سوريا... تحالف الحرب والبطالة وراء تفشّي الأمراض النفسيّة

ارتفاع مقلق في حالات الانتحار

Majalla/Getty Images/AFP
Majalla/Getty Images/AFP

سوريا... تحالف الحرب والبطالة وراء تفشّي الأمراض النفسيّة

دمشق: قبل حلول عام 2011، كان مشهد رؤية رجل يمشي عاريا في البرد القارس في "ساحة السبع بحرات" وسط دمشق، معلنا فوزه بميدالية ذهبية للسباحة الحرة أمرا غير اعتيادي، كما كانت مشاهدة امرأة ترتدي معطفا مطريا وقفازات صوف في الصيف القائظ حدثا غير مألوف. وكانت التفسيرات الأولية الماثلة في عقول السوريين آنذاك عن المرضى النفسيين والمجانين تنطوي في أغلبها على أسباب ثقافية أو ميتافيزيقية بحتة، يفاخرون بالقلة القليلة منهم ووجودهم في بلد الأسوياء، إذ ينظرون إلى أسباب جنون الآخرين وتعبهم النفسي والعقلي على أنها تندرج تحت أسباب آفة الحسد والإصابة بالعين أو المسّ بالجن أو ربما لعنة إلهية حلت عليهم، كحال مريم التي كانت ترقد طوال الليل حتى ينال منها النعاس أمام قبر طفلها محاولة إيقاظه لتناول طعام الفطور والذهاب إلى المدرسة.

عمليا، لم يتأخّر السوريون كثيرا حتى يصبحوا مثل مريم بمرورهم الجماعي نحو التعب والهلاك النفسيين، كما لم يختلف مصيرهم عن مصير ذلك الرجل وتلك المرأة، فمنذ 2011 أصبح هناك الآلاف ممن يشبهون مريم. تناسلت مئات القصص وولد العديد من الحكايات، لكن بفارق بسيط، هو أن مستشفى المجانين أو كما اعتاد السوريون تسميته بـ "العصفورية" اتسعت جدرانه وباتت أكثر رحابة، ولم يعد نزلاؤه أسرى داخل المستشفى، بل خارجه، فالجنون صار في كل مكان.

وحدها ويلات الحروب قادرة على إقصاء النفس البشرية عن مسارها السوي، تغرقها في الهشاشة، وتفرز كميات هائلة من المشكلات النفسية المستعصية على التفكيك. فاسترجاع أصوات القذائف وصور الأشلاء المتناحرة في المخيلة، كفيل بالتسبّب بمعاناة طويلة الامد جراء اضطراب ما بعد الصدمة، وحتى النجاة من موت محقّق تفتح أبوابا من الشعور بالذنب والاضطرابات العصبية، كذلك فقدان الشغف، وانعدام فرص العمل وما يتأتّى عنه من وضع اقتصادي منهار، جميعها أسباب تدعو السوريين إلى الحفر عميقا في اللاجدوى والاستسلام لليأس وفقدان معنى وجودهم.

 الشريحة العمرية من عمر المراهقة إلى الثلاثين هي الأكثر تأثرا بالحرب، باعتبار أنها مرحلة بناء الشخصية النفسية والعاطفية والمهنية والأحلام واستشراف المستقبل

جلال شربا

ينضم الاكتئاب وعصاب القلق والعصاب الرضي إلى طليعة الأمراض الشرسة التي افرزتها الحرب السورية، وهنا يجب عدم الاستهانة بـ"الرض" الذي هو صدمة على حدث معيش لا يمكن تجاوزه، ويتسبب للمصاب بالشعور بالعجز عن الاستجابة بكيفية سوية لحدث نفسي ذي طابع وجداني جارف. يفسر الطبيب النفسي جلال شربا لـ"المجلة"هذه الآثار النفسية والعصبية: "شرط حصول الرض هو عدم القلق فالثقة العمياء بعدم حصول مكروه ما أو حدث متوقع، هو ما يتسبب بصدمة تفوق قدرة الجهاز النفسي للمصاب على تحملها، فالقلق يؤدّيوظيفة حامية من الرض، يقي الإصابة بعصاب الذعر، وهو ما يطلق عليه التثبيت على الرضات"، متابعا: "يصبح الحدث الراض فاصلا زمنيا في حياة صاحبه، فتتحول حياته إلى استعادة خاضعة لتكرار الموقف، من قبيل موت شخص عزيز أو فقدان مقرب وغيرها، فلا يستطيع الفكاك من الحدث الماضي ويعيش غربة عن الحاضر والمستقبل".

