"نابليون" ريدلي سكوت: ماذا تبقَّى من سرّ القائد العظيم؟

القائد التاريخي بين حب مدمّر وطموح قاتل

AP
AP
مشهد من فيلم "نابليون".

"نابليون" ريدلي سكوت: ماذا تبقَّى من سرّ القائد العظيم؟

هل يُمكن القول، بعد الانتظار والترقب، إن فيلم ريدلي سكوت عن القائد الفرنسي التاريخي نابليون بونابرت، كان يستحق كلّ هذا الانتظار؟

منذ بدأت عروض آخر أفلام المخرج الإنكليزي الشهير في فرنسا، والنقاشات مفتوحة إلى ما لا نهاية. فيشير مؤرخون إلى أخطاء الفيلم التاريخية، ومنها أن نابليون لم يشهد إعدام ماري أنطوانيت كما نرى في الفيلم. كما أنه لم يكن بهذا التردد والاهتزاز الذي بدا على واكين فينيكس في تجسيده السينمائي. كما أن الفيلم تجاهل الدور التشريعي لنابليون، وحقيقة أنه أحد مؤسسي الدولة الفرنسية الحديثة، كما أغفل الحديث عن ابتكاراته العسكرية، وبعضها ما زال صالحا للتطبيق في المعارك المُعاصِرة.

ريدلي سكوت من جانبه، صرّح مرات عدة أنه مولع بالتاريخ، لكن ليس بالمؤرخين. هناك عشرة آلاف كتاب على الأقل، عن نابليون، كَتَبها أشخاص لم يُعايشوه، فلماذا عليه أن ينقاد وراء أوصاف مَنْ لم يروا القائد الشهير، ويهجر رؤيته هو السينمائية؟ على أرض الواقع، بتنفيذ هذا الفيلم، أنجز سكوت ما سعى المخرج الأميركي الشهير ستانلي كيوبريك لإنجازه من دون أن يَبلَغه، هو الآخر كان يحلم بتحقيق فيلم كبير عن القائد الكورسيكي المؤثِر. اتفق نقاد سينما فرنسيون، في نقاشات أخرى، على أنه خطأ المؤرخين أنفسهم، إذ جعلوا من نابليون، شخصية "لا تُمسّ" والنتيجة أن صناع السينما الفرنسيين، لم يُفكروا في عمل فيلم عنه، وقد كانوا الأَوْلى بهذه المهمة، في حين تجرأ على ذلك مخرج بريطاني.

لكن هل نابليون يخصّ الفرنسيين وحدهم؟

في مصر، على سبيل المثال، يحظى نابليون بسُمعة سيئة، وإليه تُنسب، زورا أو صدقا، حادثة كسر أنف أبو الهول. جوبهت الحملة الفرنسية على الإسكندرية بمقاومة شعبية باسلة، ومع ذلك فإنه من المُتفق عليه أن هناك ما قبل/ وما بعد الحملة الفرنسية على مصر. بعض أساتذة التاريخ المصريين يستنكرون حتى وصف "حملة"، ويُفضلون تسميتها غزوا، أو احتلالا صريحا. باختصار، إن كان نابليون يُرى في فرنسا كقائد عظيم، بل "أعظم قائد عسكري في التاريخ"، على حد وصف بعض المؤرخين، وكما يُردد الممثل طاهر رحيم على مسامع واكين فينيكس في أحد مشاهد الفيلم، فهو في مناطق أخرى من العالم، ليس أكثر من مُستعمِر مُتغطرس كبير؟

إلى أي كفة إذن مال السرد السينمائي في "نابليون" ريدلي سكوت؟

الأشخاص في "نابليون" أقرب ما يكونون إلى صور كاريكاتورية، في سُخرية من التاريخ نفسه ربما، من الجِدة المُفرِطة لأحداثه القديمة، ومن تعطّش الثورة للدماء وللانتقام

"كرواسون... كرواسون"

مَنْ يتربصون بالدقة التاريخية، يسخر منهم مبكرا ريدلي سكوت. منذ الافتتاحية، تصدح المطربة الفرنسية إيديث بياف: "كرواسون... كرواسون"، بينما تُقاد ماري أنطوانيت للإعدام على المقصلة، وسط صيحات العامة الحماسية. ولدت بياف بعد إعدام الملكة بأكثر من قرن، لكن لعلّ صوتها يسبغ على الفيلم شيئا من الروح الفرنسية، التي لم يكن ريدلي سكوت يرغب في الإكثار منها على كلّ  حال.

