكريم، وما قدماه من التأليف الموسيقي المتميز، وكذلك يأتي على ذكر الموسيقار العراقي الشهير نصير شمة الذي يُعَدّ أداؤه بمثابة الإشراق الموسيقي، ويفرد فصلا خاصا للمطرب ناظم الغزالي الذي يعده "صوت العراق العاطفي" إذ يلحظ في أغنياته انكسار المحب وحياءه ورقة الكلمات واللحن والأداء، ويعلق على عدد من أغانيه وكيف استطاع أن يقدم بمهارة واقتدار "المقام العراقي" مما جعل أثره كبيرا وبارزا في الأغنية العراقية المعاصرة، يقول:

"أصبح الغزالي هو السفير الأول للغناء العراقي، ودارت أغنياته في مدارات الخليج وإذاعات البلدان، كالكويت التي شهدت جولات غنائية له ستصبح مصدرا لإبداعه المحفوظ، مثلما ردد متذوقو اللحن الجميل في بلاد الشام ومصر والمغرب قصائده المغناة ’أقول وقد ناحت بقربي حمامة’ لأبي فراس الحمداني، و’شيعت أحلامي بقلبٍ باكِ’ لشوقي أو ’يا أيها الرجل المعذب نفسه’ للأحنف، وغيرها".

يرصد عبد الأمير مرحلة فارقة في تاريخ الأغنية العراقية تألقت فيها الطبقة الوسطى، وظهر فيها عدد من المغنيات اللاتي كان وجودهن علامة فارقة في تاريخ الغناية العراقي، منهن زهور حسين وعفيفة إسكندر، وبرزت فيها أغنيات مثل "يا أم الفستان الأحمر" التي اختارها عنوانا لكتابه، ذلك أنها معبرة عن المسار العاطفي الذي اتخذته الأغنية العراقية إذ جمعت بين الألحان البسيطة والوجدان الذي يفيض بالأشواق لا سيما بعد إسقاط النظام الملكي في يوليو/تموز 1958، والتحوّل من الفرح الجماعي بذلك الحدث التاريخي إلى تميز كل مغنٍّ بخصوصيته وعالمه الموسيقي الفريد. ومن المعبّرين عن تلك المرحلة السبعينية، مائدة نزهت التي تحوّلت من الغناء العاطفي إلى التغنّي بأمجاد الديكتاتور، ولذلك سرعان ما اعتزلت في منتصف الثمانينات.

يتناول عبد الأمير أثر الحروب المتتالية على الأغنية العراقية، وكيف انتقلت إلى الخنادق وكيف توزعت بعد ذلك ما بين الأغنية الوطنية التي تسعى للدفاع عن الموروث الغنائي العراقي وبين عدد من التجارب المبتذلة

يخصّص عبد الأمير بعد ذلك فصلا مهما من الكتاب ليتناول أثر الحروب المتتالية على الأغنية العراقية، وكيف انتقلت على حدّ تعبيره إلى الخنادق، متوقفا عند تجربة كل من فاروق هلال وجعفر الخفاف ومحمود أنور، وكيف توزّعت الأغنية العراقية بعد ذلك ما بين الأغنية الوطنية التي تسعى إلى الدفاع عن الموروث الغنائي العراقي، وبين عدد من التجارب المبتذلة نتيجة هجرة أصحاب المواهب الراقية والمعتبرة، فيتناول في الفصول الأخيرة من الكتاب عددا من الفرق العراقية المؤثرة في المشهد مثل "فرقة العود العراقية" التي يرى أنها كانت حلما بعيد المنال في أوقات عصيبة تمر بها البلاد، ثم ينهي بعدد من الحوارات مع عدد من الموسيقيين العراقيين المعاصرين مثل نصير شمة وكوكب حمزة ورائد جورج الذين عبروا عن منهجهم الموسيقي ومحاولاتهم الدؤوبة في تقديم فن معبر عن العراق بأصالته وتاريخه. 

 

2- فيروز كراوية: كل ده كان ليه 

في كتابها الصادر حديثا عن دار "ديوان" (يناير/كانون الأول 2023) ترصد الباحثة والمغنية فيروز كراوية حال الأغنية العربية وتركّز بشكل أساسي على الحديث عن "الصدارة"، أي الأغاني والأصوات التي تصدّرت المشهد الغنائي بدءا بأم كلثوم وعبد الوهاب وصولا إلى أغاني الراب و"المهرجانات" في العصر الحديث.

يبدو مشروع فيروز كراوية طموحا فهو يغطي الكثير من التحوّلات الغنائية في مصر وأثرها على العالم العربي، ليس فقط من خلال رصد المغنين والمغنيات، بل أيضا من خلال رصد موقف السلطة ودورها في تغير التعامل مع الغناء والموسيقى من جهة ومحاولات توجيهه من جهة أخرى، كما تشير إلى موقف الشارع والمجتمع والأسرة من المغنين والمطربين، والتحول الذي حصل من دنيا العوالم إلى المطربات، تقول:  

"إن مناخ النصف الثاني من القرن التاسع عشر قد مهَّد للمشهد الفني الأكثر ثراء في بدايات القرن العشرين فبدأت فنون الأداء تعرف شكلا أكثر احترافية وتنظيما اقتصاديا مع نشأة الفرق المسرحية والغنائية، وتأسيس الصالات المتخصصة والمتنوعة في ما تقدم من عروض، وترافق ذلك مع سعي الانكليز بعد فرض الحماية على مصر لفصل المجال الفني عن الديني".