يلفت شربا إلى أن "الشريحة العمرية من عمر المراهقة إلى الثلاثين هي الأكثر تأثرا بالحرب، باعتبار أنها مرحلة بناء الشخصية النفسية والعاطفية والمهنية والأحلام واستشراف المستقبل".

انسداد الأفق

يجد معظم الشباب السوري اليوم نفسه عاجزا عن نيل فرصته الحقيقية في سوق العمل وإثبات قدراته العلمية والمهنية، فالتداعيات الاقتصادية التي تسبّبت بها الحرب الفادحة، أدّت إلى بطء في النمو الاقتصادي ورفع معدلات التضخّم وانتشار البطالة، لتحرم العديد من متخرجي الجامعات من الانخراط في الوظائف المناسبة لتحصيلهم الدراسي، والذهاب نحو وظائف أخرى متدنية الأجر لتأمين احتياجاتهم اليومية، وهنا يواجه الشباب السوري مشقّتين، الأولى تتمثّل في محدودية فرص العمل ومحدودية دخلها، أما الثانية فالاضطرار إلى خوض أعمال بعيدة عن اختصاصهم التعليمي، ومنفصمة عن أحلامهم وطموحاتهم، وهذا بحد ذاته يخلق في داخلهم شعورا بالصراع بين ما يحبونه وحلموا به، والواقع الخاذل لطموحاتهم المهنية.

AFP
عمال ينتظرون الحصول على عمل في مدينة الباب، في محافظة حلب شمال سوريا.

تعدّ البطالة من المشاكل المتأصلة في الاقتصاد السوري، وقد تفاقمت حدّتها خلال سنوات الحرب التي انعكست سلبا على سوق العمل، وفق المكتب المركزي للإحصاء الذي يشير إلى انخفاض معدلات التشغيل خلال العقد الأخير، إذ أن نسبة البطالة في سوريا تبلغ 20%، في حين تراجعت نسبة التشغيل من 36 إلى أقل من 31 في المئة.

تتبوأ محافظة ريف دمشق الصدارة من حيث عدد العاطلين عن العمل، بنسبة بلغت 13%، إذ تعتبر الأكثر تعطلا من حيث الذكور، تليها مدينتا حماه واللاذقية بنسبة 12%، لكن تعدّ الإناث الأكثر تعطلا في الثانية، في حين تضمّ محافظات حمص ودمشق وطرطوس نحو 10% من العاطلين عن العمل من الجنسين، ويشكل العاطلون عن العمل في محافظة حلب نسبة 9%.

أمام هذا الواقع الصعب والمعقد، فإن أساليب الوقاية من الاضطرابات النفسية التي ينصح بها الاستشاريون النفسيون، تخفق أمام اختبار الجنون السوري، فنصائح الاسترخاء والاستحمام بالماء الساخن، وتجنّب مناخات القلق والطاقة السلبية والتغذية السليمة والدعوة الى ممارسة الرياضة، جميعها لم تصمد أمام ومضة الكهرباء التي تقاس بسرعة البرق ورياضة الجري خلف وسائل النقل الرخيصة، وهذا الخليط من الأسى والمرارة والشعور بالعجز يقابله السوريون بالكثير من السخرية والتهكم كنوع من الحماية المفرطة لحساسيتهم وصمّام أمان لمواجهة الضغط المتواصل، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن عدوانية لفظية وغضب عارم يصعب التخلص منه سريعا، فنجد أنفسنا أمام حالة من الحنق الشامل، سواء في الأحاديث اليومية المتبادلة بين الناس في الشارع أو في أوساط العائلات والأصدقاء.

تفتيت الألم

على الرغم من أن التعاطف البشري الانتقائي يبرز في المأساة الفردية أكثر مما في تلك الجماعية التي تتحوّل مع مرور الوقت إلى مجرد إحصاءات وأرقام كبيرة، إلا أن الحالة السورية سعت دائما إلى مواصلة الحصول على الدعم النفسي والاستجداء العاطفي العالمي، ليس فقط عبر وسائل الإعلام، بل من خلال مشاركة حزمة الآلام والخيبات الفردية الكبيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتفتيتها إلى آلام صغيرة يسهل تجاوزها، كيف لا؟ أليس السوري جديرا بآلامه؟ هكذا يعلق أحدهم على منشور استغاثة نفسية كتبه أحد المتأرجحين على تخوم اليأس لاجئا إلى واحدة من مجموعات "فيسبوك" المغلقة التي تحولت منذ سنوات إلى ملاذ الكثيرين، إذ أن تحمّل الصعاب يمدّنا بالشعور بالعظمة الداخلية، فالطريقة التي يتقبل بها الإنسان قدره ويتقبل بها كل ما يواجهه من معاناة، تهيئ له فرصة عظيمة حتى في أحلك الظروف لإضافة معنى على حياته، وفرصة تحقيق شيء ما من خلال هذه المعاناة.