AP
مشهد من فيلم "نابليون".

في الميدان، كان هناك عسكري شاب يُتابع تفاصيل عملية الإعدام الوحشية. يشي وجه واكين فينيكس، عندما تتنقل الكاميرا بينه وبين الملكة المغدورة، بعلامات اشمئزاز مُمتزجة بالرهبة. شاهد نابليون في هذه اللحظة، ما هو أبعد من حادثة فصل رأس السيدة عن جسدها، إنها مشاعر الجمهور المُلتهبة في أعقاب الثورة الفرنسية، وعَرف أن أي معادلة ستُصاغ، لا يُمكن استبعاد الرأي العام منها.

من قلب هذه الأجواء يتحرك فينيكس، الذي ما زال بمشيته الثقيلة أسفل القبعة التاريخية، ونظرة عينيه الفارغة يُذكِّرنا بدوره في فيلم "جوكر" الشهير. ألم ينتهِ جوكر الفيلم أيضا بالدماء والفوضى في كل مكان؟ ها هو نابليون يبدأ رحلته التراجيدية منها، كأنما في سير عكسي للتاريخ.

وإن كان لصوت بياف مفعول السحر في التذكير بالثقافة الفرنسية، فإنه يُمكن رؤية هذا الدخول السينمائي بمثابة عَتبَة للرؤية الجمالية التي يتبناها سكوت في فيلمه. إن الأشخاص في "نابليون" أقرب ما يكونون إلى صور كاريكاتورية، في سُخرية من التاريخ نفسه ربما، من الجِدة المُفرِطة لأحداثه القديمة، ومن تعطّش الثورة للدماء وللانتقام، وبالأخص من الطموح الذي يلتف حول عنق صاحبه، ويسقطه في النهاية ببساطة، مثله مثل سائر الناس.

AP
مشهد من فيلم "نابليون".

بعد قليل نُشاهد نابليون وهو يُخطط لمعركة "تولون"، عليه أن يُحرز نصرا ما لفرنسا، وترقية لنفسه. إلى هذا الحد، كان يبدو الرجل طموحا واثقا من نفسه: "عنصر المفاجأة هو ميزتي الكبرى لكني سأنتصر بالنار"، يقول لطاهر رحيم الذي يؤدّي دور السياسي بول باراس. على أرض المعركة نفسها، حين تبدأ ليلا، يتخبّط نابليون في ما يشبه نوبة الذعر قبل انطلاق المدافع وبدء المعركة التي سيخرج منها مُنتصرا، ويحصل على رُتبة عميد، غير أنه سيقدم حصانه أضحية، ولوالدته الرصاصة التي اخترقت هذا الحصان، تحية ووعدا بأمجاد مقبلة.

ليس من السهل تصديق صورة نابليون الخائف المُرتعِش، يلهج بما يشبه الصلوات قبل المعركة، لكنها رؤية المخرج الهازئة من جانب، والمؤنسنة إن جاز التعبير من جانب آخر للقائد الشهير. هذا الطابع الهزلي يمتد إلى اللغة الجسدية للكومبارس في الفيلم. مثلا الطريقة التي تُفجع بها ثائرة مُناصرة للملكيين، بعد أن وجَّه جنود نابليون النار عليها وأردوها، مع آخرين، الفزع المُمتزج بعدم التصديق لرؤيتها قدمها وهي منفصلة عنها. الطريقة التي تلوّح بها زوجة أحد أعضاء المجلس الحاكم، كأنها ستطير، حين يُلقى القبض عليه في عملية الانقلاب التي قادها نابليون مع آخرين. أما الشكل الكاريكاتوري الأوضح، فيتحقق بالطبع مع نابليون، لهاثه المُستمر وهو يجري وسط المعارك خائفا، أو وهو يهرب من النواب في المجلس، ويُسلمهم للجنود، أو وهو يبكي مثل طفل صغير فقد أمه.

