"روستين"... سيرة أحد رفاق مارتن لوثر كينغ وتظاهرة "لديّ حلم"

كيف تصنع تشويقا في قصة يعرف المشاهد تفاصيلها؟

Netflix
Netflix

"روستين"... سيرة أحد رفاق مارتن لوثر كينغ وتظاهرة "لديّ حلم"

في عام 2013 قام رئيس الولايات المتحدة حينذاك، باراك أوباما، وفي مدة رئاسته الثانية، بمنح الناشط المدني الأسود، بايارد روستين (1912-1987)، رفيق كفاح مارتن لوثر كينغ، "وسام الحرية"، وبعد انتهاء مدة رئاسته، أسس باراك أوباما، وزوجته ميشيل، شركة إنتاج سينمائي، وهي "هاير غراوند برودكشنز"، وأنتج فيلما عن حياة بايارد روستين، بالتعاون مع "نتفيلكس"، وهو فيلم يحمل اسمه "روستين".

تعيد هوليوود، بهوس، منذ سنوات، قراءة التاريخ تحت شعار الصوابية، السياسية والفنية معا، ومن أهم موضوعات الصوابية في أميركا، العنصرية والمثلية الجنسية. الصوابية تعني خطأ الحكم السياسي والفني، وهناك فرصة لإعادته، ولو بأثر رجعي، إلى جادة الصواب. على سبيل المثال، إعادة محاكمة أفلام هيتشكوك مثل "سايكو" و"النافذة الخلفية" و"الطيور" و"فيرتيغو" و"شمالا إلى الشمال الغربي" بوصفها شديدة البياض، فهو لم يستخدم شخصيات سوداء، سواء أكانوا أبطالا، أم شخصيات ثانوية.

عنصرية

يبدأ فيلم "روستين" بعام 1954، وهو عام حكم المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية، بأن الفصل العنصري غير دستوري. ومع ذلك لا يتوقف الفصل العنصري على أرض الواقع. ثم تأتي لقطات شبه تسجيلية، تحاكي شخصيات وأحداثا حقيقية. المحاكاة من صور فوتوغرافية شهيرة في الصحف الأميركية. الطفلة روبي بريدجز تحت حراسة مشدّدة تسير في طريقها للمدرسة، كأول طفلة سوداء 1960، تلتحق بمدرسة للبيض. إليزابيث إيكفورد وهي تتعرض للتجريح والإهانة في طريق الجامعة 1957. آن مودي أثناء اعتصامها في أحد المطاعم 1963، وهناك عنصريون بيض يسكبون على رأسها الكاتشب والخردل.

تنطبق على افتتاحية فيلم "روستين"، مع تعديل طفيف، عبارة أندريه جيد "بالنوايا الحسنة نصنع فنا سيئا"

لقطة الكاتشب السميك، بلونه الأحمر الفاقع، وهو يسيل على رأس آن مودي، مؤلمة، بمرجعية تسجيلية، والتسجيلي دائما وأبدا غير فنّي. يبدو أن المخرج جورج سي وولف، لا يُفرّق في بداية فيلمه، بين نوعين من التأثير، التأثير الفني، وهو غير مباشر، والوقائع لا تحرجه، ولا تأخذ عليه نقاطا، وبين التأثير الميلودرامي، وهو يقتحم العواطف دفعة واحدة، بحجة استعجاله، وإخلاصه للوقائع. تنطبق على افتتاحية فيلم "روستين"، مع تعديل طفيف، عبارة أندريه جيد "بالنوايا الحسنة نصنع فنا سيئا".

حبكة فيلم "روستين" الرئيسية، هي تنظيم تظاهرة كبيرة في يوم انعقاد المؤتمر الديموقراطي، وبطل تنظيم تلك التظاهرة، هو الممثل كولمان دومينغو في دور بايارد روستين. نعلم من التاريخ أن التظاهرة، أو المسيرة، حدثتْ في عام 1963، وهي معروفة بخطاب مارتن لوثر كينغ الشهير تحت عنوان "لدي حلم".  

Netflix
مشهد من الفيلم

عيوب

أحد عيوب الأفلام التي تتناول حدثا تاريخيا، هو أن المُشَاهِد يسبق كاتب السيناريو بمعرفته أن تظاهرة روستين الكبيرة، ستحدث رغم كل العقبات. اشترك في كتابة فيلم "روستين"، داستن لانس بلاك، وجوليان بريس. كان أمامهما طريقتان للكتابة، إمّا الاستغناء عن عنصر الإثارة، وهو عنصر ثمين في السينما، وهو يُفقد لا محالة قبل البداية في الأفلام التي توثق حدثا تاريخيا، أو أن تتواضع كتابة الفيلم بعين مكسورة، وتعرض العقبات خارج بند الاستحالة، مبتعدة بقدر الإمكان عن استفزاز معرفة المُشَاهِد بمصير الحدث التاريخي، وتكتفي فقط بالغرق في تفاصيل التحضيرات للتظاهرة. إلى حدّ ما اختار كاتبا الفيلم الطريقة الثانية. 

