مسار الاقتصاد العالمي: هدوء التضخم ونمو مرتدّ

العين على مظاهر الانكماش في الصين

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
متداول في بورصة نيويورك الاثنين الماضي يراقب انتعاش الأسهم الأوروبية والأميركية، في وقت أنهت الأسواق الآسيوية يومها على تباين بعد فشل خفض أسعار الفائدة الصينية في طمأنة المستثمرين القلقين.

مسار الاقتصاد العالمي: هدوء التضخم ونمو مرتدّ

تتضح معالم جديدة للاقتصاد العالمي، بعد أزمة التضخم التي برزت خلال العام الماضي وهدأت قليلا في نهاية الفصل الأول من السنة الجارية. هناك تراجع في معدلات التضخم في الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد من دول الاتحاد الأوروبي، وهناك مظاهر انكماش في الاقتصاد الصيني. كيف يمكن أن نقرأ هذه التحولات الاقتصادية وكيف يمكن لاقتصادات دول الخليج مواجهة استحقاقاتها ومنها ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب على النفط؟

لا شك في أن هذه التحولات متسارعة، فما بين معدلات تضخم عالية وانحسارها، بعد اتخاذ البنوك المركزية الرئيسة قرارات برفع أسعار الحسم للحد من التمويل، يتضح حاليا أن السياسات النقدية التي اعتمدت على مدى نحو عامين قد أفلحت وأتت بثمارها، على الرغم من أن معدل التضخم لم يتراجع إلى المستوى المستهدف (2 في المئة) من مجلس الاحتياطي الفيديرالي والبنوك المركزية الأخرى. أهم من ذلك، أن أسعار المواد الغذائية تتجه إلى الاعتدال على الرغم من استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا، وتوقف صادرات القمح من روسيا وأوكرانيا بين فترة وأخرى.

أهم ما يمكن ملاحظته في المشهد الاقتصادي العالمي، تلك الأوضاع القائمة في الصين. اتخذت الحكومة الصينية قرارات صعبة بعدما ظهرت معالم جائحة كوفيد-19 في مطلع 2020، وذكر آنذاك أن تلك الجائحة مصدرها الصين، أسواقها أو مختبراتها، وتشددت السلطات في إجراءات الوقاية إلى درجة كبيرة، مما عطل النشاط الاقتصادي وحركة البشر. ظلت الصين تخضع لتلك الإجراءات حتى بعدما تحررت دول كثيرة من تأثيرات الجائحة وتعقيداتها. غني عن البيان أن الإجراءات السابقة الذكر، دفعت المستهلكين لتقنين متطلباتهم، مما أدى إلى تراجع الانفاق الاستهلاكي بدرجة كبيرة. يضاف إلى ذلك، أن فرملة حركة المواطنين والانغلاق عطلا عمليات الإنتاج في المصانع وخفضا إنتاجيتها. منذ بداية شهر أبريل/نيسان، من السنة الجارية، بدأت بوادر الانكماش تبرز، ومنها تراجع مبيعات التجزئة، وانخفاض مستويات الانفاق الاستثماري، وتدني المبيعات العقارية، في وقت ارتفعت معدلات البطالة بين الشباب.

يتضح حاليا أن السياسات النقدية التي اعتمدت قد أفلحت وأتت بثمارها، على الرغم من أن معدل التضخم لم يتراجع إلى المستوى المستهدف (2 في المئة) من مجلس الاحتياطي الفيديرالي والبنوك المركزية الأخرى

تبقى الصين ظاهرة فريدة اقتصادياً في التاريخ المعاصر بعدما انتقلت من النظام الاقتصادي الشمولي إلى ما أطلقوا عليه تسمية "اقتصاد السوق الاجتماعي"!

