الأردن بين شمال مقلق وغرب مهدد وداخل مستهدف

قادر على أن يمسك بزمام المبادرة

الأردن بين شمال مقلق وغرب مهدد وداخل مستهدف

استمع إلى المقال دقيقة

يقف الأردن على حافة مشهد إقليمي متحرك عصبُه في شماله، حيث الجنوب السوري في السويداء تحديدا يشكل تهديدا مباشرا لمجالاته الحيوية، بالإضافة إلى قلقه المزمن في الضفة الغربية تحت خطاب توسعي إسرائيلي يهدد فكرة السلام ومعادلات الردع معا. لكن القراءة الأدق تقول إن الدولة لا تكتفي بصد الموجات عند السياج الحدودي بل هي فعليا تدير أزمة مركبة تبدأ من الداخل وتنتهي عند العواصم المؤثرة، فكل خطوة إصلاح إداري أو اقتصادي أو سياسي ليست ترفا تجميليا بل جزء من منظومة ردع ناعمة ترفع كفاءة القرار وتوسع هامش المناورة عندما تشتد العواصف.

في الشمال تتحول السويداء إلى خاصرة رخوة ليس للأردن وحسب بل لأمن الإقليم كله، من خلال اشتباكات داخلية وحساسيات محلية وتفلّت في انتشار السلاح وانهيار أمني يطل التطرف المسلح من ثغراته العديدة. تضغط هذه المعطيات جميعها باتجاه فراغ تنتعش فيه شبكات التهريب، وفعليا فإن المسالك الصحراوية جنوب سوريا صارت منذ سنوات خطوط إمداد قاتلة تدخل منها المخدرات والسلاح وتخرج منها أرباح سوداء تغذي جماعات عابرة للحدود، لا تؤمن بالدول وسيادتها ولا بالحدود، ولديها أيديولوجيتها المدمرة القائمة على "إدارة التوحش".

أمام هذا الواقع شدد الأردن قبضته على طول حدوده الشمالية برفع الجاهزية وتحديث وسائل المراقبة وتطبيق قواعد اشتباك رادعة ضد العصابات المنظمة، وعندما تجاوز الخطر عتبة الاحتمال استخدم الأردن أدواته الوقائية في العمق لضرب بنى تصنيع الكبتاغون وشبكاته بما يرسل رسالة واضحة مفادها أن أمن المملكة ليس مجالا للاختبار، وهو ضمانة أمنية مباشرة لباقي دول الإقليم أيضا.

خطاب الضم في إسرائيل لم يعد هامشا أيديولوجيا بل صار جزءا من بلاغة رسمية ترافقها خطوات على الأرض من تسارع في الاستيطان وسعي ممنهج لتثبيت بنية إدارية للاحتلال

غير أن المقاربة الأردنية لم تنجر إلى مواجهة عسكرية بحتة، فعمّان تدرك أن النار إذا تركت بلا سياسة ستتمدد رغم الحواجز، لذلك دفعت في اتجاه تثبيت تهدئة إنسانية وأمنية حول السويداء عبر قنوات متعددة وعبر تواصل حثيث مع شركاء دوليين وإقليميين ودفع أفكار عملية لوقف إطلاق النار وفتح ممرات إغاثة ومنع تحول الجنوب السوري إلى ملاذ دائم للفوضى، والمقصود هنا ليس استعراض عناوين دبلوماسية بل إدارة هادئة لمنطقة تلاصق حدود المملكة وتؤثر مباشرة في أمنها الداخلي، وجوهر الرسالة أن استقرار الجنوب السوري مصلحة أردنية وعربية لا تقل أهمية عن أي ملف على الطاولة.

في خلفية هذا المشهد يطل عامل شديد الحساسية يتمثل في محاولات إسرائيل استثمار فوضى السويداء لفرض وقائع جديدة جنوب سوريا، تلك محاولات تتراوح بين ضربات جوية بذريعة حماية مكونات محلية وبين تواصل مع مجموعات مسلحة لنسج ترتيبات الأمر الواقع، وبالنسبة للأردن فإن أي عبث بالتوازنات هناك يعني تهديدا مزدوجا يفتح شهية شبكات التهريب ويستدرج نزوحا جديدا باتجاه الحدود ويضع الأردن أمام كلفة إنسانية وأمنية واقتصادية لا يمكن قبولها، لذلك تصر عمّان على ثوابت لا لبس فيها أساسها دعم وحدة الأراضي السورية وضرورة استعادة الدولة سيطرتها على الجنوب ورفض مشاريع التقسيم أو الكيانات الطائفية وتفضيل معالجة منظمة عبر قنوات شرعية تحاصر الفوضى بدل تغذيتها.

أما على الجبهة الغربية فيتبدى التحدي بطبيعة مختلفة لكنه لا يقل خطرا، فخطاب الضم في إسرائيل لم يعد هامشا أيديولوجيا بل صار جزءا من بلاغة رسمية ترافقها خطوات على الأرض من تسارع في الاستيطان وسعي ممنهج لتثبيت بنية إدارية للاحتلال وصولا إلى تصويتات رمزية في الكنيست تساند فكرة ضم الضفة.