ظهرت نتيجة تلك التحولات من خلال عدد من المطربات البارزات مثل ساكنة وألمظ التي اشتهرت برفقة عبده الحامولي في إطار "الحرملك"، لكن ذلك لم يدم طويلا، إذ سرعان ما اقتحمت منيرة المهدية مجال التمثيل والمسرح الغنائي، مما فتح الباب لظهور عدد من المطربات اللواتي حصلن على مستويات مختلفة من التدريب عبر التعليم الذاتي على يد ملحنين معروفين أو من خلال مشايخ الإنشاد الديني.

وتشير كراوية إلى بدايات صعود نجم "سلطانة الطرب" منيرة المهدية وكيف ساهم ذلك في تكون صورة جديدة للمطربات وهن يشاركن بفعالية في الأعمال المسرحية، ويحظى أداؤهن بقبول عند فئات صاعدة تملأ صالات عماد الدين من الأفندية والمتعلمين، كما تتناول أنواع الغناء التي انتشرت في ذلك الوقت مثل الطقطوقة التي تعتبرها معبرّة عن لغة المجتمع باعتماد مضمونها على الغناء الساخر الاجتماعي المجوني/الإباحي والمسرحي في الوقت نفسه، كما عكست الطقطوقة في ذلك الوقت توترات الانتقال الى مجال اجتماعي يمنح خيارات بين التقليد والتحديث.

ترصد كراوية بدايات ظهور أم كلثوم في نهاية ثلاثينات القرن الماضي وبداية غنائها بين الطقاطيق الخفيفة حتى الانتقال الذي أحدثته علاقتها بالشاعر أحمد رامي الذي ساهم في تدشين مسيرتها الفنية التي تعلي من قيمة الفن الغنائي وتنقيه من صوره المتردّية الشائعة في ذلك الوقت. قرنت مسيرة أم كلثوم إلى حد كبير بين القيمة الأخلاقية والقيمة الفنية وصورة المؤدّية، وكيف كان لنشأتها في مناخ ريفي محافظ أثر كبير في شخصيتها وطريقة تعاملها مع الغناء في ما بعد، بحيث أصبح لها خلال أعوام قليلة فرقة تضم أهم العازفين المحترفين (القصبجي وسامي الشوا ومحمد العقاد) وتميزت في أدائها لا سيما في التواشيح الدينية والقصائد.

تتناول المؤلفة كذلك النهج الذي اعتمده أحمد رامي في كتابته أغاني أم كلثوم، إذ حرص على أن يكتب لها "بلغة جديدة عن الحب والعواطف تبذل نفسها من أجل المحبوب وتعاني من الهجر والأسية كأنها تمنح النساء مساحة جديدة يصبح فيها التعاطي مع الحب ممكنا بعيدا عن عروض الطقطوقة الخلاعية وتكون فيها المرأة أكثر ندية ومساواة"، ثم تنتقل إلى رحلة أم كلثوم "من الآنسة إلى السيدة" مع أفلامها السينمائية التي على قلتها (6 أفلام) ساهمت في تكوين صورتها الخيالية عن الفتاة التي تنتمي الى عامة الناس لكنها تمتاز بموهبة فنية كبيرة واعتداد بالكرامة وجرأة على مواجهة منافسها الرئيسي عبد الوهاب الذي ظهر في الأفلام كشاب لاهٍ، وكيف ساهمت هذه الصورة في ما بعد، وبالتزامن مع ثورة 1952، في تكريس صورة "الست"، في زعامة موازية لشخصية الزعيم جمال عبد الناصر.

تتحدّث الكاتبة في الفصل التالي عن بدايات الانتقال إلى الحداثة الموسيقية، من خلال ظهور المطربين في الحفلات العامة منذ تأسيس القاهرة الخديوية ومسرح الأزبكية، وكان من نجومه في تلك الفترة عبد الحيّ حلمي وسلامة حجازي اللذان لعبا دورا مؤثرا في تطور المسرح الغنائي بالتوازي مع ظهور ملحنين مثل كامل الخلعي والشيخ أبو العلا محمد، وغيرهما، كما تشير كراوية إلى أثر ظهور شركات الأسطوانات الأجنبية على شكل الساحة الغنائية والقوالب السائدة من الغناء، إذ بدأت بتسجيل الأدوار والقصائد التي اعتبرت أفضل ما أنتجه الطرب في ذلك الوقت. تشير كذلك إلى أثر سيد درويش و"صناعة أسطورته" التي بدأت بوفاته المبكرة (1932) وتراكمت بعد ذلك عبر مراحل، والذي أصبح يُستدعى وتُستدعى أغانيه في كل مناسبة تاريخية مصرية كبرى.

تفرد كراوية فصلا عن عبد الوهاب وتتناول التجديد الذي قاده ونقلاته الموسيقية لا سيما بعد استقرار نجوميته وثقته في مهاراته الأدائية، واستمراره في تطوير موسيقاه دافعا عن نفسه تهمة التأثر بسيد درويش، والانطلاق إلى تنويعات موسيقية وموتيفات جديدة، واستخدام سلالم موسيقية مختلفة داخل العمل الواحد، وتجاوز التقطيع التقليدي للشعر العمودي نحو جمل لحنية مختلفة الأطوال والأوزان، واختياره بعد ذلك تسجيل أغانيه صوتيا وابتعاده عن الحفلات، حيث ظهر في تسجيلاته قدر من المرونة في استيعاب أشكال سابقة داخل أغانيه مثل الموال والغناء الحر والارتجال وغير ذلك.

