تحولات ديموغرافية في ظل الحرب

هجرة الاقليات من شمال شرقي سوريا

AFP
AFP
محتجون امام برلمان اقليم كردستان في اربيل، ضد الغزو التركي لمنطقة عفرين شمال سوريا في صورة تعود الى 2018

تحولات ديموغرافية في ظل الحرب

الحسكة- مثل باقي مناطق سوريا، لا تبدو المدن والبلدات، وحتى الأرياف، في منطقة شمال شرقي سوريا "المحكومة ذاتيا" على ما كانت عليه قبل عشر سنوات؛ فالإقليم الذي كان يوصف تقليديا بأنه "حديقة العالم القديم"، لكثرة الجماعات العرقية والدينية واللغوية والمذهبية القاطنة فيه، حدثت ضمنه تحولات ديموغرافية واضحة، اختفت على أثرها بعض التشكيلات الأهلية القومية والدينية، وزادت نسبة كتل أهلية أخرى، فيما يعيش بعضها الآخر قلقا من إمكانية فقدانه لوزنه الديموغرافي الذي كان. حدث ذلك بسبب الحرب والهجرة/التهجير والأحوال الاقتصادية، إلى جانب تأثير التبدلات المناخية وصعوبة الحصول على تعليم مناسب، بعد انهيار هياكل الدولة بسبب الحرب.

تقليديا، فإن الخريطة الديموغرافية في منطقة شمال شرقي سوريا كانت قائمة على أربعة ملامح رئيسة: كامل الشريط الشمالي على طول الحدود مع تركيا وبعمق يتراوح بين 30 إلى 100 كيلومتر، كان ذا أغلبية سكانية كردية مطلقة، مع انقطاع في المنطقة الريفية المحيطة ببلدة "تل أبيض". جنوب ذلك الشريط، وصولا إلى الضفاف الشمالية لنهر الفرات، كانت تتوزع عشرات القبائل العربية بكثافة متفاوتة. إلى جانب ذلك، فإن أعدادا وفيرة من "المسيحيين الآشوريين/السريان" كانوا مستقرين في مراكز المدن الرئيسة وعلى طول نهر الخابور، ومعهم جماعات أهلية متناثرة في كل منطقة، أبناء الديانة الإيزيدية في أرياف مدن الحسكة وعامودا والقامشلي، وأرمن في مراكز مدن كوباني/عين العرب والرقة والقامشلي والحسكة، وشيشان في مركز مدينة رأس العين وأريافها.

وحسب بعض التقديرات غير الرسمية، فإن مجموعة سكان منطقة شرق الفرات قبل عام 2011 كانت تُقدر بنحو 4 ملايين نسمة، وكان العرب يشكلون 60 في المئة منهم، والأكراد 30 في المئة، فيما كان الآشوريون/السريان يشكلون 5 في المئة، وباقي المكونات الدينية والقومية يشغلون نسبة الـ5 في المئة الباقية.

تجولت "المجلة" في كثير من مدن وبلدات وأرياف منطقة شمال شرقي سوريا، ولاحظت دلائل ومؤشرات لا تُحصى، تدل كل واحدة منها على حدوث تحولات ديموغرافية بليغة في ذلك المشهد، سواء على مستوى مناطق الاستقرار، أو نسب التوزيع الديموغرافي بين السكان المحليين.

اندثار خمس جماعات أهلية

على ضفتي نهر الخابور، اختفى الوجود الآشوري تماما، ولم يبقَ منهم سوى 500 شخص فحسب، كما أخبرنا مصدر سياسي من "المنظمة الآتورية الديمقراطية". بعد أن كانوا يُقدرون بأكثر من 20 ألف نسمة، موزعين على عشرات القرى المطلة على نهر الخابور ومركز مدينة "تل تمر". حدث ذلك عقب الهجوم العنيف الذي شنه تنظيم "داعش" على القرى الآشورية في ربيع 2015، قتل خلاله العشرات من الآشوريين، وأسر بضع مئات من المدنيين منهم، فيما تشن القوات التركية المتمركزة على بُعد عدة كيلومترات من مركز مدينة "تل تمر" هجمات مدفعية شبه يومية على المنطقة المحيطة بها، الأمر الذي تسبب في هجرة جماعية لسكان تلك المنطقة، خصوصا بعد تقديم دول مثل أستراليا وكندا تسهيلات خاصة لأبنائها.

