الأديب النجم

الأديب النجم

استمع إلى المقال دقيقة

ماذا يعني أن يصبح الأديب نجما؟ وهل يفترض بالأدب أن يكون طريقا إلى البريق، أم طريقا إلى المعرفة والوعي؟

سؤال عاد إلي بعد ندوة عربية دار فيها نقاش طويل حول فكرة صناعة الكاتب النجم، الشاعر النجم، أو الروائي النجم... وكيف يمكن للمؤسسات الثقافية والإعلام المرئي، أن يخلقا نموذجا لامعا، يحضر في كل مناسبة، ويظهر في كل برنامج، ويصبح وجها ثقافيا دائما، ثم يقال عنه: هذا هو الكاتب الحقيقي.

بدت لي الفكرة محاولة لبناء أسوار لامعة حول الكتابة، كأن النص وحده لا يكفي، وكأن الطريق إلى القارئ يجب أن يمر عبر الضوء أولا، غير أن ما ينسى أو يتناسى عمدا هو أن الأديب المستقل، حين يكون وفيا لفكرته، لا يمكن إدخاله بسهولة في هذه المعادلة. فإن أصبح "نجما" وفق هذا المنطق، فغالبا ستنمطه البرامج السريعة، وتختزله في عبارات قصيرة، وتدفعه إلى الكلام أكثر مما تدفعه إلى الكتابة، ليصبح الحضور الشخصي أهم من النص، والواجهة أهم من العمق.

الكاتب الحقيقي، في جوهره، لا يتعامل مع الكتابة بوصفها جواز مرور إلى الندوات والاحتفالات، فهو وجد ليشكك في كل فكرة تطرأ عليه، يكتب ويمحو، ويقسو على نفسه في العزلة، لا لأنه ناسك، بل لأن النص يتطلب هذا الصبر. يقرأ أكثر مما يظهر، ويتأمل أكثر مما يعلق، ويرى الظلم واللا مساواة، ولا يتعجل إطلاق الأحكام. يعرف أن أرخص ما في عالمنا هو الكلام الشفاهي، وأن أغلى ما فيه هو الجملة الحقيقية.

لا يمكن القول إن الشهرة شر مطلق، فهناك كتّاب أصبحوا معروفين على مستوى العالم، لكنهم لم يلهثوا يوما خلف الأضواء

ومع ذلك، لا يمكن القول إن الشهرة شر مطلق، فهناك كتاب أصبحوا معروفين على مستوى العالم، لكنهم لم يلهثوا يوما خلف الأضواء، ولعل نجيب محفوظ مثلا، بعد نوبل تحديدا، كان يمكن أن يتحول إلى نجم تلفزيوني دائم، لكنه ظل يسلك طرقه الهادئة: يكتب في بيته، يمشي في حيه القديم، ويتحدث بقدر الحاجة فقط.. جاءت نجوميته من نصوصه، لا من حضوره الشخصي، وبقيت الكاميرا تدور حوله من الخارج، دون أن تغير صمته الداخلي.

وكذلك غابرييل غارثيا ماركيز، عرف الشهرة بكل أطيافها، لكنه كان يختفي شهورا طويلة ليكتب. كان يدرك أن الكتابة ليست نشاطا جانبيا يزاحم البرامج والمقابلات، بل هي الحياة نفسها. كان يحب الناس والقصص، لكنه لم يسمح لصورته أن تبتلع نصه، ولم يجعل من الإعلام بديلا عن المكتب.

ألبير كامو، وهو أحد أبرز الأصوات الأخلاقية في القرن العشرين، كان يحذر من أن الشهرة تحمل الكاتب خارج نصه، وتجعله متلقيا لأسئلة الآخرين أكثر من كونه باحثا عن أسئلته الخاصة. لم يكن ضد أن يعرفه الناس، لكنه كان ضد أن يتحول الكاتب إلى شخصية عامة تعيش من التعليق لا من التفكير.

في الواقع ليست المشكلة في أن يصبح الكاتب أو الأديب معروفا، بل في أن تتحول المعرفة به إلى صناعة تهدف لخلق "نجم" قبل أن تنضج نصا، فالنجومية التي تولد من النص مختلفة تماما عن النجومية التي تصنع للنص، وحين تدار الشهرة كمنتج ثقافي، قد تدفع الأديب إلى الإسراع بإصدار كتاب كل عام، أو الظهور في كل برنامج، أو قبول كل دعوة، حتى لا يغيب عن المشهد. وهنا تبدأ المعادلة في الانقلاب: يصبح الوقت ملكا للواجهة لا للفكرة، ويبدأ النص في الخسارة الأولى.

الأدب لا يحتاج مشهورا لامعا في السماء، بقدر ما يحتاج من يضيء الناس من الداخل بصدق النص، لا بسطوع الصورة

لهذا أسأل: أي نجم هو المقصود هنا؟ إذا كان دور الكاتب أن يحمل حساسية إنسانية، وأن يظل يقظا أمام تعقيدات الحياة، وأن يدافع قدر استطاعته عن العدالة والجمال والحق في التساؤل، فكيف يكون نجما بالمعنى الإعلامي للكلمة؟ كيف يلتزم بالمواعيد والبرامج والحفلات المتكررة، بينما كل ما يحتاج إليه النص هو وقت غير قابل للجدولة. فالكاتب الحقيقي يعمل خارج المسارات المرسومة سلفا.

من هنا يمكن أن نفهم لماذا تفشل كثير من محاولات تصنيع كتاب لامعين، لأن الكتابة ليست مشروع علاقات عامة، ولا يمكن أن تختزل في صورة. هي تجربة داخلية، تحتاج عزلة وتوترا وصبرا، وقد تحتاج أيضا إلى حياة عادية، بلا ضجيج ولا ادعاء. النجومية والشهرة قد تجذبان الضوء، لكن في لحظة معينة قد تبهتان النص وتضعان الكاتب في موقع لا يعود قادرا فيه على الإصغاء لذاته.

في النهاية، الأديب ليس فوق المجتمع كي يلمع، بل هو مرآة له، يشارك في المواقف من خلال الكتابة، كما فعل كثير من الكتاب الذين جعلوا أعمالهم منصة لمواجهة الظلم والسخرية من الزيف. يبقى قريبا من نافذته، ينظر إلى العالم من ارتفاع كاف ليرى الصورة، ومن مسافة كافية ليكتب من دون استعراض، فالأدب لا يحتاج مشهورا لامعا في السماء، بقدر ما يحتاج من يضيء الناس من الداخل بصدق النص، لا بسطوع الصورة.

font change