ارتفعت معدلات النمو الاقتصادي لتتجاوز التسعة في المئة سنوياً منذ بداية التحولات الهيكلية في الاقتصاد الصيني في عام 1978. كما أن تلك التحولات أنقذت مئات الملايين من السكان وانتشلتهم من الفقر والمعاناة المعيشية. يضاف إلى ذلك، تحسنت جودة الحياة وتمكن الصينيون من الحصول على تعليم جيد ورعاية صحية ملائمة وارتفعت معدلات الحياة، ناهيك بتطورات واضحة في مستويات البنية التحتية والخدمات الحيوية. لكن الانفتاح الاقتصادي ظل مرهونا بقرارات الحكومة المركزية والحزب الشيوعي الحاكم وبرامجه. في الآونة الأخيرة، فرض النظام الحاكم على المصارف إقراض المواطنين والمؤسسات. تقوم المصارف والمؤسسات المالية بطرح منتجات ائتمانية لتشجيع المواطنين على الاقتراض. من المشكلات الطارئة، تراجع الطلب على المساكن في الوقت الذي تزايد فيه العرض بعد فورة البناء والتوسع العمراني. تهدف الحكومة إلى توفير التمويل لتشجيع المواطنين على اقتناء المساكن، وذلك بهدف حماية الشركات العقارية من مواجهة الإفلاس أو التعسر. تعاني شركة "كاونتري غاردن" (Country Garden)، وهي شركة ضخمة، من الديون المصرفية وتراجع أنشطتها وتحقيقها لخسائر تفوق 7 مليارات دولار في النصف الأول من 2023.

النمو الأميركي

إذا كان وضع الصين الاقتصادي يتسم بالإنكماش أو الركود، فكيف هي الأحوال في الولايات المتحدة أو دول الاتحاد الأوروبي؟

تؤكد البيانات الموثوق بها والرسمية، أن معدل النمو للاقتصاد الأميركي كان 1,5 في المئة (كمعدل سنوي) في النصف الأول من السنة الجارية، وإن كانت البيانات الصادرة عن بنك "جي. بي. مورغان" (J.P.Morgan) تشير إلى معدل نمو سنوي من 2 إلى 2,4 في المئة. يعني ذلك أن الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة واعدة، وهناك فرص جيدة للأعمال وتوفير فرص عمل جديدة.

وقد أصدر  مكتب احصاءات العمل تقريراً أظهر أن الوظائف الجديدة في شهر يوليو/تموز 2023، كانت في حدود 187 ألف وظيفة. كما أن معدل البطالة بلغ 3,5 في المئة، وهو معدل منخفض ويثبت متانة سوق العمل في الولايات المتحدة. وتؤكد بيانات التضخم، أن مجلس الاحتياطي الفيديرالي قد يتريث في رفع سعر الحسم خلال اجتماعاته المقبلة خلال الشهور المتبقية من السنة الجارية، بما يعزز إمكانات المؤسسات للحصول على تمويل بتكاليف مناسبة. وتشير بيانات التضخم إلى تراجع في معدلات التضخم الأساسي (Core Inflation)، الذي لا يشمل الوقود والغذاء، وإن كان التضخم في أسعار الخدمات لا يزال مرتفعاً نسبياً، حيث كان 6,1 في المئة في شهر يوليو/تموز، بعدما بلغ معدله الأقصى عند 7,3 في المئة في شهر فبراير/شباط من السنة الجارية. وعلى الرغم من أن عددا من المراقبين وضع تحفظات على الإدارة الأميركية الحالية وأداء الاقتصاد في عهدها، فإن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCED) ذكرت في  تقرير  صدر في يونيو/حزيران الماضي أن الاقتصاد الأميركي تمكن من تجاوز عثرات جائحة كوفيد-19 ومعضلات التضخم وما نتج منها من سياسات نقدية متشددة.

أوروبا رهينة التضخم 

سقط الاقتصاد الأوروبي رهينة للتضخم، لكن على الرغم من أن مواجهة ذلك التضخم كانت بطيئة من قبل البنك المركزي الأوروبي، إلا أن الأداء الاقتصادي في دول الاتحاد الأوروبي سجل تحسنا منذ بداية السنة الجارية. نما الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 0,3 فــــي المئة (كمعدل سنوي) في الربع الثاني من 2023، وفقا لبيانات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCED) الصادر في يوليو/تموز. برزت مشاكل في قطاع الصناعات التحويلية في عدد من دول الاتحاد الأوروبي بسبب أزمات الامداد.