كان الأرمن الجماعة الأكثر شعورا بالأمان والاستقرار المستدام، وللحفاظ على ذلك، لم ينخرطوا في أي استقطاب سياسي أو عسكري سوري

أمر شبيه جرى بحق الشيشان، الذين كانوا الجماعة المؤسسة لبلدة رأس العين الحديثة، منذ أواسط القرن التاسع عشر، وكانوا يملكون امتدادا ريفيا في كامل جنوب المدينة، وصولا إلى منطقة الحمة، شمالي مدينة الحسكة؛ فقد نزح أكثر من 90 في المئة من الشيشان من مناطقهم، ولم يبقَ في المدينة إلا قرابة عشرين عائلة فحسب، كما تحدث محمد سليم بيك، أحد وجهاء الشيشان في المنطقة، مذكرا بأن الشيشان لم يتحولوا إلى طرف في الصراع طوال مرحلة الحرب داخل المدينة، التي بدأت أواسط 2012 وانتهت بالهجوم التركي أواخر 2019. 

AFP
أشوريون يحتلفون بالسنة الجديدة في دمشق في 2004


يشبه سليم أحوال الشيشان الفارين من الصراع المسلح بما جرى بحقهم في مرتفعات الجولان أثناء حربي 1967 و1973. فبعدما ظلوا محافظين على لغتهم وثقافتهم وعاداتهم المحلية لأكثر من قرن ونصف القرن، بسبب التكتل الديموغرافي في منطقة واحدة، فإن تبعثرهم اللاحق في المدن السورية الكبرى، دفعهم للانحلال الثقافي، وهو أمر سيحدث مع شيشان مدينة رأس العين، الذين بقي القليل منهم في محافظة الحسكة، أما الباقون فقد نزحوا إلى مناطق الداخل السوري، أو إلى جمهورية الشيشان ذاتية الحكم في روسيا الاتحادية نفسها. 
اجتهدت قوى المعارضة السورية، ومعها كثير من الفصائل الإسلامية المسلحة المدعومة من تركيا، للإيحاء بالحفاظ على شيشان بلدة رأس العين، عبر تعيين قادة ميدانيين شيشان وبناء مؤسسات "مدنية" شيشانية، مثل "الجمعية القفقاسية"، إلا أن حالات التظلم التي قدمها السكان الشيشان بشأن الاستيلاء على ممتلكاتهم ونهب بيوتهم أثناء حرب عام 2019، فندت كل تلك "الادعاءات". 
كذلك تناثر الأرمن، الذين كانوا يشكلون عصب الصناعة في أربعة مُدن رئيسة في المنطقة (القامشلي كوباني الحسكة والرقة). وكان النظام الحاكم يراعي خصوصيتهم القومية تماما؛ فلهم مدارس خاصة تُدرس اللغة الأرمنية، وإلى جانبها نواد مدنية ومؤسسات ثقافية وجمعيات خيرية. ولأجل ذلك كانوا الجماعة الأكثر شعورا بالأمان والاستقرار المستدام، وللحفاظ على ذلك، لم ينخرطوا في أي استقطاب سياسي أو عسكري سوري. 
وحسب مصادر مقربة من الجمعية الخيرية الأرمنية، فإنه من أصل نحو 2000 عائلة أرمنية في مدينة القامشلي مثلا، كانوا يشغلون الوسط التجاري للمدينة ويسيطر الحرفيون منهم على المدينة الصناعية وسوق الصاغة ومواد البناء، بقي راهنا أقل من 500 عائلة فحسب، أما البقية فقد هاجرت مناصفة إلى أرمينيا والدول الاسكندنافية. مُرجحين "تدني مستوى الحياة وتراجع الخدمات العامة وعدم الشعور بالأمان كدوافع أساسية وأولية للهجرة الجماعية؛ فالأرمن كانوا على الدوام أعضاء في الطبقة الوسطى والعليا من المجتمعات المدنية في تلك المنطقة، الأكثر ثراء بشكل نسبي والأفضل تعليما وتمتعا بفضاء مجتمعي داخلي، وهو ما افتقدوه تماما خلال السنوات الماضية". 
على أن السريان كانوا الجماعة المحلية التكوينية الأكثر تعرضا لـ"الاندحار الديموغرافي" خلال سنوات الحرب؛ فالمصادر الكنسية كانت تقول إن ثمة 25 ألف سرياني "أرثوذوكسي" في مدينة القامشلي فحسب، وأعدادا تماثلهم في مدن الحسكة وديريك/المالكية وأريافها، تراجعت أعدادهم تماما، حتى إن بعض التقديرات تقول إنهم راهنا أقل من 10 في المئة مما كانوا عليه من قبل. 