رسائل العاشقين

من بين العشرة آلاف كتاب تاريخي عن نابليون التي تحدث عنها ريدلي سكوت في حواره التلفزيوني مع صحفية شبكة France Inter، انتقى سكوت رسائل نابليون مع عشيقته ثم زوجته لفترة من الزمن جوزفين بونيه، وعهد بها إلى كاتب السيناريو دافيد سكاربا، الذي مَرَكز بدوره حكاية فيلمه حول قصة عشق نابليون وجوزفين، وهي أقوى ما يُقدمه الفيلم وأرقه وأبلغه في التعبير عن حياة الكورسيكي المسكين الذي صار ذات يوم إمبراطورا على فرنسا.

AFP
المخرج السينمائي البريطانيالأمريكي ريدلي سكوت وزوجته الممثلة الكوستاريكية جيانينا فاسيو خلال عرض فيلم "نابليون"

تلعب دور جوزفين الممثلة البريطانية فانيسا كيربي، وتمنحها من حسيتها وقدراتها التعبيرية ما يؤهلها لتكون بطلة هذا الفيلم الحقيقية، إن لم تكن على الأقل ندا لواكين فينيكس. مع تقدم أحداث الفيلم، الطويل نسبيا إذ يمتد زمنه إلى ما يزيد عن الساعتين والنصف، نتأكد أن قصة الحُب هذه هي العمود الفقري الوحيد للفيلم، وتبدو معها بقية أحداث الفيلم حوادث فرعية وجانبية، عارضت قصة الحُب الكبيرة هذه، واستهدفت تدميرها.

يمرّ الفيلم سريعا على حملة مرور نابليون على مصر، ثمة محاولاته التخريبية لتدمير الهرم الأكبر. لكن ثمة أيضا مشهده وهو خاشع أمام مومياء في تابوتها، يُعتقد أنها مومياء الملكة كليوباترا. يخلع نابليون قُبعته، ويضعها أعلى تابوت الملكة، ثم يلجأ إلى صخرة ترفعه ليواجه وجه الملكة، ويُقرّب أذنه منها، مُعتقدا أنها ستخبره سرا ما، ربما عن الخلود، ربما عن الانتصار، ربما عن الحضارة، لا أحد يدري، لكنه لا يلقى إجابة سوى الغبار.

وبينما يكتب لجوزفين من مصر، حيث الحرّ خانق، بكل ولع الدنيا: "حبي لك أشبه بالموت"، يعرف مِن أحد معاونيه أن جوزفين تخونه في فرنسا. ألم تقل له في أول لقاء صريح بينهما: "هل يزعجك ما تعرضت له في الماضي؟ هل ينبغي أن أحذرك من علاقاتي السابقة؟". فيعود نابليون إلى باريس، تاركا الحملة لكليبير. وهناك تدور جولة أخرى من قصة الحُب الاستثنائية، بساديتها ومازوخيتها. وإن اضطررنا لاستخراج قلب هذا الفيلم من مشهد واحد، فلا مشهد آخر يصلح أكثر من مشهد تبادل الاعترافات الذليل بين العاشقين. يقول نابليون: "أريدك أن تقولي إنني أهم شيء في العالم، وإنك لا شيء من دوني". وتُردد له جوزفين كما يشتهي، لكنها أيضا تشترط عليه: "أنت أيضا قُل إنك لا شيء من دوني"، ويقول نابليون صادقا.

