لم يكن التوغل الإسرائيلي في قرية بيت جن السورية استثناءً، فمنذ هروب بشار الأسد إلى موسكو في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 وانسحاب الجيش السوري من مواقعه وإعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن انتهاء العمل باتفاق فك الاشتباك لعام 1974، توغلت إسرائيل في الأراضي السورية مراراً واحتلت مناطق جديدة عدا القصف الذي دمر ما كان قد بقي من عتاد عسكري تركه الجيش قبل سقوط النظام
ورغم الاستفزازات والانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن سوريا الجديدة لا تمثل تهديداً لأحد ولا حتى لإسرائيل، وعبر عن رغبة دمشق بالعودة إلى العمل باتفاق فك الاشتباك.
وسادت أجواء بعد سقوط نظام الأسد وخروج الميليشيات الإيرانية من سوريا والهزائم التي مني بها "حزب الله" في سوريا كما في لبنان، ترى أن استقرار سوريا وأمنها أساس لضمان عدم عودة إيران إليها وخصوصاً أن طهران وميليشياتها وبقايا نظام الأسد حاولوا زعزعة الاستقرار، وأن الفوضى هي البيئة المناسبة لتعود إيران إلى التغلغل ولتعوض بعضاً مما خسرته وتحديداً خسارتها لسوريا الممر الإلزامي لإعادة تمويل وتسليح "حزب الله".
ولكن برز أيضاً في الوقت نفسه إصرار نتنياهو على التصعيد في سوريا وضدها رغم الموقف الأميركي الداعي لدعم استقرار سوريا وإعطاء السلطة الجديدة فرصة، ورغم أن استقرار سوريا ومنع عودة الميليشيات الإيرانية إليها يشكل نقطة تقاطع مصالح سورية عربية دولية وإسرائيلية، إلا أن نتنياهو دوماً ما يرى تهديداً قادماً من الشمال يريد استباقه.
برز أيضاً في الوقت نفسه إصرار نتنياهو على التصعيد في سوريا وضدها رغم الموقف الأميركي الداعي لدعم استقرار سوريا وإعطاء السلطة الجديدة فرصة
فما الذي يريده حقاً نتنياهو من دمشق؟ قبل أسابيع ارتفع منسوب التفاؤل عند كثيرين من أن سوريا وإسرائيل قاب قوسين أو أدنى من التوصل إلى اتفاق أمني وتفاهمات، ولكن ما لبثت أن تلاشت هذه الآمال، وبعيداً عن التصريحات الرسمية بات جلياً أن سوريا تتمسك بانسحاب إسرائيل وعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل الثامن من ديسمبر، بينما ترغب تل أبيب بفرض معادلات جديدة داخل سوريا ومع سوريا، مستغلة الوضع الجديد في البلاد وقدرات الجيش السوري وانشغال سوريا بكم المشكلات الكبيرة والدمار الهائل الذي خلفه نظام الأسد بعد 14 عاما من حربه على السوريين، ولكن أيضاً محاولة استغلال الوضع الداخلي وتخوف بعض أفراد وجماعات سورية من السلطة الجديدة كل لأسبابه أو مصالحه الضيقة على حساب المصلحة السورية.
يقول الإسرائيليون إنهم يخشون أن تتحول سوريا إلى منصة جديدة ينطلق منها ما يشبه "طوفان الأقصى"، لا يبدو هذا التخوف مقنعاً بقدر ما يبدو أن "طوفان الأقصى" تحول إلى ذريعة جديدة لحكومة نتنياهو لتهرب إلى الأمام. إسرائيل لا تثق بسهولة، حتى بعدما تغيّر النظام في سوريا، لا زالت هواجس إسرائيل الأمنية موجودة، ومنها الهواجس من الدورين العربي والتركي المتصاعدين، ولكن حتى لو نظرنا بحيادية مطلقة للوضع، فلا تبدو أن مخاوف إسرائيل وهواجسها واعتداءاتها تصب في مصلحة الأمن الإقليمي العربي والإسرائيلي.
ولكن قد تبدو أنها تصب في مصلحة نتنياهو السياسية، أكثر مما تصب في خدمة مصالح إسرائيل، وكما ذكرت أكثر من مرة، فنتنياهو الغارق في أزماته الداخلية يواجه قضايا فساد تهدده بالسجن، ويخوض معركة للبقاء في السلطة، وصراعا مع القضاء الإسرائيلي، ومنافسة داخلية شديدة داخل اليمين الإسرائيلي، يستمر بسياسة الهروب إلى الأمام بخلق مخاوف وتحديات وأعداء وخصوم ليستفيد من حالة عدم الاستقرار أو عدم اليقين.
ما يجب قوله اليوم ليس فقط ما يقوم به نتنياهو في سوريا بشكل منفصل، فبعيداً عن أن هذه الاعتداءات وزعزعة أمن سوريا يصب أولا في مصلحة إيران والتطرف عن قصد أو دون قصد، فإن الواضح أن ما يقوم به أيضاً يتعارض مع مشروع سياسي في المنطقة قائم على التهدئة والاستقرار وتدعمه الإدارة الأميركية والرئيس دونالد ترمب تحديداً، منطقة تتجه نحو التنمية والسلام بينما هو يتجه إلى أي اتجاه ينقذ مستقبله السياسي حتى ولو أحرق "روما".