AFP
طفل سوري نازح يعيش في مباني دمرتها الحرب، في مدينة الرقة شمال سوريا

"رفيقي جرب ينتحر"، بهذه الكلمات كتب أحد الشبان منشوره على إحدى المجموعات العلمانية على "فيسبوك" ليضمن المساعدة وتفادي التنظير الممل، ليستفيض في الشرح عن صديقه الذي أقدم على محاولة انتحار تكللت بالفشل. يصف الشاب صداقتهما بأنها مبنية على المزاح المستتر تحت طبقات عميقة من السخرية على الأوضاع المعيشية والأحلام الضائعة. يستعين الشابان بالسخرية كوسيلة تعويضية عن البكاء والعويل اللذين تحرمهما منهما الذكورية الشرقية، لكن لم يخطر في بال أحدهما أن الأمر سيتطور إلى الرغبة بإنهاء الحياة. يصر الشاب على عدم جدوى الأطباء النفسيين وأنهم يجنون المال من أوجاع الناس وحثهم على الكلام، لكن اللافت في الأمر أن الشاب يختم تساؤله بالجملة التالية "لا أشعر بالذنب ولا بتأنيب الضمير جراء محاولة صديقي الانتحار، هل أنا مريض؟".

 يجد معظم الشباب السوري اليوم نفسه عاجزا عن نيل فرصته الحقيقية في سوق العمل وإثبات قدراته العلمية والمهنية، فالحرب أدّت إلى بطء في النمو الاقتصادي ورفع معدلات التضخّم وانتشار البطالة

اللافت في المجموعات "الفيسبوكية" أنها تعوّل على المشاركة الجماعية للألم الفردي في سبيل تفكيكه وتحليله ليصبح أكثر احتمالا، لا سيما أن الظروف والمناخات النفسية المشابهة عند الآخرين تخفف الحمولة الثقيلة الملقاة على عاتق المريض وإخباره بأنه ليس الوحيد الذي يعاني ويقاتل على جبهة الحياة في سوريا، يأتي هذا كنوع من المواساة أو المؤازرة الجماعية للشخص وإحساسه بالمساواة حتى بالمصائب، وأن حصص الفجائع موزّعة بعدل، ما يمنحه الإحساس بالرغبة بالمضي قدما حتى ولو لم تتحسّن أوضاعه قيد أنملة.

العلاج بالروحانيات

كثيرا ما تلقى حالات النجدة النفسية ومحاولات الانتحار تفاعلا كبيرا على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تثير شهية العامة لممارسة معتقداتهم الدينية، فهناك فئة لا بأس بها تشرع في فتح صندوق الفتاوى وإدانة السلوك الانتحاري وتربط الاكتئاب بضعف الإيمان، فتقدّم النصح بالعلاج بالقرآن والصلاة وسيلة سحرية للشفاء وطرد الأفكار الشيطانية. في المقابل، ينصح العديدون بالعلاج بالمعنى والبحث عن أهداف مهما بلغت بساطتها والعيش من أجل تحقيقها، هؤلاء يقدّمون دعمهم انطلاقا من أسباب إنسانية صرفة، ومن أحقية الإنسان في العيش من أجل التمتع بملذات الحياة دون الاكتراث بالسلطات الدينية.

 

AFP
امرأة سورية نازحة تعيش في مباني دمرتها الحرب، في مدينة الرقة شمال سوريا

تتزايد معدلات الانتحار على نحو لافت بالتزامن مع تردّي الأوضاع المعيشية، إذ سجلت الهيئة العامة للطب الشرعي قرابة 175 حالة انتحار عام 2022 موزّعة بين مختلف المحافظات السورية، لتسجل مدينة حلب أعلى رقم وصل إلى 35 حالة انتحار، فيما اعتبر عام 2020 الأعلى في عدد حالات الانتحار المسجلة التي بلغت 197 حالة، في حين وصلت إلى 124 حالة عام 2019.