ترصد فيروز كراوية مع بداية الأربعينات صعود المدحّ المحافظ الإسلامي في تلقّي الأغنية واعتبارها مفسدة للذوق المصري، وتصاعد تأثير جماعة الإخوان المسلمين في المجتمع بعد انقسامات حزب الأغلبية (الوفد) وتأجّج الصراع الاجتماعي والطبقي الذي وصل ذروته في حريق القاهرة 1952، بل وتورد مقالا لسيد قطب يهاجم فيه بعض المطربين في مجلة "الرسالة" 1940، ثم التحول الذي حدث في مصر بداية الخمسينات حيث شاعت صورة المثقف الذي يعرف مصلحة الشعب ويحظى باعتراف الدولة، وبالتالي يرتقي "بالوعي والوجدان" ويحمل "الرسالة"، وهي صورة لم تكن مطبقة على كل فنان بالضرورة لكنها صنعت كنموذج استرشادي في البيانات والخطابات الرسمية.

في الفصل الثالث من الكتاب، وتحت عنوان "عندما تمسك الدولة الميكروفون"، تتحدّث كراوية عن تحولات الإنتاج الفني بعد ثورة 1952 بعدما كانت التسجيلات الصوتية تتم من خلال شركتي "بيضافون" اللبنانية و"كايروفون" التي كانت شراكة بين عبد الوهاب وعبد الحليم ومجدي العمروسي، الى أن أسّس محمد فوزي بعد الثورة "جمعية المؤلفين والملحنين" ومصنع الشرق للأسطوانات 1957 ليكسر احتكار الشركتين ويسعى الى توطين الصناعات والإفادة من عوائدها الاقتصادية، فوصل إلى نحو مئة ألف إصدار سنويا!

ظهر بعد ذلك نظام الرقابة على المصنفات الفنية الذي يتيح للسلطات حذف أو تعديل أو رفض الأعمال الفنية من دون رقابة القضاء، وكانت قوانين الأحكام العرفية وقانون الطوارئ التي خضعت لها البلاد في ما بعد هي ملجأ السلطات لفرض مثل تلك الرقابة المسبقة أو مصادرة الكتب والصحف غير المرغوب فيها دون اللجوء الى القضاء، وتشير كراوية بعد ذلك إلى ظهور الأغنية الوطنية كنموذج أمثل للتعاون بين السلطة والفنان، سواء في الحروب أو مناسبات "أعياد الثورة" الرسمية، وفيها يتجلى التلحين السريع والكتابة المباشرة للحدث الذي تقدم فيه الأغنية، وكانت مهمة تلك الأغاني بالطبع الإشادة المطلقة بالنظام والتغني بشعاراته، وكان أبرز من يقدمها رسميا عبد الحليم حافظ بالتوازي مع أغانٍ أخرى شعبية قدمها محمد رشدي ومحمد طه وغيرهم.

في بداية الستينات تأسّست شركة "صوت القاهرة" التي استحوذت على شركات التسجيل المنافسة الأخرى (بما فيها شركة محمد فوزي بعدما أثقلته الديون وأرهقه المرض) وكانت مدعومة بإمكانات الدولة التي أنتجت العديد من الإسطوانات وتمكنت من بيعها على نطاق واسع بالإضافة إلى تمكّنها من التعاقد مع عدد كبير من الفنانين في مقدّمهم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفايزة أحمد وصباح وغيرهم، وفي الوقت نفسه واجه الفنانون أنماطا متعددة من الرقابة الحكومية والدينية على منتجهم الغنائي، وتورد كراوية بعضا من نماذج الرقابة والمصادرة والمقالات التي تهاجم ما سمته "الأغاني الخليعة" في ذلك الوقت.

يختلف المشهد كليا مع هزيمة 1967 لا سيما مع شعور عدد من الكتاب والملحنين بوطأة الهزيمة (مثلا صلاح جاهين وكمال الطويل) واستُدعي عدد آخر لكتابة أغنيات تعبر عن المرحلة وتدعو لتجاوزها ("عدّى النهار" لعبد الحليم) وكتب الأبنودي عددا من الأغنيات وهو في السويس قريبا من المعركة بالتعاون مع إبراهيم رجب ومحمد حمام، وتزامن مع ذلك ظهور ثنائي مختلف ينتقد الأوضاع القائمة ويسمع صوته القادم من بعيد، حيث اجتمع الشاعر أحمد فؤاد نجم مع الشيخ إمام عيسى وقررا أن يتوجها إلى الزجل الاجتماعي السياسي تفاعلا مع الظروف الصعبة المتوالية، وبدأت شهرة نجم تتوسع وأغانيه تنتشر الى حين اعتقاله في 1969 ولم يخرج حتى وفاة عبد الناصر.