أسباب "الهجرة الجماعية" للسريان

السريان كانوا الجماعة الأهلية الأكثر "تشرذما" سياسيا في مختلف مراحل الثورة السورية، وبالذات ضمن الصراع السياسي في منطقة شمال شرقي سوريا؛ فبينما بقيت "المنظمة الآثورية الديمقراطية" مؤيدة للثورة السورية وعضوا مؤسسا وقياديا في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، فإن حزب الاتحاد السرياني بقي على الدوام شريكا في الإدارة الذاتية لشمال شرقي سوريا، يملك تنظيمات مسلحة ضمن صفوف "قوات سوريا الديمقراطية"، تسمى "قوات السوتورو". لكن الكنيسة السريانية والامتدادات المجتمعية السريانية التي في فضائها، ومعها جزء واسع من أعضاء المجتمع السرياني، من الموظفين العموميين وأصحاب المهن العليا، ظلوا يملكون روابط وعلاقات ودعما للنظام السوري. هذا التناقض الداخلي منع تبلور وحدة حال سريانية، قادرة على تأمين بعض متطلبات الأمان بالنسبة للمجتمعات السريانية.

هاجر كل الإيزيدين إلى ألمانيا، بعد الحصول على تسهيلات استثنائية من السلطات الألمانية، بعد أن فقد معظمهم أي شعور بالثقة والأمان

العامل الآخر كان يتعلق بالضغوط الأمنية التي تعرض لها السريان خلال مراحل متعددة من تلك السنوات؛ فالأثرياء التقليديون منهم تعرضوا للتهديد والخطف والابتزاز من قِبل شبكات عصاباتية، أثناء سنوات الانفلات الأمني 2011-2015. كذلك واجه الريفيون السريان أنوعا من "الغلبة والتعسف" الاجتماعي، كان جيرانهم وشركاؤهم الريفيون من أبناء الجماعات الأخرى يستغلون تفكك مؤسسات الدولة التقليدية، للاستيلاء والتجاوز على ملكياتهم. 
أبناء الديانة الإيزيدية كانوا الجماعة الأكثر تأثرا وتعرضا للتحولات الديموغرافية، فقرى "مركبة وتلجهان وسنجق ومزكفت وسعدانية"، والكثير غيرها- كانت تمتد على طول الشريط الشمالي لمنطقة الجزيرة- كانت عامرة بمجتمعات إيزيدية تاريخية، متداخلة ومتواصلة مع نظيراتها في تركيا والعراق، اختفت تماما، وصارت خالية من الإيزيدين تماما. هاجر كل الإيزيدين إلى ألمانيا، بعد الحصول على تسهيلات استثنائية من السلطات الألمانية، بعد أن فقد معظمهم أي شعور بالثقة والأمان عقب جريمة الإبادة التي تعرض لها إيزيديو العراق. 


قلق ديموغرافي كردي


على الرغم من تحقيق أكراد سوريا المتمركزين في شمال شرقي البلاد لقفزة سياسية و"عسكرية" وثقافية نوعية خلال هذه السنوات، يصفونها بـ"العودة لمنصة التاريخ"، فإن مختلف الطبقات الاجتماعية والسياسية والثقافية الكردية لا تتوقف عن إيراد أمثلة وإشارات على تقلص الوجود الديموغرافي الكردي في المنطقة، بالذات من الفئة العمرية الأكثر حيوية، الشباب، وإبداء مخاوف شديدة من تأثيرات ذلك على مستقبلهم ووجودهم في سوريا.
تجولت "المجلة" في كثير من القرى الكردية في منطقتي عامودا والدرباسية، ولاحظت الأمر عيانا بشكل واضح؛ فأكثر من نصف بيوت تلك القرى صارت مهجورة تماما، أما الباقية منها، فقد كانت مشغولة من الطبقات العمرية الأكبر سنا؛ الأمر نفسه ينطبق على كثير من أحياء المدن والنواحي والبلدات التي كانت في السابق "كردية تماما"، فصارت مختلطة، وغدا الأكراد في بعضها "أقلية". 