Netflix
مشهد من الفيلم

يرفض الممثل أمل أمين، في دور مارتن لوثر كينغ، اقتراح روستين بتنظيم التظاهرة التي تعتمد بشكل حاسم على خطاب مارتن لوثر كينغ. روستين أكثر ثورية من مارتن لوثر كينغ الذي بدأ في دفع ضريبة شهرته ومكانته، وهي التعقل، أو التردّد المؤقت، كأنّ مارتن لوثر كينغ ينتظر دفعة طاقة من صديقه روستين. أداء روستين يحمل الفيلم كله على جناح الحيوية والتفاؤل والمرح. يقول روستين ببريق الموهبة لمساعديه: قبل 30 عاما مشي غاندي نحو البحر، وفي يده حفنة من الملح، فألهم حركة أسقطت إمبراطورية، حان الوقت لنفعل الأمر نفسه. لكن روستين لا يستطع قول كلمات غاندي في خطاب أمام مئة ألف نسمة، ويكون مؤثرا مثل الدكتور كينغ. بايارد روستين موسيقى حجرة، ومارتن لوثر كينغ حفلة أوركسترا مهيبة تصل إلى ذروتها في خطاب "لدي حلم".

كولمان دومينغو في دور "روستين" كان سيئا في ما يعرفه أمام الكاميرا، وعلى العكس كان جيدا في مَشَاهِد التحضير الحيوي للعمل السياسي

ولادة الفكرة

أجمل مَشَاهِد فيلم "روستين"، هي مشاهد ولادة الفكرة. يتألق الممثل كولمان دومينغو وطاقم مساعديه. أضخم تظاهرة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، لمدة يومين متتاليين، وتتمتع بما يكفي من القوة، لإغلاق البيت الأبيض والكونغرس. تتخلل تلك التظاهرة اقتراحات: ماذا لو أغرقنا مكاتب جميع أعضاء مجلسي النواب والشيوخ بممثلين من الكنيسة والحقوق المدنية؟ لكن الفكرة تواجه اعتراضا، فيقول روستين للمعترض: لا تقتل فكرة غريزية قبل ولادتها. تصاحب ولادة الفكرة جمل موسيقية مبتورة، ساحرة، جاز، بلوز، غناء. موسيقى الفيلم لعازف الساكسفون برانفورد مارساليس. والموسيقى إحدى روافع فيلم "روستين" الهامة. ثم نتابع بعد ذلك سلسلة من الإجراءات اللوجستية المعقدة المرافقة للتظاهرة، مثل ترتيبات النوم. فالعاصمة تضم عددا محدودا من الفنادق للسود، مما يفرض بحرا من الخيم. خيم كبيرة جريئة تكفي لتوحيد حركة كاملة.  

Netflix
مشهد من الفيلم

هناك أعداء لمسيرة روستين من ذوي البشرة السوداء والبيضاء معا. الممثل كريس روك في دور روي، المسؤول عن الجمعية الوطنية للنهوض بالملونين، والذي يقف، بأداء مهزوز، باهت، وراء طرد، أو استقالة روستين من الجمعية، وبموافقة مارتن لوثر كينغ صديق روستين. أمّا الممثل الأسمر جيفري رايت، رغم ظهوره القليل، في دور النائب آدم كلايتون، إلا أنه جسّد جرعة الشر بقوة وشراسة، عندما هدّد بفضح مثلية روستين، والتشهير بها.  

يبدو أن مثلية روستين هي الدواء المر المفروض، بحقيقة السيرة الذاتية، على السيناريو والإخراج، وهذا يبرّر ضعف المَشَاهِد العاطفية التي نشعر بالرغبة في تجاوزها، للوصول إلى حيوية وتفاؤل ومرح روستين في المشهد السياسي، بل روستين نفسه، يُصاب بعطل الأداء، والخمود، في مَشَاهِده العاطفية، والغريب أن الممثل كولمان دومينغو مثلي الجنس في حياته الواقعية.  

Netflix
مشهد من الفيلم

مرة ثانية النوايا الحسنة لهوليوود، تصنع فنا سيئا، فلا يكتفي فريق الإنتاج، وصنّاع الفيلم بمثلية الشخصية التاريخية، لكن أيضا أسندوا الدور لممثل مثلي، وكأنّ النسخ المُضاعف للواقع، النسخ الحرْفي، يأتي بدراما جيدة. المُفَارَقَة الكوميدية تتحقق، كأنها رمية من غير رام، فالممثل المثلي كولمان دومينغو كان سيئا في ما يعرفه أمام الكاميرا، وعلى العكس كان جيدا في مَشَاهِد التحضير الحيوي للعمل السياسي.  

يذهب روستين بروح غاندي المسالمة، لاستعادة صديقه القس الدكتور مارتن لوثر كينغ، يستعيده عبر أغنية بلوز كانت تردّدها زوجة الدكتور كينغ في كنائس الزنوج. سأدعه يشع، ضوئي الصغير، أينما ذهبتْ، سأدعه يشع. يعطي روستين بمرح الملعقة الخشبية لمغنية البلوز. الميكروفون معكِ تفضلي. يسوع هو الضوء، سأدعه يشع. يرقص روستين وزوجة مارتن لوثر، وكأنهما في صحن الكنيسة. تنعدم الإثارة كلما اقتربنا من اكتمال التظاهرة الكبيرة، المليئة بحشود اصطناعية أمام مسلة الكابيتول. نهاية الفيلم جثة هامدة. 

font change

مقالات ذات صلة