لماذا لا يتنحى الرؤساء المقاومون؟

سقط مادورو ومعه زوجته المعتقلة، وتحول من رئيس ممانع إلى سجين يحاكم كمهرب

لماذا لا يتنحى الرؤساء المقاومون؟

استمع إلى المقال دقيقة

باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تستكمل الولايات المتحدة الأميركية استعراض القوة لما يُهدد مصالحها التي أعلنت عنها في الحالة الفنزويلية، وهي: وقف تهريب المخدرات، وسرقة النفط، وإرسال العصابات لتفويض أمن أميركا. واللافت في العملية الأميركية أنها جاءت انفرادية دون تأييد معلن من أي دولة، وقد باتت أميركا في زمن ترمب لا تحتاج لذلك.

وفي السجل الأميركي قائمة من الرؤساء الذين أسقطتهم، فهناك سوابق مع الرئيس البنمي مانويل نورييغا (1989) وسلوبودان ميلوسيفيتش في صربيا (2001) وصدام حسين (2003) وجان أريستيد في هايتي (2004) ومعمر القذافي في ليبيا (2011) وثمة رؤساء أسقطتهم بافتعال أزمات داخلية مالية وسياسية في بلدانهم.

وكانت الحرب على العراق 2003 أكثر بلاغة في إظهار فجاجة مبرراتها من حرب فيتنام التي شنّها الرئيس جون كينيدي والتي أرخ لها المؤرخ الأميركي العسكري برتار فول الذي قال: "إن فيتنام من حيث هي كيان ثقافي وتاريخي باتت مهددة بالإبادة". أما في العراق فهي فضيحة كبيرة زعمت فيها أميركا أن العراق ينتج أسلحة دمار شامل وتعاون مع تنظيم "القاعدة" لتقويض أمن الولايات المتحدة بهجوم نووي، وآنذاك صرحت كوندوليزا رايس (الحمامة) داخل إدارة الرئيس بوش، علنا بأن صدام حسين كان يريد استهداف الولايات المتحدة بسحابة ذرية. ثم انهارت الذرائع في حادثة حرب العراق الذي سقط لاحقا بالتجزئة والفساد والتمدد الإيراني.

إن الأحكام الأخلاقية العلمية الأميركية ضد فنزويلا لا يمكن تجاوزها، وهي أي أميركا لديها سجل حافل بالإطاحة بالرؤساء أو إرهاق البلدان بالعقوبات، فعلت ذلك مع كمبوديا في زمن الرئيس بول بوت الذي تزعم البلاد عام 1975 وفرض الاشتراكية الزراعية، وأجبر الناس على الانتقال للريف للعمل بالمزارع الجماعية، وسرعان ما قدمت الولايات المتحدة الدعم للخمير الحمر بعد الإطاحة به، وصار اسمها بدل كمبوديا، كمبوتشيا الديمقراطية.

كان مادورو القادم من عمله كسائق نقل عام، إلى العمل النقابي، متشبعا بالأيديولوجيا الشيوعية والكاريزمية للرئيس المعاند والمقاوم لأميركا، لكنه ضيّع بلاده وأسقطها بالجوع والقمع

غالبا ما غلفت أميركا أفعالها. بدعوى نشر الديمقراطية والحرية. وتلك كذبة كبرى جربوها في ليبيا واليمن وسابقا العراق، وقد بشّر بها باراك أوباما في جامعة القاهرة، والفرق بين أوباما وترمب، أن الأول كان يريد تغييرا ناعما. وأما الثاني فنهجه مباغت بالضربة القاضية، ولكن النتيجة واحدة، ودعوى نشر الديمقراطية لا تستقيم مع نزعة الهيمنة والبحث عن الثروات وضمان بيع الأسلحة والإتيان برؤساء أكثر طوعا لأميركا. وكانت مقولة أميركا "مسؤولية الحماية" بمثابة الحق الذي برّرت به أفعالها في جميع البلدان التي تدخلت بها.

لكن، في المقابل لدى الرؤساء المطاح بهم أخطاء فادحة ونزعة عنيفة إلى الاحتفاظ بالحكم والفساد وقمع الحريات، وفي أميركا اللاتينية وكذلك في آسيا وأفريقيا وأوروبا نماذج كثيرة لا تحصى.

كان مادورو القادم من عمله كسائق نقل عام، إلى العمل النقابي، متشبعا بالأيديولوجيا الشيوعية والكاريزمية للرئيس المعاند والمقاوم لأميركا، لكنه ضيّع بلاده وأسقطها بالجوع والقمع، ولم يتذكر أن الماركسية تمّ تشريحها ونقدها واستنفاذها، ولم تعد صالحه لتلبية مطالب الشعوب، وأن النهج الستاليني الذي أوجدته في إدارة البلاد لم يعد صالحا لإدارة دولة من أغنى البلدان في الثروات، وكان هذا النهج هو أول أشكال الانحراف عن الماركسية التي كانت تطمح وتبشر الجماهير بالخلاص و"بالجنة الشيوعية".

كان المفكر البولندي كولاكوفسكي (1927-2009) قد أوسع الماركسية نقدا، ويقول: "ما من شيء يُسعف صناع القرار الذين يخفقون في حياتهم أو يفهمون أمرا على عكس حقيقته، فعلى الذين انخدعوا، التسليم بالفشل دون لف أو دوران، فإذا الإنسان العادي أُعطي هامشا للفشل، فإن هذا الهامش غير مبرر للسياسيين، فعلى كل أصحاب الفخامة أو الدولة المخدوعين التنحي فورا...".

نعم كان بوسع مادورو وصدام حسين والقذافي التنحي، لا لترك البلاد لأميركا، بل لتجنب الفوضى والانقسام، لكن سلوك الطاغية والمستبد، لا يعرف الاعتراف بالفشل، فينخدع بتعلّقه بفكرة الرئيس المقاوم، فتسقط بلاده في الجوع والفقر والظلم.

أخيرا، سقط مادورو ومعه زوجته المعتقلة، وتحول من رئيس ممانع إلى سجين يحاكم كمهرب. في المقابل أعلن ترمب أنه سيدير فنزويلا. فأميركا تتمدد فيها دون تفسير لمعنى الإدارة، والعين الأميركية على النفط ونشاط شركاتها وإعادة اعتبار أميركا اللاتينية كحديقة خلفية لواشنطن، دونما أي اكتراث للسمعة أو المبررات الأخلاقية والقانون الدولي وحق السيادة للدول، فهذه مفردات تقيمها الولايات المتحدة، بحسب مصالحها، وأوروبا، لا تملك إلا الانصياع لإرادة سيد البيت الأبيض.

تبقى عند ترمب حرب أوكرانيا، التي فيها طرف معاند اسمه بوتين، لكنه ليس أولوية، في ظل تحقيقه (أي ترمب) لانتصارات في أمكنة أخرى دون جهد كبير، ولديه أفكار قابلة للتنشيط مثل جنة الريفييرا في غزة حيث الغاز الكثيف، الذي يحميه رئيس وزراء إسرائيلي منفلت من كل أشكال المساءلة ومُنح قبل أسبوع في البيت الأبيض الدعم الواسع. وتظل عين أميركا على إيران والعراق، وهما دولتان ذات احتياطي نفطي عالٍ، وقد بدأ الضغط على إيران بدفع الجمهور للتململ الداخلي والخروج ضد السلطة، فيما العراق يواجه الإنذارات المتتالية للخلاص من عقدة النفوذ الإيراني.

font change