 

يبدو مشروع فيروز كراوية طموحا إذ يغطي الكثير من التحولات الغنائية في مصر وأثرها على العالم العربي، ليس فقط من خلال رصد المغنين والمغنيات، بل أيضا من خلال رصدموقف السلطة ودورها في تغير التعامل مع الغناء والموسيقى


ترصد كراوية عددا من التغيرات المتلاحقة مع وصول السادات الى السلطة، حيث بدأت عملية طمس أغنيات العهد السابق (الناصري) وتزامن ذلك مع نشاط الحركة الطالبية في الجامعات المصرية وبداية انتشار المدّ الديني من جهة وظهور أشرطة الكاسيت من جهة أخرى. وإذ خرج أحمد فؤاد نجم من السجن أصبحت له قاعدة جماهيرية أكبر ولقاءات مختلفة في الجامعات والمؤسسات الإعلامية، ثم ظهر شريط الكاسيت الأول للمطرب المغمور آنذاك أحمد عدوية وحقق مبيعات كبيرة وتحوّل إلى ظاهرة خارج مؤسسات الدولة الرسمية، باعتماده على الموال الريفي وتضفيره مع أغنية ذات مذهب وكوبليهات، وتأسيسه فرقة موسيقية ضمت موسيقيين كبارا (مثل عبده داغر وحسن أبو السعود).

ترصد كرواية في الوقت نفسه صعود تيار الأغاني الملتزمة الهم الوطني أو القومي خارج مصر، مع الحرب الأهلية اللبنانية حيث بدأ مشروع زياد رحباني مع السيدة فيروز لاستعادة المسرح الغنائي من خلال عدد من المسرحيات (المحطة 1973) الذي تعامل مع موسيقى الجاز في إصدارات وأغنيات عربية من تأليفه، وتكونت أيضا مجموعات موسيقية مثل "الميادين" (مارسيل خليفة 1976) وأغاني العاشقين الفلسطينية، وفي العراق "فرقة الطريق"، كما ظهر في المغرب اتجاه لتقديم الأغاني الشعبية المغربية تبناه الفنان سعيد المغربي بالتزامن مع الحراك السياسي الشعبي في السبعينات والثمانينات. وظهرت في لبنان في الثمانينات الفنانة جوليا بطرس التي تجمع في أغانيها بين الطابع السياسي الملتزم والأغاني العاطفية البعيدة عن التقليدية، وظهرت في أوائل التسعينات فرقة "الشاطئ" في حيفا والمغنية ريم البنا التي ركز مشروعها على إعادة تناول الأغاني التراثية الفلسطينية وتقديمها برؤيتها الخاصة. هكذا ترى كراوية أن الأغاني الملتزمة كانت هي المعبّر الرئيسي عن المعارضة السياسية والاتجاهات.

لعلّ من أهم فصول الكتاب وأشدّه التصاقا بواقع اليوم هو الفصل السادس، الأخير من الكتاب، الذي تحلّل فيه الكاتبة تحولات المشهد من الأغنية الشبابية إلى ما عرف اليوم بأغاني المهرجانات وتسمّيه "عالقون بين الواقعي والافتراضي"، حيث بدأ انتشار الإنترنت لا سيما بعد 2011 وتفاعل الجماهير العربية معه والافادة الكبرى من إمكانات التواصل سواء عبر المواقع أو المدونات وغيرها، وما نتج من ذلك كله من رواج للموسيقى التجارية. تربط الكاتبة كل ذلك بانتشار الموجة السينمائية الجديدة، وأبطالها من سكان العشوائيات وما أحدثه ذلك من تغيّر كبير في استخدام الموسيقى وكلمات الأغاني نفسها.

 

3- كريم جمال: أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي

على كثرة ما كتب عن السيدة أم كلثوم، سواء سيرة حياتها أو علاقاتها بعدد من المطربين والملحنين في عصرها، اختار كريم جمال أن يحدّد لحظة تاريخية بعينها للحديث عن "الدور" الذي أدّته أم كلثوم في ما سمي "سنوات المجهود الحربي" في كتابه الصادر بهذا العنوان  عن دار "تنمية" (2022)، لعدد من الاعتبارات لعل أهمها عدم التركيز على دور أم كلثوم في تلك الفترة، الذي كان كبيرا ومحوريا. كانت تلك السيدة في قمة مجدها وتبلغ من العمر سبعين عاما، فأرادت أن تتجاوز الشعور بالهزيمة الذي ساد المصريين والعرب في ذلك الوقت، فأقامت بإيمانها وإصرارها عددا من الحفلات الغنائية في عدد من البلدان العربية (من الكويت الى المغرب) والغربية (فرنسا وروسيا) وجعلت إيرادات هذه الحفلات كلها لصالح الجيش المصري لإزالة آثار هزيمة 1967.

الجميل في كتاب كريم جمال أنه يخلص لقضيته وموضوعه، ويحرص على أن يتبع كل ما يذكره من مواقف وأحداث بالوثائق التاريخية التي اعتمد عليها في وضع هذا الكتاب، ليخرج بهذا السفر أكثر من 600 صفحة. ومن خلال فصول الكتاب الستة عشر يتتبع الكاتب حفلات أم كلثوم، منذ بدايتها ذلك المشروع بالشعار الذي أطلقته الإذاعة المصرية آنذاك "أم كلثوم معكم في المعركة" الذي يعد تتويجا لدورها منذ ثورة 1952 وكونها معبّرة عن صوت الشعب ووجدانه، حتى تحولت إلى جندية مخلصة للوطن في سبيل رفع روح أبنائه المعنوية، اذ كتب لها صلاح جاهين كلمات أغنيتها "راجعين بقوة السلاح"، حتى استعانة الإذاعة المصرية بها لتوجيه عدد من النداءات الحماسية إلى الجنود في الخطوط الأمامية، وكيف رحّبت أم كلثوم بالفكرة ودعت جميع الفنانين للمشاركة في التعبئة وتقديم عدد من الأفكار والمقترحات في خصوص برامج الإذاعة في ذلك الوقت.