كيف يمكن لاقتصادات دول الخليج مواجهة استحقاقاتها ومنها ما قد يؤدي إلى تراجع الطلب على النفط؟ 

أما المعضلة الأساسية، وهي التضخم، فأضحت تحت السيطرة، حيث تراجع معدل التضخم من 5,5 في المئة في يونيو/حزيران، إلى 5,3 في المئة في شهر يوليو/تموز. كذلك يسعى البنك المركزي الأوروبي إلى تحقيق هدف الـ 2 في المئة كمعدل منشود، ويأمل صانعو السياسات النقدية اعتدال أسعار الطاقة لتحقيق أهدافهم في مكافحة التضخم. وقد لا تستقر أسعار النفط، والطاقة عموماً، إلا بعد وضع نهاية للحرب في أوكرانيا.

EPA
الحي المالي في لندن، كما بدا امس، بعدما حقق رؤساء أكبر الشركات في بريطانيا زيادة في أجورهم نسبتها 16 في المئة، بينما أدى التضخم إلى تقليص رواتب العمال بالقيمة الحقيقية.

وأظهر الاقتصاد الياباني، الذي يعتمد بشكل كبير على التصدير، تطوراً مهماً خلال الربع الثاني من السنة الجارية، وكما يذكر تقرير لقناة "سي. أن. بي. سي." الإعلامية، فقد قدر معدل النمو في الربع الثاني من السنة الجارية بـ 6 في المئة، كمعدل سنوي. يأتي ذلك نتيجة لارتفاع قيمة الصادرات. في طبيعة الحال، لا بد لهذا التطور من أن ينعكس على سوق الأوراق المالية ويحسن مؤشر "NIKKEI 225"، ويعزز سعر صرف الين الياباني أمام الدولار والعملات الرئيسية الأخرى.

لا بد من أن نتذكر أن الاقتصاد الياباني مر بفترة طويلة من الركود منذ بداية تسعينات القرن الماضي، وتراجع مؤشر NIKKEI  من المستويات القياسية التي بلغها آنذاك. يضاف إلى ذلك أن أسعار العقارات التي بلغت أرقاماً فلكية تدنت بشكل كبير. وتواجه اليابان مشاكل هيكلية، أهمها ما يتعلق بالأوضاع الديموغرافية، بعدما تزايدت أعداد كبار السن وتراجعت أعداد الشباب ومن هم في أعمار المنخرطين في قوة العمل. يذكر مكتب الإحصاءات الياباني أن عدد سكان البلاد قد بلغ 125 مليون نسمة تقريباً، مما يدل على أن ليس هناك نمو للسكان بل انخفاض سنوي يقارب 0,07 في المئة.

إذاً، نحن أمام مشهد اقتصادي عالمي تتسم فيه الاقتصادات الرئيسية بالتفاوت في الأداء، حيث يتراجع الاقتصاد الصيني ويتحسن الاقتصاد الأميركي وينمو الاقتصاد الأوروبي باعتدال في حين يفاجئ الاقتصاد الياباني المراقبين بمعدل نمو لافت.

القضية الأساسية التي يجب أن تشغل دول المنطقة على المديين المتوسط والبعيد، هو قدرة الاقتصادات الرئيسة والمستهلكة للنفط على تجاوز تراجع الطلب نتيجة معالم الشيخوخة وتزايد أعداد كبار السن وانخفاض أعداد الشباب، وبالتالي تراجع الطلب على السلع والخدمات.

السؤال أيضاً، هل ستتوافر مقومات للطاقة البديلة بما يخفض الطلب على النفط، أو هل ستتمكن الدول المنتجة للنفط من تحسين نوعية صادراتها من خلال تنقية هذه الصادرات من ثاني أكسيد الكربون كما يذكر عدد من المتخصصين، باستخدام آليات حديثة مثل عمليات نزع الكربون (Decarbonisation)؟

هذه تحديات جديدة لكنها تظل حيوية وتتطلب التعامل معها بجدية. أما التحدي الحقيقي أمام دول الخليج، فهو العمل من أجل تنويع القاعدة الاقتصادية وبناء نظام تعليمي عصري يقود هذه الدول إلى مراحل اقتصادية متقدمة تعتمد على المعرفة والعلم. 

font change