السياسة الخارجية لا تعمل في فراغ، وسندها الحقيقي والعميق في الداخل حيث تقود الدولة مسارا تحديثيا متعدد المسارات يطال الإدارة والاقتصاد والسياسة

أخطر ما في هذه اللحظة ليس الضوضاء السياسية بل تآكل الخط الفاصل بين خطاب المتطرفين وسياسات تل أبيب الرسمية، بما يضيّق مساحة التسوية ويدفع المنطقة إلى حافة انفجار دائم. وبالنسبة للأردن فإن أي محاولة لشرعنة الضم أو تغيير الوضع القانوني في الضفة والقدس تمس جوهر معاهدة السلام وتضغط على المصلحة الوطنية في أكثر من اتجاه، أكثرها خطرا هو منع سيناريوهات نزوح قسري أو شبه قسري باتجاه الشرق. وعليه فإن رد عمّان في هذا الملف يلتزم معادلة واضحة: صرامة في المبدأ وكثير من الحذر في الحركة. في المبدأ تؤكد المملكة أن حدود الرابع من يونيو/حزيران والقدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين ليست صيغ مجاملة بل خطوط أمن إقليمي لا بد من تثبيتها دوما كمرجعية دولية محمية ومصانة غير قابلة للتغيير، وفي الحركة تشتغل الدبلوماسية الأردنية على حشد موقف عربي ودولي يرفع كلفة السلوك الأحادي ويعيد التذكير بأن أمن المنطقة يبدأ من وقف العبث غير المسبوق والمتفلت من كل ضبط إنساني ودولي في الضفة والقدس، وعلى الأرض تحافظ المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية على يقظة "مكلفة ومنهكة اقتصاديا" تضمن ضبط الحدود الغربية وتمنع تهريب السلاح أو تسلل عناصر تغذي فوضى لا يريدها أحد داخل البلاد.

هذه السياسة الخارجية لا تعمل في فراغ، وسندها الحقيقي والعميق في الداخل حيث تقود الدولة مسارا تحديثيا متعدد المسارات يطال الإدارة والاقتصاد والسياسة، ففي الإدارة يجري دفع مشروع إعادة هيكلة القطاع العام وربط الأداء بالمؤشرات وتوسيع الرقمنة وتبسيط إجراءات الاستثمار والخدمة، وفي الاقتصاد تترجم محركات التحديث إلى مشاريع قابلة للقياس وأدوات تمويل وشراكات مع القطاع الخاص بهدف خلق فرص عمل وتحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، وفي السياسة يتواصل بناء البيئة الحزبية رغم كل التحديات ومشاهد الإخفاق، من خلال تثبيت قواعد المنافسة القانونية وتوسيع المساحة العامة المنظمة بما يحفظ الاستقرار ويؤسس لتراكم تدريجي، ومعنى كل ذلك أن الدولة لا تنتظر تحسن الطقس الإقليمي كي تبني بيتها بل تشتغل على يومياتها وتستثمر في كفاءتها المؤسسية حتى يبقى قرارها الخارجي محمولا على ظهر داخلي واثق.

سيادة الأردن وأمنه القومي خط أحمر للمصلحة الإقليمية بالكامل

إلى جانب التحديات الصلبة عند الحدود تخوض المملكة حربا ناعمة على جبهة الوعي الجمعي في الداخل المحتقن، فالهجمات المنظمة عبر منصات التواصل وبعض المواقع التي تعيد تدوير الشائعات وتغذي السخط وتضرب الثقة ليست مجرد ضجيج رقمي، هي كلها مجمل أدوات خصوم مدروسة تستهدف تضليل المجال العام وجر المجتمع إلى ردود فعل انفعالية، لكن الرد الأمثل لا يجب أن يقتصر على نصوص قانونية بل يحتاج إلى هندسة اتصال عام فعالة سريعة وشفافة تتقدم على السرديات المضللة وتعود بالمعلومة الدقيقة إلى مركز المسرح، ومن هنا يظهر ذلك القصور المزمن في المشهد الإعلامي الرسمي والخاص على السواء حيث تغلب البيروقراطية واللغة الخشبية ويتأخر الإيقاع عن جمهور محتقن ومتعدد المزاجية والأهواء ويعيش في زمن انتشار الخبر في ثوانٍ.

إن تجسير الثقة بين الدولة ومجتمعها يعزز المناعة ويقلص المسافة بين القرار ومتلقيه، ويوفر على صاحب القرار في الدولة أيا كان مشقة الجهد لإثبات مصداقيته وإضاعة الوقت عليها مما يجعل مفهوم حضور "ناطق رسمي" للدولة كخط دفاع وحيد "وحسب الطلب والتوجيه" مجرد عبث لا معنى له أمام تكنولوجيا معرفة تعرف كيف تضرب وأين تضرب.

وخلاصة المشهد أن الأردن يواجه خطرين متزامنين بمدرستين متلازمتين القوة الصلبة عند السياج والقوة الناعمة في إدارة السياسة والوعي، في الشمال يوازن بين الردع والوساطة ويصر على أن الجنوب السوري يجب أن يعود إلى دولة موحدة قوية حتى تنطفئ خطوط التهريب وتنقطع أسباب الفوضى. وفي الغرب يرفع الصوت ضد التوسع والضم ويعزز التحالفات ويحمي خطوطه القانونية والرمزية في القدس والضفة ويبقي أعينه مفتوحة على أي ارتدادات أمنية، وبينهما يواصل من الداخل إصلاحا إداريا واقتصاديا وسياسيا يمنح القرار وزنا وصدقية ويحول الدولة من متلق للأزمات إلى صانع حلول.

الرسالة النهائية بسيطة وعميقة في آن: سيادة الأردن وأمنه القومي خط أحمر للمصلحة الإقليمية بالكامل، والدولة التي تصلح مؤسساتها وتُحسن إدارتها وتحدث اقتصادها وتواجه تضليل الأعداء بثقة قادرة على أن تمسك بزمام المبادرة.

font change