بدأت أم كلثوم المساهمة في المجهود الحربي بأن حولت شيكا بمبلغ 20 ألف جنيه إسترليني إلى خزانة الدولة المصرية، كانت قد تلقته من دولة الكويت، مقابل إذاعة بعض تسجيلاتها الغنائية هناك. ولم يعلن ذلك التبرع إلا حينما علم به الصحافي صبري موسى وكتب عنه في "الأخبار"  تحت عنوان "خذوا القدوة من أم كلثوم". وفيه دعا الفنانين المصريين إلى الاقتداء بمواقف أم كلثوم الوطنية.

كوّنت أم كلثوم حينها "هيئة التجمع الوطني للمرأة المصرية" لإسعاف الجنود المصابين وتوحيد سيدات مصر للمشاركة في حملة دعم المجهود الحربي، وأعلنت نيتها جمع مليون جنيه مصري عبر إقامة 24 حفلة في مدن مصرية مختلفة، يخصص ريعها لدعم المجهود الحربي والمقاومة العربية.

يتتبع كريم حفلات أم كلثوم بعد ذلك في تلك السنوات، وينقل عددا من التفاصيل والمواقف والكواليس الخاصة بكل حفلة من حفلاتها التي جابت العالم، متبعا ذلك بعدد من المواقف والتغطيات الصحافية واللقاءات الإذاعية التي صاحبت جولاتها، ليعكس للقارئ ربما للمرة الاولى صورة حية متكاملة لتلك السنوات وما جرى فيها، كما يلقي الضوء على تفاعل جمهور "الست" مع أغانيها من حيث تنوع أدائها لبعض تلك الأغنيات تبعا للأماكن والمواقف التي تغنيها فيها، ويختم كريم جمال كتابه قائلا:

يتتبع كريم حفلات أم كلثوم بعد ذلك في تلك السنوات، وينقل إلينا عددا من التفاصيل والمواقف والكواليس الخاصة بكل حفلة من حفلاتها التي جابت العالم، متبعا ذلك بعدد من المواقف والتغطيات الصحافية واللقاءات الإذاعية التي صاحبت جولاتها

"قُدّرَ أن تعيش أم كلثوم سنوات عقدها الأخير كمؤسسة فنية ووطنية مستقلة وقائمة بذاتها، ففي السن التي كان متوقعا أن تتراجع فيها قدرات أم كلثوم الفنية وتنكمش قاعدتها الجماهيرية تدريجا، وفي الوقت الذي كان مفترضا أن تعيش فيه على مُنجز ماضيها العريق وتستعيد سمعته السابقة، وقعت الهزيمة لتغير مسار سنوات حياتها الأخيرة، فواجهت النكسة ومرارتها بقدرة مثالية على الثبات والقتال، وأدركت أن الهزائم محتملة دائما في الثورات دون أن يعني ذلك انكسارا لأهداف الوطن أو تخليا عن أحلامه".

4- أحمد الواصل: ما بعد الأغنية

 إلى السعودية يأخذنا الناقد والباحث أحمد الواصل، الذي كتب عددا من الدراسات تعنى بالأغنية والموسيقى في السعودية والجزيرة العربية بشكل عام، منذ كتابه "الصوت والمعنى" (الفارابي 2003) مرورا برواد الغناء في الجزيرة العربية، الى كتابه الصادر أخيرا "ما بعد الأغنية" (روايات 2021) الذي يتناول فيه عددا من المواضيع المهمة في الأغنية العربية، وينتقل من فكرة رصد الأصوات الاساسية والتأريخ لها، إلى رصد عدد من الظواهر المرتبطة بتلقي الموسيقى  والاهتمام بها في العالم العربي.

يبدأ الكتاب بالحديث عن الأغنية العربية بين التراث الثقافي والقالب الغنائي، وذلك بالتطبيق على فنون الأداء كما يرصدها في البحر الأحمر، فيتحدث عن أدوات موسيقية مثل "السمسمية والطنبورة" التي وصلت من طريق البحارة مثلما تنقلت فنون البادية الحجازية (السامر والهجيني)، كما يتحدث عن المشترك الثقافي الذي جمع الفنون الأدائية في السعودية وكيف أثرت عليها الروافد الثقافية المختلفة من الأردن ومصر وغيرها، ويربط التحول والتغير من خلال الاطلاع على تراجم عدد من الأعلام في الحجاز في القرون الأخيرة وكيف أشاروا إلى عدد من الظواهر الموسيقية التي تأثروا فيها بفنون مختلفة مصرية يمنية وغيرهاـ ويفصل الحديث عن فن "الصهبة" الحجازي، وأغنيات السمسمية التي يعرض لعدد من نماذجها التي اشتهرت منها أغنية "بتغني لمين يا حمام" في تنويعاتها المختلفة.