وتعتبر طقوس العلاج بالروحانيات جزءا أساسيا من خطة العلاج النفسي بهدف استعادة التوازن النفسي والروحي، وعن ذلك تشرح الاختصاصية في علم الاجتماع أريج الرز لـ"المجلة" أهمية الممارسات الروحانية: "العلاج القائم على الروحانيات هو علاج مساند للأدوية التي تكون تحت إشراف الطبيب ولا يمكن أن تحلّ محلها، تأتي أهمية الروحانيات التي تشمل التأمل والموسيقى والطقوس الدينية بوصفها مؤثرة بالعديد من الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب، والتي يدخلها المعالج النفسي إلى خطة العلاج بعد التعرف الى المريض". تتابع: "لكل مريض خصوصية، فهناك مرضى متدينون فيكون هامش العلاج بالقرآن والأحاديث النبوية كبيرا في خطة العلاج، في حين تكون رياضة التأمل والموسيقى علاجا فعالا لمرضى آخرين". 

Getty Images
سوريون من ذوي الإعاقة البصرية يشاركون في مسابقة للسباحة أقيمت للدعم النفسي والتوعية الاجتماعية في منطقة الأتارب بحلب السورية في 30 آب 2021.

تلفت الاختصاصية إلى أن الكثير من المرضى يعانون من أمراض مزمنة تتسبّب لهم بآلام مبرحة، مما يجعلهم يدخلون في الاكتئاب والقلق، لذلك فإن رياضة التأمل تساعد مرضى القلب والروماتيزم على تخفيف حدّة وجعهم وتقلّل الشعور بالقلق والتوتر، إذ تعمل على تقليل إفراز هرمون الكوورتيزول، وهو الهرمون المسؤول عن الشعور بالضغط العصبي.

ثقافة الوصفات الطبية العشوائية

تنمو ثقافة الوصفات الدوائية العشوائية بين السوريين منذ نعومة أظفارهم، وهي عادة ما تُبرر تحت ذريعة "أسال المجرب ولا تسأل الحكيم"، دون مراعاة للشروط الطبية والصحية. يصرف أحد المعلقين بثقة عالية دواء "الزولام" لشابة تشتكي من الاكتئاب الحاد الذي طالت ضيافته في وجدانها، في حين يؤكد آخر فعالية أقراص "دورميفال" السحري لمقاومة الضغوط والتوتر. ربما لا يعلم هؤلاء أن تناول الأدوية العصبية دون استشارة طبيّة يهدد صحتهم الجسدية والنفسية والعقلية معا، أو لعلها الأبواب المواربة للصيدليات هي السبب وراء شيوع استخدامها، ذلك أن طرق أبواب الاستشاريين النفسيين وجلسات العلاج تكلف راتب موظف لشهر كامل. وفي هذا الإطار، تؤكد الطبيبة النفسية لانا سعيد أن "شيوع ظاهرة الاستخدام العشوائي للأدوية النفسية دون استشارة الطبيب، لا سيما مع تضاعف حالات الاضطرابات النفسية في سوريا خلال سنوات الحرب، ومن أشكالها الاكتئاب الحادّ، والقلق، وفقدان الشغف، وعدم الشعور بالمتعة، والتبلّد الشعوري، واضطرابات النوم، واضطراب ثنائي القطب والعزوف عن التواصل الاجتماعي".

 سجلت الهيئة العامة للطب الشرعي قرابة 175 حالة انتحار عام 2022 موزّعة بين مختلف المحافظات السورية، لتسجل مدينة حلب أعلى رقم وصل إلى 35 حالة انتحار

لم تكن يوما الرحلة إلى عيادة الطبيب النفسي سهلة في الوعي السوري، بل شاقة ومحفوفة بالألم والوصم، لكن يبدو أن حالة انعدام الرخاء النفسي والتشوّهات النفسية والاضطرابات المتتالية، وارتفاع الطلب على العلاج النفسي، كسرت حاجز التردّد، ودفعت إلى الكشف عن الذات المتعبة والتعبير عن حالة التيه والتشظي التي خيمت على السوريين جراء الحرب، فكانت المنظمات الدولية أول من بادر لاحتواء الحالة السورية مروّجة لفكرة أن ثقافة الصحة النفسية ليست رفاهية، إذ أطلق برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في سوريا خدمة "فضفضة" المجانية للدعم النفسي الاجتماعي، متعهدا بالحفاظ على السرية التامة للمعلومات الشخصية للمرضى، وقد زودت الخدمة اختصاصيين نفسيين وأطباء لمساعدة المرضى على تخطّي أزماتهم والتحدث عن مشكلات العمل أو الأسرة، وتفريغ شحنات الغضب والحزن وإزالة حواجز الخجل ومساعدتهم في السيطرة على انفعالاتهم.

font change

مقالات ذات صلة