يتمركز الفيلم حول قصة عشق نابليون وجوزفين، وهي أقوى ما يُقدمه الفيلم وأرقه وأبلغه في التعبير

في ظلال جوزفين

وإذا كانت جوزفين هي الأبرز حضورا في فيلم "نابليون"، فإن باريس، هي حقا الغائبة. قد تكون في خلفية رأس نابليون السكوتي، إنها حُبه بلا شك، اختصار انتمائه الفرنسي المأمول، وهي أيضا الوحش الرابض، المُستعد للانقضاض عليه، عند أقل خطأ. إنها جوزفين الفرنسية من الأصول النبيلة، وهو لم يكن فرنسيا ولا نبيلا. باريس هي الرأي العام الفرنسي، وهي مُحبو نابوليون، ومَنْ جعلوه "أهم قائد عسكري في العالم"، ليس لأنها كذا الحقيقة، فلا توجد بطبيعة الحال انتخابات ديمقراطية للمنصب الافتراضي، لكن لأنهم أرادوه كذلك. مع ذلك، هي باهتة بشكل ما في الشريط السينمائي. ربما لأن نابليون قضى فترات طويلة من حياته في المعارك، ولأن ريدلي سكوت خصص القسم الأكبر من فيلمه لهذه المعارك.

إن مُشاهدة هذه المعارك مُمتعة جدا بلا شك، على الشاشة الكبيرة، لا سيما مشاهد الحرب على الجليد وإسقاط الجنود في الماء، وكذلك معركة "ووترلو" وغيرها. يتيه المُشاهد وهو يُحصيها إن لم يُنذر نفسه لهذه المهمة منذ بداية الفُرجة. ولا بد أنها أحد أهم عوامل جاذبية مشروع نابليون عند مخرجي هوليوود، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، لكن ألم تقلب الفيلم من عمل كان ينبغي أن يصير سيريا إلى عمل حربي تُجاري، وإن كان مُتقن الصنع بكل تأكيد؟

قد يكون مصدر ارتباك البناء في "نابليون" هو طموح ريدلي سكوت، ومعه كاتب السيناريو بالطبع دافيد سكاربا، المتوزع بين تقديم رؤيتهما لشخص نابليون، الذي وكأنه اقتيد إلى كل ما حققه من أمجاد ومن هزائم، ولعرضهما للدسائس وألعاب السياسة في أعقاب الثورة، وللمعارك السينمائية، التي قال ريدلي سكوت إنه صوَّرها على الورق أولا عبر الرسم وبكل تفصيل ممكن، قبل أن يشرع في تحقيقها، وكذلك لقصة حُبه لجوزفين. ومع الإصرار على رواية شيء عن كل شيء، من دون التعمق في أي شيء، فإن "نابليون"، على الرغم من طوله الزمني يبدو قصيرا وحتى مُبتسرا، وكأن هذا المشروع كان يُصلح أكثر كمسلسل، ومن غير أن ينتقص هذا القول من مواطن جماله السينمائي.

على أي حال، تستدعي مُشاهدة "نابليون" ريدلي سكوت، فيلما آخر شاهدناه هذا العام، هو "أوبنهايمر" كريستوفر نولان. إنه الطموح الأحمق نفسه، والقتل نفسه، والتطلع إلى مجدٍ يُفني صاحبه. وقبل كل شيء إنه افتتان مُخرجي هوليوود بالمعارك والجثث الطائرة، والعالم الذي انتهى أكثر من مرة لكنه ما زال بطريقة ما، يدور حولنا.

AP
مشهد من فيلم "نابليون".


غير أن "نابليون" يتفوق على "أوبنهايمر" في الرقة، وفي الدور الذي تتمتع به الحبيبة جوزفين، وفي رابطها الروحي العميق بنابليون، وحُبهما غير القابل للتفسير، لكنه كتب مع ذلك قسما من تاريخ فرنسا. وبينما ترعى نرجسية أوبنهايمر في أرض العالم الواسعة، يستمد نابليون لحظات قوته العابِرة من جوزفين، أكثر من أي شيء آخر، ويُقرّبه الانفصال عنها خطوة من الانفصال عن فرنسا.

ها هو نابليون بكل جبروته المزعوم، ملتاعا يأكله الحب حتى لا يُبقي منه على شيء، ويغتاله الطموح على حين غرة، إنه في هذا حقا يُشبهنا، ونابليون في هذه الحالة حقا عظيم.

font change

مقالات ذات صلة