"اترك العالم خلفك"... وتابع مسلسلك المُفضّل

جوليا روبرتس ترافقنا إلى نهاية العالم

Netflix via AP
Netflix via AP
مشهد من الفيلم

"اترك العالم خلفك"... وتابع مسلسلك المُفضّل

بعد ساعات قليلة من إطلاقه على "نتفليكس"، تصدَّر "اترك العالم خلفك" قائمة العشرة أفلام الأعلى مُشاهدة عالميا على المنصة. ثمة عوامل عديدة جعلت من هذا الفيلم عملا منتظرا. أولا أنه مأخوذ عن رواية ناجحة وشهيرة بالعنوان نفسه للكاتب رومان علم، كانت صدرت بالإنكليزية عام 2020 (كما صدرت ترجمتها العربية عن دار الكرمة المصرية عام 2022، بتوقيع سها السباعي) ودارت حول أجواء العزل المُخيفة والضاغطة من قبل حتى بداية الإغلاق العالمي الذي رافق انتشار وباء كوفيد19، وكأنها رواية نبوئية بشكل ما. عامل ثان أن مَنْ تصدى لكتابة سيناريو الفيلم وإخراجه هو سام إسماعيل، الأميركي من أصول مصرية، مُبتكِر مسلسل "مستر روبوت" من بطولة رامي مالك، الشهير والحاصل على جائزة "غولدن غلوب". ولنُضف إلى ذلك طاقم التمثيل على رأسهم جوليا روبرتس بشهرتها الكبيرة. عدا عن نوع الفيلم، كأحد أفلام الكوارث ونهاية العالم. وأن يُعرض في هذه اللحظة بالذات، والعالم يمرّ بالمزيد من الأوقات السيئة ويُنتِج بلا توقف نهاياته، في السودان وغزة وأوكرانيا.

ذات يوم، تستيقظ أماندا، التي تؤدي دورها جوليا روبرتس، وقد اتخذت قرارا أحادي الجانب بأن تصطحب أسرتها في عطلة فجائية خارج مدينة نيويورك. أمر واقع يرضخ له الزوج كلاي(إيثان هاوك) ومن أجله ينهض من نومته الكسولة ليُحضّر حقيبة سفره. تُحاول أماندا تبرير قرارها، ربما لنفسها أكثر مما لكلاي، وهي تطل من نافذة غرفة نومها على العالم، وفي نوع من المونولوغ تقول إنها تود الفرار من الناس الفظيعين الذين تكرههم ولا تُصدقهم أبدا بُحكم عملها في مجال الدعاية والإعلان، وهو مجال ينهض على الإيهام والتلاعب، كما تعترف هي نفسها.

من هذه النقطة، يبدأ الفيلم انطلاقته. وكأن أماندا، ستعيد تذوق الكلمات المُعادية للبشر التي خرجت من فمها وهي واقفة في غضب قرب النافذة، أي أنها ستدفع بشكل ما "الكارما" التي أنتجها خطابها وستتعلم عاقبته. ومن جانب آخر، لأن هذه العطلة، وكما سيُخبرهم الجار "داني" لاحقا في المنطقة المُنعزلة التي سيلجأون إليها بعيدا من نيويورك، كانت نوعا من الحظ السعيد، أو على الأقل الحظ من النوع الأقل سوءا مقارنة بحظوظ مَنْ بقوا في نيويورك وعايشوا ما لا نستطيع لا نحن، ولا هُم أبطال الفيلم، فهمه ولا تخيُّله.

من الصعب مشاهدة "اترك العالم" من غير أن نستعيد بالضرورة أفلاما أخرى مرّت من الطريق نفسه، وبما يُمهّد لتساؤل عما يُمكن أن يضيفه هذا الفيلم

بعيدا عن المدينة

والفيلم ينهض على هذا الإبعاد إلى الجزيرة المُنعزلة التي تنتقل إليها العائلة في سيارتهم الفارهة. الزوج والزوجة، وابنهما المُراهِق المُتبرم لسبب ولغير سبب آرتشي (تشارلز ساندفورد)، وابنتهما روز (فرح ماكنزي)، وهي صبية ليست حالمة تماما، لكنها أيضا تتمتع بحدس كبير، وقد كانت أول مَنْ لاحظت الخلل الذي يجري في البيئة المُحيطة بالجزيرة، وظّلت مع ذلك مشدودة إلى جهازها اللوحي، لا تحلم بأكثر من إكمال حلقات مسلسلها التسعيني المُفضّل "فريندز".

