مشعل وصدى ما بعد السنوار

مشعل وصدى ما بعد السنوار

استمع إلى المقال دقيقة

على مدى عامين من الحرب في غزة، كانت الدعاية المعتمدة لدى "حماس" وغيرها من فصائل ضمن المحور الذي أقامته إيران تدور حول سير الحرب في غزة بحسب خطة القادة الذين وصفتهم بالذكاء والحسابات الاستراتيجية، وأن تلك الحرب كانت انتصارا هائلا، ومن يشكك في هذا فإن التهمة جاهزة له بالخيانة والتآمر، وفي الموجة الإعلامية الأبعد حيث نشطت جماعة "الإخوان" كانت الدعاية تعاد بصورة مماثلة، لكن خالد مشعل في آخر لقاء له رغم حرصه على عدم إثارة معارضيه داخلَ "حماس" وغيرها، أطلق على حرب غزة "حرب الإبادة"!

فهو اعتراف ضمني بالنتيجة التي أتى الاعتراف بها على حياء متأخرا بعد غياب السنوار من المشهد السياسي والإعلامي، فلم يعد الأمر يحتمل تحليلات عسكرية عن القدرات الخارقة للفصائل، فقد ذهب ذلك المشهد ليحل مكانه الحديث عن الدمار الشامل لغزة، وسيطرة الاحتلال الإسرائيلي على 60 في المئة من غزة كما أقر بذلك مشعل في لقائه الأخير، ويأتي هذا اللقاء بعدما فرضت الموازين الجديدة نفسها على الحركة وخطابها، وهو ما انعكس على عموم "الإخوان"، حيث إن الخطاب الشعبوي لمدة عامين لم يكن له أن يصمد أبعد من هذا الحد، فصار مشعل يتحدث عن تقدير الدور السعودي في خدمة القضية الفلسطينية، من خلال حثّ الدول في العالَم على الاعتراف بفلسطين، كما شكر دور الأردن ومصر في رفض سياسة التهجير.

لقد أدركت "حماس" أن رهن خطابها لـ"الإخوان" أو لإيران يضعفها ولا يقويها، وأنها لن تكسب أي شيء حين تقف في صدام مع الدول العربية

ويعتبر مشعل قياديا مخضرما في الحركة وهو الذي احتك بالسياسيين أكثر من أقرانه من الحركة، وهذا الظهور الأخير له يشكل مرحلة فاصلة في تغير الخطاب الإعلامي للحركة بل في دفتها السياسية، نحو رسمية أكبر من الشعبوية كما كانت الخطابات السابقة، والتي تورطت فيها حركة "حماس" في حربها الأخيرة، وقد ردد عدد من قادة "الإخوان" مثل قول مشعل بأن الحركة عليها إعادة التموضع، أو أنها تتجه نحو سياسة أقرب للدول العربية، في حين باتت إيران نفسها تنكمش على نفسها، ولا تريد المغامرة السريعة في مناطق خسرت النفوذ فيها، وجرت عليها ضربات عديدة منها ما كان بالطائرات الأميركية، ولا شك أن السياسيين الإيرانيين يقيمون دعمهم السابق وخطواتهم التي جرّت عليهم ما لم يريدوه على بلدهم.

وردد مشعل أنه لا يريد التدخل أبدا في سياسة أي دولة عربية داخليا، وهو موقف جديد على ما كان من قبل من دعوات مستمرة إلى الشعوب خلال الحرب وصلت إلى دعوة المتحدث العسكري (أبو عبيدة) لضرب المصالح الأميركية، وصرح آخرون عن طوفان قادم في الدول العربية مثلما جرّت حرب 1948 إلى سلسلة انقلابات وتغيرات سياسية، فلم يعد هذا الخطاب يجدي، فحرب 1948 لم تكن بقرار داخلي لحركة سيطرت على غزة حتى يحدث هذا القياس البعيد عن هذه الحرب الأخيرة، فظهور مشعل كانَ بنفسه إعلانا لتحالفات مختلفة، وقد ردد بأنه يمكن أن يقدم ضمانات عن طريق تركيا وقطر، وهذا تغيير عن اللغة السابقة التي كانت تتحدث عن "وحدة الساحات" الممتدة من إيران إلى العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن!

هذا الخطاب يتناقض مع الدعاية السابقة، ومنها ما كان المحسوبون على جماعة "الإخوان" يرددونه

بل قال في لقائه إن غزة ليس المطلوب منها أن تقوم بواجب المقاومة اليوم فقد أدت ما عليها وزيادة، والدور هو التعمير، فالغزيون يحبون الحياة، لذلك تحدث عن الحاضنة أكثر من مرة، ووجّه خطابه إلى الشعب الفلسطيني عموما، في لهجة لا يخفى ما فيها من خشية من تراجع شعبية الحركة بعدما كان للحرب من نتائج ملموسة على حياة الفلسطينيين في مختلف المناطق. هذا الخطاب يتناقض مع الدعاية السابقة، ومنها ما كان المحسوبون على جماعة "الإخوان" يرددونه، فقد بات واضحا أن خالد مشعل بدأ يتصدر الدور الأبرز في القيادة السياسية لـ"حماس"، بخلاف حاله حين كان السنوار حيا، وصارت لغته أقرب إلى مخاطبة المسؤولين في الدول، وابتعد عن تعميم الخطاب حينَ حسب عدد من "الإخوان" أنهم قادرون على استثمار أحداث غزة لصالح التثوير في الدول العربية.

فهو خطاب ينعزل عن "الإخوان" أكثر، ويضع "الإخوان" أمام حقيقة أن ما كانوا يتهمون به غيرهم بأشد التهم هو ما يسمعونه اليوم من خالد مشعل، لقد أدركت الحركة أن رهن خطابها لـ"الإخوان" أو لإيران يضعفها ولا يقويها، وأنها لن تكسب أي شيء حين تقف في صدام مع الدول العربية، وأدركت إيران أن دعمها لحركات بعيدة عنها قد يجر عليها أضرارا أكبر من الفوائد التي تؤملها، ولربما يدرك "الإخوان" أنهم الجماعة التي لا تستطيع رصد التغيرات في المنطقة، وأن عمر الجماعة الطويل لم يكن فيهم مدعاة لتراكم الخبرة بقدر ما كان يزيد من الشيخوخة.

font change