الرياض وإعادة تعريف الدور التركي

الرياض بوابة القرارات للشرق الأوسط الجديد، والأردن ومصر حليفان أساسيان ومحوريان في المنطقة، وتركيا دولة لا يمكن تجاهل قيمتها

الرياض وإعادة تعريف الدور التركي

استمع إلى المقال دقيقة

تفتح الرياض أبوابها للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في أول زيارة خارجية له هذا العام. وثمة ملفات كبيرة شهدتها مباحثات الرياض بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في قضايا الأمن والصناعات العسكرية، وفي الاقتصاد والاستثمار، وفي مصائر المنطقة وحل النزاعات واحترام سيادة الدول.

وبعد وقت قصير من زيارة الرياض جاءت الدعوة من قبل الرئيس التركي للملك عبدالله الثاني لزيارة إسطنبول وإجراء مباحثات ثنائية، وقبل ذلك وصل الرئيس أردوغان القاهرة بعد محطة الرياض، فماذا يعني ذلك؟

الرياض بوابة القرارات للشرق الأوسط الجديد، والأردن ومصر حليفان أساسيان ومحوريان في المنطقة، وتركيا دولة لا يمكن تجاهل قيمتها في استقرار المنطقة، ولها دورها ومكانتها، وقبل أسبوع زار الملك عبدالله الثاني مصر فأجرى مباحثات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي حول التعاون المشترك بين البلدين ودعم مسار الاستقرار الإقليمي، وتجنب الصراعات.

كل ما سبق هو من تقاليد الزيارات الرئاسية والملكية، بين الدول المحترمة، خاصة وأن السعودية ومصر والأردن وتركيا، فيها استقرار واضح، وهي دول تدعم الاستقرار، وتسعى إلى حل أساس الصراع في المنطقة وهو الصراع العربي-الإسرائيلي، ولهذه الدول علاقاتها التاريخية والوطيدة مع الفاعل الأميركي الذي لا يمكن تجاهله في المنطقة والعالم.

لكن إذا ما تحقق التعاون الفعلي بين أقطاب الشرق الأوسط في الحالة السعودية والمصرية والأردنية والشريك التركي، فإن هذا سينتج عنه تكتل كبير وفاعل في جلب المنافع وتحقيق التوازن المطلوب، ولعل الشريك التركي الذي أخذت علاقاته مع الدول الثلاث صورا متباينة منذ بداية ما سمي "الربيع العربي"، يعود اليوم للتخلص من إرث تلك الحقبة، والدخول في مسار جديد عنوانه الأمن والدفاع والاقتصاد، وحفظ السيادة الوطنية، وهذا مسار جيد إذ لم تجنِ تركيا من دعم حركة "الإخوان المسلمين" إلا التوتر مع جيرانها العرب ومع دول الإقليم.

يمكن أن يكون الشريك السوري في المستقبل القريب إضافة نوعية لهذا التكتل الإقليمي الذي تسهم السعودية في تحريكه والـتأثير فيه بشكل فاعل

وهنا تكمن أهمية الدور السعودي الذي يبدو فاعلا وداعما أساسيا لإعادة تعريف الأدوار في المنطقة، وفي خلق مناخ إقليمي داعم لاستقرارها، وتحقيق التعاون الاقتصادي المنشود، والتعاون الأمني في مجال الصناعات الدفاعية. وفي قابل الأيام ستشارك تركيا في أضخم معرض للصناعات الدفاعية في الرياض من خلال سبعين شركة تركية متخصصة. كما أن السعودية بنهضتها الاقتصادية جذبت أكثر من 390 شركة تركية في مجال الاستثمارات للمشاركة في تنفيذ "رؤية 2030" السعودية، وهذا معناه أن تركيا التي تحتاج لاستعادة النمو باقتصادها ومواجهة التضخم، لا غنى لها عن دول المنطقة وتحديدا السعودية.  
إذ شهد الاقتصاد التركي في أوائل عام 2026 مرحلة تشديد نقدي مستمرة لكبح التضخم، مع نمو متباطئ ومتحفظ وقد سجل التضخم انخفاضا ملحوظا ليبلغ 30.65 في المئة سنويا، كما تابع البنك المركزي التركي سياسات التشدد النقدي، وخفض الفائدة إلى 37 في المئة في محاولة لخفض أسعار المستهلكين، وبذلك يمكن القول إن الشراكة التركية-السعودية في الاستثمار، والتعاون مع مصر والأردن في ملفات الصناعات الدفاعية وكذلك الاستثمار، هو مطلب تركي قبل أن يكون غاية بالنسبة للرياض والقاهرة وعمان.
وتشير الأرقام إلى أن الميزان التجاري بين تركيا والسعودية ومصر والأردن يميل لصالح تركيا، وهذا أمر جيد للأتراك الذين يرون في سوريا فرصة مضافة، إلى فرصهم في بقية الدول. والسعودية والأردن ومصر هي دول داعمة للاستقرار في سوريا. ويمكن أن يكون الشريك السوري في المستقبل القريب إضافة نوعية لهذا التكتل الإقليمي الذي تسهم السعودية في تحريكه والـتأثير فيه بشكل فاعل. ومعنى هذا أن إعادة تعريف التوازن والاستقرار لا تخرج عن فلسفة التحالفات والتكتلات الجديدة، التي بات العالم يشهدها لمواجهة التفوق الأميركي واشتراطاته في العالم.

وبالنسبة لتركيا اليوم- التي طرحت سابقا العثمانية الجديدة والتحرك بنظرية العمق الاستراتيجي- فإنها تشهد مراجعات كبيرة لتلك السياسة التي ارتكزت على التحرك العسكري أو الاقتصادي أو الدور الجيوسياسي، وهي في ظل تعاظم تحديات الاقتصاد الراهنة، تريد دخول المنطقة عبر بوابة التعاون والمصالح المشتركة متخلية عن فكرة الإرث العثماني، بما يجعلها أكثر قبولا من أي وقت مضى.
أما بالنسبة للرياض، فهي تطرح الاستقرار عنوانا لمستقبل المنطقة، وللمنافع المشتركة، والتعاون بما يخدم الشعوب ويحقق النمو المطلوب، وهي قادرة بما تملك من عناصر قوة، أن تسهم في تغيير الرؤى وإحلال رؤى جديدة، وضمان شرق أوسط مستقر أكثر من أي وقت مضى، وبالنسبة للأردن هناك حاجة أكثر لتعريف الاستقرار بما يحقق أهدافه بالاستثمار في العنصر البشري والموقع الجيوسياسي المهم في دعم استقرار الشمال السعودي المتمثل في دول الهلال الخصيب، وتظل مصر بوابه تركيا لأفريقيا كلها، ومصر ذاتها فرص استثمارية كبرى.
وبين الدول الأربعة (السعودية ومصر والأردن وتركيا) هاجس تحقيق الأمن في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وتركيا راغبة في أداء فعل مشارك فيه، وكانت تدخلت عام 2024 في إنهاء التوتر والخلاف بين الصومال وإثيوبيا حول استخدام الموانئ على البحر الأحمر، حيث أصبحت إثيوبيا بعد عام 1991 واستقلال إريتريا عنها، أكبر دول العالم من حيث عدد السكان من دون منفذ بحري.

font change