ثلاثة تحولات ديموغرافية طرأت على المجتمعات الكردية السورية خلال هذه السنوات، خلقت مجتمعة قلقا كرديا من إمكانية التلاشي الديموغرافي

ليس من أرقام رسمية عن تعداد الكرد في سوريا، لكن الأحزاب الكردية السورية كانت تقول في بياناتها وخطاباتها السياسية إنهم "يتجاوزون ثلاثة ملايين نسمة". لكن بعض الحسابات التفصيلية عن تعداد سكان محافظات الحسكة والرقة وحلب، حيث كان يستقر الأكراد بشكل أساسي في بعض مناطقها، تدل على أن تعدادهم قبل عام 2011 كان يتراوح بين 1.5 ومليوني نسمة.

AFP
محتجون امام برلمان اقليم كردستان في اربيل، ضد الغزو التركي لمنطقة عفرين شمال سوريا في صورة تعود الى 2018

تناقصت تلك الأعداد بشكل واضح، فالأرقام الرسمية في إقليم كردستان تقول إن ثمة 281 ألف كردي سوري يقيمون كلاجئين في الإقليم، وقرابة 50 ألف كردي سوري بشكل "نظامي"، وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد ذكر أكثر من مرة أن ثمة 350 ألف كردي سوري يقيمون في تركيا. إلى جانب أعداد أقل من اللاجئين الأكراد السوريين في مختلف الدول الأوروبية، تحديدا ألمانيا.

ثلاثة تحولات ديموغرافية طرأت على المجتمعات الكردية السورية خلال هذه السنوات، خلقت مجتمعة قلقا كرديا من إمكانية التلاشي الديموغرافي؛ فنسبة مُعتبرة من القرويين الأكراد هاجرت نحو المدن الرئيسة، وفي مختلف المناطق. حصل ذلك لأن الأرياف الكردية جنوب الشريط الحدودي كانت مركزا للمواجهات العسكرية التي خاضتها "قوات سوريا الديمقراطية" ضد تنظيم "داعش" الإرهابي وغيره من التنظيمات المتطرفة، طوال سنوات 2012-2018، مما دفع مئات الآلاف من القرويين لترك مناطق استقرارهم التقليدية، والنزوح نحو المدن، التي تضخمت بشكل استثنائي خلال السنوات نفسها.

لكن عامي 2018 و2019 كانا مفصليين على مستوى التبدلات الديموغرافية التي طرأت على أكراد سوريا. فالحربان اللتان خاضتهما تركيا على التوالي بالتحالف مع فصائل سورية موالية لها، ضد منطقتي عفرين ورأس العين ذات الأغلبية السكانية الكردية، ونوعية السياسات المناهضة للأكراد جذريا، دفعت مئات الآلاف من سكان هاتين المنطقتين للنزوح إلى منطقة شرق الفرات الخاضعة لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، وصارت تلك المناطق خالية تقريبا من الوجود الكردي.

التحول الثالث تمثل في الهجرة الجماعية، سواء إلى إقليم كردستان العراق وتركيا، أو الدول الأوروبية، خصوصا في أوساط الشباب وذوي التحصيل الدراسي العالي.

تحولان في الديموغرافيا العربية

 

مثلما كانت على الدوام، بقيت المجتمعات العربية تشكل الأغلبية في منطقة شرق الفرات بالعموم، لكن تحولين جوهريين طرآ على طبيعة تلك الأغلبية خلال هذه السنوات؛ فالطبقات الاجتماعية والوظيفية "العربية" التي كانت متراكبة و"متحالفة" مع هياكل حُكم النظام السوري، سواء كبار الإداريين أو "زعماء" العشائر، غادرت منطقة شمال شرقي سوريا، بعد أن فقدت أدوات سلطتها ومواقعها الرمزية والمادية ضمن مجتمعات تلك المنطقة. الفئات الشبابية من أبناء تلك الطبقة هاجروا نحو المدن السورية الخاضعة لسيطرة النظام السوري، معيدين ترتيب مواقعهم ضمن السلم الوظيفي والسلطوي للنظام.

في مقابل هؤلاء، فإن مئات الآلاف من السوريين "العرب" هاجروا من باقي المناطق إلى شمال شرقي سوريا، تقول مصادر الإدارة الذاتية إنهم يزيدون على 800 ألف وافد، يقيمون في مختلف مدن وبلدات المنطقة.

font change


مقالات ذات صلة