إلى هذا يُذكّرنا "اترك العالم خلفك" بفيلم Old2021 من سيناريو وإخراج المخرج الشهير نايت شيامالان، المأخوذ عن رواية هو الآخر، وكانت أحداثه تجري بالمثل على جزيرة منعزلة تتسم بخلل في نظامها الحيوي يؤثر على أجساد المُقيمين عليها. أما الهَمَّ الذي يشغل سام إسماعيل في "اترك العالم"، فليس في ما يحدث على الجزيرة، أو هذه المنطقة المُنعزلة. نعم، إنه يُعطينا إشارات، عبر زوايا الكاميرا البعيدة والمائلة، وهي تترقب سيارة الواصلين الجدد إلى الشاليه الذي ستدور فيه الأحداث. عبر الموسيقى، من تأليف ماك كوايل، التي تُذكرنا بعوالم هيتشكوك، وهي هنا بثيمات متنوعة ومُعبرة للغاية. كما وعبر الجو العام، المُقبِض، والحميمية النادرة بين أفراد الأسرة، ثم مشهد أماندا وهي تتبضع من السوق، حال وصولهم، ويُلفت أحدهم نظرها إلى كميات غير منطقية من البضائع اشتراها وكأنه يستعد لحدوث حرب.

الحرب، هي التي تحدث أولا، بشكل صامت وبارد، حين يهبط على الأسرة المتوتِرة – أماندا ترفض أي بادرة رقة من زوجها وتواصل قضاء الإجازة في وضعية الدفاع – جورج، أو جي إتش، وهو صاحب النُزل أو الشاليه، أسمر البشرة، يلعب دوره ماهر شالا علي، وابنته المُراهِقة المستاءة، وربما الوقحة إلى حد ما، روث، تلعب دورها ميهالا هيرولد. الأسرة السمراء - وسريعا تُصنّف كل أسرة الأخرى بصفتها دخيلة - تطلب الاستضافة في بيتها الخاص، لمدة ليلة واحدة، على أن يردوا نصف الإيجار ويرحلوا في أقرب وقت ممكن، والعذر الذي يُقدمه صاحب البيت لمستأجِريه البِيض، هو أن الكهرباء مقطوعة في الطريق إلى نيويورك، وبالتالي فإن مفاصل المدينة شبه متوقفة. وهي حجة لا تبدو مُقنعة لأماندا المُتشككة بطبعها.

يُشككنا الفيلم حتى في الأب وابنته. بتبادلان حوارا قصيرا من عينة: "يجب أن نُخرِجهم من هنا"، و"لا يُمكننا أن نفعل ذلك عبر إخافتهم". وكأنهم فعلا يتحضرون لحرب بينهم وبين تلك العائلة البيضاء المغرورة. تقول روث لأبيها: "أيا كان ما سيحدث لا تثق في البِيض أبدا".

AP
أبطال العمل في العرض الأول لفيلم "Leave" على Netflix في نيويورك

صور نهاية العالم

من الصعب مشاهدة "اترك العالم" من غير أن نستعيد بالضرورة أفلاما أخرى مرّت من الطريق نفسه، وبما يُمهّد لتساؤل عما يُمكن أن يضيفه هذا الفيلم تحديدا للقائمة الطويلة من الأعمال التي سبقته. مثلا اللقطات الغريبة للكرة الأرضية والستالايت، التي تكتنف الفيلم كله تُذكرنا بستانلي كيوبريك في "أوديسة الفضاء: 2001". ومع هذا الشعور، بأن الأبطال مُراقبون من الخارج يمكن أن نستدعي غزو الفضائيين الرهيب في الفيلم ذائع الصيت Signs أو علامات، مجددا للسينمائي نايت شيامالان. إذن ما المُميز هنا؟ عند المشهد الكبير لحاوية البترول الضخمة التي تُشبه سمكة قرش ضخمة واسمها "وايت لايون"، وهي تصطدم بسرعة وعنف باليابسة، وتلتهم أجساد مَنْ لم يفرّوا هاربين، بينما وحدها روز كانت رأت هذا الجنون قبل أن يقع، وأطلقت تحذيرا مشلولا منه. هذا المشهد يُمكن اعتباره الدخول الحقيقي إلى شخصية الفيلم، إلى عظمه ولحمه وإلى مطاردته المهووسة لصور نهاية العالم.

تُركِز الكثير من المراجعات للفيلم، وحتى سام إسماعيل في حواراته الدعائية للعمل، يُركِز هو الآخر، عن هذا الوضع المُتقابل لأسرتين مُتناقضتين ظاهريا، لحظة انعدام اليقين عمّا سيأتي به الغد، إن كان سيأتي. ومع أن هذه الرؤية واضحة في الفيلم، عبّر عنها بقوة الأداء التمثيلي لجميع فريق الفيلم، والتمثيل من عوامل الإمتاع فعلا في "اترك العالم"، فإننا نشعر طوال المُشاهدة، كأن هناك شيئا آخر وراء ما يحدث، مفتاحا آخر سيظهر من العدم، حلا للغز. لُغز انقطاع الإنترنت والاتصالات، لغز تمسُّك جي. إتش وابنته روث بالبقاء في منزلهما، ولو بشراكة غير مرغوبة مع أسرة أماندا، بينما العالم في الخارج غريب.