في الباب الثاني من الكتاب يتوقف الواصل عند "قالب القصيدة الغنائي" والربط الذي كثيرا ما يحدث بين الشعر والأغاني، منذ بدايات عصر التدوين راصدا مواقف عدد من الكتاب ومؤرخي الأدب من الأغنية، التي يظهر فيها بوضوح أن الأغاني متوارثة من الأزمنة العربية في العصرين الأموي والعباسي، مما يؤكد أن الذاكرة لا تفنى وتعاود تكريس سلسلة نسبها الثقافي، ثم يتحدث عن مدارس الغناء العربي المختلفة بدءا بالمدرسة الحجازية (من جنوب العراق الى اليمن) والمدرسة الشامية المصرية، والمدرسة المغربية فإلى المدرسة الإفريقية العربية، ويرصد عددا من العلاقات الدائمة التي تربط كل مدرسة بالأخرى، كما يتناول ما ذكره صفي الدين الحلي في كتابه عن فنون الأداء "القريض والموشح والدوبيت والزجل والكان وكان" وغيرها، ثم يذكر عددا من النماذج التي تمثل الفنون الأدائية في الجزيرة العربية المأخوذة من قصائد عربية ويتبع ذلك بملحق خاص بكل مرحلة من الستينات الى التسعينات.

في الفصل الثاني من الكتاب يركز الواصل على عدد من التقنيات التي دخلت على الأغنية العربية نتيجة عدد من التغيرات السياسية والاقتصادية في الربع الأخير من القرن العشرين، حيث تغير العديد من أساليب صناعة الأغنية بظهور أجهزة التسجيل التي أفادت في تطوير الأغنية، إذ  تمكنت شركات الإنتاج الفني في ذلك الوقت من استيعاب المواهب السعودية والخليجية العربية (شركات روتانا 82 وفنون الجزيرة 83، حتى فنون الإمارات 93) التي أظهرت عددا من المواهب الغنائية والملحنين العرب، كما يشير الواصل إلى أن ما ساهم في دفع عجلة صناعة الأغنية وتسويق مصطلح "الأغنية الخليجية" هو القوة الاقتصادية عند المنتجين المنفذين وشركات التوزيع، كما حدثت تعاونات على مستوى دول الخليج العربي والدول العربية، فاتجه عدد من الفرق الغنائية الى أشعار نزار قباني ومحمود درويش وسميح القاسم، والافادة من ألحان عمار الشريعي المصري وعمار هلال العراقي، وغيرها من التعاونات الثرية.

يشير الواصل كذلك ضمن ما يسميه "صندوق الأغاني الملونة" إلى اختيار عدد من الملحنين للجمع بين القصيدة الموشح والأغنية الحوارية والدرامية والعاطفية في آنٍ واحد، مثلما فعل بليغ حمدي وجمال سلامة مع سميرة سعيد، وما قدمه عمار الشريعي لعفاف راضي، وما قام به صلاح الشرنوبي مع أغنيات وردة، وغيرها من التجارب الغنائية البارزة.

ثم يتوقف عند التغيرات التي أحدثها ظهور أجهزة التسجيل المتنقلة wllakman التي جعلت عددا من الملحنين يتجهون إلى  التركيز على الأغنية المفردة مما دفع إلى نجاح بعض تلك الأصوات جماهيريا من جهة أو قيام الشركة المحتكرة بالدفع بأصوات جديدة وأغنيات مختلفة في قرص واحد، وهي تجارب عرفتنا الى عدد من الأصوات والألحان الجديدة بالفعل. ويطبق الواصل تجربة الملحن السعودي طلال الذي شارك في عدد من هذه التجارب وقدم أغنيات شهيرة وناجحة لكلٍ من راشد الماجد ومحمد عبده وأحلام وعبد الله الرويشد وغيرهم.

في القسم الثالث من الكتاب يتوقف الواصل عند مفهوم شائع لدى عدد من الفنانين وهو مفهوم "الغريب" أو الغرابة، فيشير إلى اعتبار قالب "الأغنية" في البداية غريبا لكونه يزيل الحدود التقليدية بين القصيدة والموال أو الموشح، ولدينا عدد من النماذج التي بدت غريبة في نسيج الأغنية المعروف، مثل "المناجاة" التي قدمها الملحن الكبير القصبجي، وتجربة بليغ حمدي في الألحان التي وظف فيها إيقاعات  غريبة على الأذن المصرية وجمع بين عناصر من التراث الثقافي الغنائي وقوالب الغناء التقليدي في عدد من أغنياته مثل "مداح القمر" لعبد الحليم حافظ و"بودعك" لوردة، وغيرها، كما أن هناك تجليات أخرى للغرابة ظهرت في الغناء العربي في الربع الثاني من القرن العشرين باستخدام مقامات مهجورة أو مشاكلة القوالب الغنائية والأجناس الشعرية. نجد ذلك في تجربة حلمي بكر، ويتطور الأمر بشكل مختلف مع زياد رحباني في أغانيه مع فيروز،"أنا فزعانة" مثلا. 

ويخلص الواصل من ذلك كله إلى التوقف عند  تجربتين غنائيتين مختلفتين، يمثلان هذا النمط الذي يبدو غريبا، فيتحدث عن أعمال هدى عبد الله وما قدمته في مسيرتها الغنائية، وكيف كانت معبرة عن الغرابة، بدءا من الأداء الصوتي مرورا بالألحان المستخدمة في أغانيها، بالإضافة إلى تفاعلها مع خالد الشيخ وألحانه التي يرى أنها تجسيد لنوع من الغرابة يجمع بين تجارب مختلفة في المجال نفسه.

كما يأتي في النهاية على ذكر الأغنية البديلة. وهو الوصف الذي أطلقه إبراهيم عيسى وعبد الله كمال في كتابهما "الأغنية البديلة" 1988 الذي استخدم لوصف جيل كامل، بدأ بالظهور في سبعينات القرن العشرين، تمثله مجموعة كبيرة من الحناجر والشعراء والملحنين والمنتجين، قادها ملحنان هما هاني شنودة وحميد الشاعري: تلحين الأغاني، واكتشاف الأصوات وتأسيس الفرق، الناشطة من بين الجيل نفسه، مواصلةً عقدا كاملا من إنتاجها. لكن ذلك المصطلح سرعان ما اختفى لتحل محله "الأغنية الشبابية" التي تفترض قطيعة ما المتوارث الثقافي والفني، لكن الثابت أن هذا الجيل واجه مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والسياسية والتحولات الاجتماعية أفضت إلى علامات واضحة في إنتاجهم، كان منهم في البحرين سليمان زيمان وفي لبنان زياد رحباني ومارسيل خليفة وفي مصر عدلي فخري وعزة بلبع وفي المغرب رجاء بلمليح وغيرهم.

بعد استقراء عدد من الأفكار والتجارب حول مصطلح "الأغنية البديلة" و"المستقلة" وغيرها من المسمّيات التي سعت إلى أن تشكّل تعبيرا عن الاختلاف في المجال الموسيقي العربي، يتوقف الواصل عند عدد من تجارب الفرق الموسيقية المستقلة التي مثلت تيار الرفض والاحتجاج: مثل "مسار إجباري" في مصر 2005، و"مشروع ليلى" 2009 و"مشروع كورال" 2010 و"عزيز مرقة" 2009 و"فرقة بلاك تيما" 2010، أو الفرق التي سعت  نحو "أنسنة التراث" مثل تجربة لينا شماميان، ومكادي نحاس "خلخال 2007" وريما خشيش "فلك 2008" وغيرها.

يكمل الواصل استعراض ما حدث في العالم العربي من تغيرات وصراعات وموجة عنف كبيرة أصبحت علامة من علامات العصر في 2011 وما بعدها متوقفا عند تجربة مريم صالح وما تمثله، فيتتبع مسيرتها منذ بدايتها في المسرح الشعبي وانضمامها في ما بعد الى "مشروع "كورال" الذي كان بمثابة ورشة فنية فجّرت العديد من الطاقات والمواهب، وخرجت منها مريم أكثر نضجا ووعيا بدورها وما ترغب في تقديمه، وقدمت في 2012 أغنيتها "أنا مش بغني" من ألحانها وكلمات الشاعر الراحل ميدو زهير، ومن أغانيها التي لاقت رواجا كبيرا أيضا "وحدي" كلمات عمر مصطفى، حيث يعلق الواصل على كلماتها وأغانيها بأنها تدفع إلى تأمل مكابدات المبدع وعذابات تجربته الشخصية.

يتوقف الواصل عند مفهوم شائع لدى عدد من الفنانين وهو مفهوم "الغريب" أو الغرابة، فيشير إلى اعتبار قالب "الأغنية" في البداية غريبا لكونه يزيل الحدود التقليدية بين القصيدة والموال أو الموشح


وينهي الواصل قراءة تجربة مريم صالح بالإشارة إلى أنها لا تبعتد كثيرا عن تجارب متعددة نسائية حائرة، مثل رجاء بلمليح وجوليا بطرس وتقابلها تجارب محمد منير وعلي الحجار وخالد الشيخ، التي يرى أنها حاولت تجنب خدمة السياسي بصورة مباشرة محيّدة تجربتها عن الوقوع في حالة البوق الإيديولوجي.

هكذا استطاع الواصل أن يقدم رؤية مختلفة ومغايرة للسائد في ما يرى لما بعد الأغنية المتعارف عليها، ولتقديم رؤية بانورامية للمشهد الغنائي العربي من العراق شرقا الى المغرب العربي.

5- محب جميل: سحر المغنى

إذا كان كريم جمال يركز على فترة تاريخية مهمة من حياة سيدة الغناء العربي، فإن الناقد والباحث في الشأن الموسيقي أيضا محب جميل يعود في كتابه "سحر المغنى: وجوه غنائية في النصف الأول من القرن العشرين" (دار "اكتب" 2020) إلى عدد من الأصوات الغنائية التي لم تنل حظها من الشهرة والسماع على الرغم من أهمية وجمال ما قدّمته، فيؤرخ لعدد من المطربين والمطربات الذين أثروا "الزمن الجميل"، فيبدأ بإبراهيم حمودة (توفى 1986) الذي كان أحد ألمع الأصوات في القرن العشرين، وشارك الغناء مع أم كلثوم في فيلم "عايدة". يتتبع محب حياة إبراهيم حمودة منذ ولادته في حي باب الشعرية حتى تعلمه أصل الطرب مع المنشدين وعمله في ملهى نوبار الذي تملكه فتحية أحمد. شارك في عدد من الأفلام السينمائية مثل "ليلى بنت الصحراء" و"نور الدين والبحارة"، وعرف عنه أداؤه للأدوار والموشحات والقصائد، وظل يغني حتى منتصف الستينات حيث اعتلّت صحته بعد تعرضه لحادث عام 1986.