ويقولون إنها ربما تكون حربا تلك التي قامت في نيويورك. وتظهر الأيائل حول حوض السباحة وحديقة الشاليه، وتلمحها روز، في مشهد أساسي آخر في الفيلم. ما الذي يحدث؟ هجوم سيبراني؟ حرب؟ معلومة كان جي. إتش على اطلاع عليها، بينما حُرمت منها أسرة أماندا؟ وما علاقة كل هذا بالحيوانات؟ إن السبب وفقا للفيلم ليس مُهما، أو على الأقل ليس شديد الأهمية. في الرواية الأصلية، اهتم الكاتب بالنتيجة التي أدّت إلى هذه السلسلة المتلاحقة من النهايات، أكثر من اهتمامه بذِكر السبب. والفيلم، مع محاولته لأن يُفسر شيئا مما حدث، ظل بعيدا عن أن يُجيبنا: كيف، ولماذا حدث ما حدث؟ وكأنما المطلوب هو المراقبة الحثيثة لهذا الانهيار التدريجي، لا فقط للحياة كما نعرفها لكن أيضا للشخوص من الداخل، للقناعات والمُسلَّمات، وحتى للجسد بمفهومه الفيزيقي (الجانب الأخير يُعبِر عنه أكثر جسد آرتشي المراهق). "قد يكون العالم على وشك الانتهاء في الخارج" تقول روث لوالدها وهي ترجوه ألا يتركها وحدها، بينما الاشتغال الجمالي كله مُنصب هنا على شكل هذا الانتهاء. ما هي الصور الكارثية المُرعبة التي سيُجسّدها المخرج؟ كيف سيكون شكل الناس عندئذ؟ كيف ستتصرّف الحيوانات؟ والتي هي بالمناسبة، شريك أساسي في حضور المأساة وضحية مباشرة لها.

هل أراد سام إسماعيل أن يقول إن نهاية العالم لن تكون بيئية كما نتوقع؟ ربما. وربما، حسب خيالات "اترك العالم" هي خدعة سياسية، تتجسد أساسا من تداعي قدرتنا نحن البشر على الاحتمال، على احتمال الحياة تحديدا، على احتمال أحدنا الآخر، واحتمال أنفسنا. قرب النهاية تعترف أماندا: "وأعرف أنني أكره الناس، لكنني سأفعل أي شيء لاستعادتهم مرة أخرى".

المفارقة التي ينهض عليها هذا الفيلم هي نفسها مُفارقة حياتنا المُعاصِرة، بينما نعيش طفرة في وسائل التكنولوجيا والتواصل المعلوماتية، نظل محرومين من الحقيقة حتى النخاع

استياء مُزمِن

بالطبع تضع الدراما في الفيلم أبطال العائلتين، إذ يصيروا مع الوقت عائلة واحدة، تحت ضغط اختبار إنساني رهيب. والرهان ليس أن يجتازوا هذا الاختبار. فهم خاسرون مُسبقا وبجدارة، بسبب تكوينهم النفسي قبل كل شيء، واستعدادهم الفِطري للعداوة. هناك دائما ما يُخفيه أحدهم عن الآخر – في هذا المضمار يتفوق جي. إتش على جميع الشخصيات الأخرى بطرقه الفاتنة في مغافلة مُستمعيه - إنهم ليسوا طيبين. أو على الأقل، لا يهتمون كثيرا بالآخر. لكنهم جميعا سيُظهِرون، بشكل غير متوقّع لحظات من الإنسانية النادرة، كما سيرسبون تماما في لحظات أخرى.

أما أشد طرق التعبير عن هذا الاستياء الوجودي عذوبة في الفيلم، فهو تعلق روزي وهي أصغر فرد في عائلة الشخصيات حتى اللحظة الأخيرة بمسلسل "فريندز". هذا التعلُّق مع مشهد النهاية، وأغنية التيتر، يُمكن تأويله عدد لا نهائي من المرّات. لكنه، وهذا الأهم، يترك تأثيرا قويا، لعمل كان يحتاج بشدة إلى يقين وسط كل هذا الشك.

Netflix via AP
مشهد من الفيلم

إن المفارقة التي ينهض عليها هذا الفيلم هي نفسها مُفارقة حياتنا المُعاصِرة، بينما نعيش طفرة في وسائل التكنولوجيا والتواصل المعلوماتية، نظل محرومين من الحقيقة حتى النخاع. هذه التكنولوجيا هي سلاح حقا، لكن لعلّه في يد أعدائنا.

إن كان ثمة جديد في "اترك العالم خلفك" فهو الافتقاد الحاد للمعنى، الافتقاد لرسالة ما أو فكرة أو شعور، تُعزينا وراء هذه النهاية، الآتية لا محالة. شيء يصنع من وجودنا عظة أو بكل بساطة يجعله قابلا للتفسير، وهذا بالضبط ما يحرمنا منه المخرج سام إسماعيل.

font change

مقالات ذات صلة