ويكتب عن جلال حرب (توفى 2006) الذي اعتبره النقاد الصوت الأقرب الى عبد الوهاب وامتلك ثقافة موسيقية واسعة. كان والده محبا للطرب الأصيل يجمع في صالونه كبار رجال الغناء. انضم إلى المعهد الموسيقي بالإسكندرية، وشارك في عدد من الأفلام السينمائية مثل "الحب الأول" و"ابن الحارة"، وقدم عشرات الأغنيات المميزة أشهرها "هي هي" إلى جانب "الصورة الغنائية" وغيرهما، وقد كرم عام 2001 في مهرجان الموسيقى العربية عن مشواره الفني.

لعل من أشهر من يتناولهم الكتاب سعد عبد الوهاب (توفى 2004) صاحب الأغنية الشهيرة "الدنيا ريشة في هوا" وهو ابن شقيق الموسيقار محمد عبد الوهاب، قام ببطولة عدد من الأفلام الناجحة مثل "العيش والملح" و"علموني الحب" وغيرهما، وقدم أغنيتين في آخر مشواره الفني هما "شوف الزمن" و"الحب الإلهي" وكُرّم في مهرجان القاهرة الدولي للأغنية عام 2002.

 يعود محب جميل في "سحر المغنى" إلى عدد من الأصوات الغنائية التي لم تنل حظها من الشهرة والسماع على الرغم من أهمية وجمال ما قدّمته، فيؤرخ لعدد من المطربين والمطربات الذين أثروا "الزمن الجميل"


 يتناول الكتاب أصواتا أخرى مثل عباس البليدي عاشق التراث الأصيل، وعبد الغني السيد الذي بدأت شهرته في تعاونه مع الموسيقار الكبير رياض السنباطي، إلا أنه واجه أيضا عددا من الصعاب والتحديات لا سيما بعد فشل فيلم "وراء الستار" وبقيت له أغنيات بديعة ومهمة مثل "آه من الزمان والهوى" و"ع الحلوة والمرة" وغيرهما، كما يلقي الضوء على كارم محمود فارس النغم الرقيق الذي شارك في عشرين فيلما سينمائيا واشتهرت من أغانيه "أمانة عليك يا ليل طول" و"على ورق الورد" وغيرهما، ويتوقف قليلا عند الصوت الشجي المميز محمد قنديل الذي عاش حياته في عزلة وامتلك صوتا من أعذب الأصوات وبقي مخلصا للغناء حتى آخر أيامه، واشتهر  من أغانيه "يا حلو صبح" و"3سلامات" و"بين شطين ومية" وغيرها.

يخصّص محب جميل القسم الثاني من الكتاب للمطربات اللاتي قد يفاجأ القارئ بأسماء بعضهن، إذ لم يحظين بشهرة مثل الرجال، منهن أحلام التي يصفها بـ"مطربة الصبر" وأشهر أغانيها "يا عطارين دلوني" من ألحان الموسيقار محمود الشريف الذي اكتشف تميز صوتها مصادفة. قدمت عددا من البرامج الإذاعية مثل "عظمة الرسول" و"الراعي الأسمر" وفارقت الحياة عام 1997. كما يتناول مسيرة المغنية حورية حسن التي اكتشفها محمد الكحلاوي في واحدة من زياراته لطنطا، واستمع إليها عبد الوهاب وأعجب بإمكانات صوتها وتميزه، غنت أوبريت "معروف الإسكافي" على مسرح الأزبكية عام 1950 ودخلت السينما من طريق الغناء فشاركت في فيلم "بابا عريس" و"ليلة الدخلة" و"عنتر ولبلب" وغيرها، ولعل أشهر أغانيها "شبكونا برمش عينهم" و"من حبي فيك يا جاري" وغيرهما.

كما يتناول محب جميل مسيرة حياة سعاد مكاوي بنت عازف القانون محمد مكاوي وكيف بدأت حياتها الفنية من خلال المشاركة في فيلم "الكنز المفقود" ومنه إلى الإذاعة المصرية لتقدم أجمل أغانيها "مالي بيه" وأوبريت "بالومة" و"دولة الحظ" و"زمان الجناين"وغيرها، وكيف اعتزلت بعد عدد من الزيجات التي لم تكتمل وانتهت باعتزالها الفن والمجتمع حتى وفاتها 2008، كما يتناول مسيرة شهرزاد، مطربة المسرح الغنائي التي نشأت في أسرة فنية، وبدأت مسيرتها بإحياء حفلات على مسرح الأزبكية، ثم تقدمت الى الإذاعة وشاركت في عدد من البرامج الغنائية، كان لها دور في الغناء اثناء الثورة 1952 كما ساهمت في تكوين "فرقة رضا للفنون الشعبية"، ورحلت عن عالمنا عام 2013. كما يتناول مسيرة ليلى حلمي نجمة الإذاعة الذهبية التي شاركت في أفلام مثل "قيس وليلى و"العريس الخامس" ورحلت مبكرا (1980)، ويتناول سيرة المغنية ملك، مطربة العواطف كما لُقبت، ونادرة أميرة الطرب، ونجاة علي، وغيرهن من الأصوات الفريدة والمميزة.  

font change

مقالات ذات صلة