رحل المفكر السعودي الوحدوي القومي يوسف مكي في 23 ديسمبر/كانون الأول 2025 بعد مسيرة طويلة في العمل والبحث والكتابة الواعية، تاركا إرثا محترما في المواقف والفكر وفي إثارة السؤال النقدي والمطالبة بإحداث المراجعات المطلوبة للفكر القومي العربي الذي انشغل به طويلا باحثا عن ممكنات النهوض به واستعادة الروح للأمة.
لم يجد مكي باعتباره مفكرا قوميا، ضيرا من الانشغال بالقومي والوطني، فدافع عن بلده السعودية حين سُنت الأسنة الغربية على الشرق الأوسط بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، ووقف صامدا كطود شامخ في البحث عن الخلاص لمعضلة الوحدة العربية. وفي محاضرة له بمنتدى عبد الحميد شومان في عمان في الثالث من يونيو/حزيران 2025، قدم مراجعة نقدية للفكر القومي العربي بعنوان: "انكفاء المشروع القومي العربي"، واعترف بالأخطاء التي أصابته، وجوهرها: الروح الفردية والاستبداد وعدم الاعتناء ببناء المؤسسات.
وقدر لكاتب السطور أن يدير الحوار، وكان هناك جمهور قومي أردني أصرّ في أسئلته على بقاء المشروع القومي وثباته كما هو، وتمسكوا به، أكثر من صاحب المحاضرة الذي هو الأمين العام المساعد للمؤتمر القومي العربي وأمين سر اللجنة التنفيذية لمركز دراسات الوحدة العربية، والذي ساق الكثير من الأمثلة والمقاربات العالمية التي أحدثت المراجعات الفكرية، فيما المشروع العربي تمسك بالماضي أكثر من أي شيء آخر. وطبعا لم يغفل مكي عن العامل الغربي الذي قوض مشاريع الوحدة العربية والذي لم يكن وحيدا بل كانت هناك عوامل داخلية إلى جانب التدخل الغربي أسهمت في انهيار المشروع القومي.
ظل مكي ملتزما واعيا ثابتا في مواقفه، ومعترفا بأن الانشغال ببناء الدولة القومية ودولة الوحدة، حال عند العرب دون بناء مؤسسات الدولة الوطنية
لم يَرد مكي على أسئلة جمهور منتدى شومان بطابع شعبوي ولم يكن مجاملا، بل التزم بخطابه العقلاني، ورؤيته النقدية للفكرة العربية بعامة ومسألة الوحدة العربية بخاصة، والتي أشبعها بحثا في كتبه ودراساته ومقالاته، ومنها: "في الوحدة والتداعي دراسة في أسباب تعثر مشاريع النهضة العربية وأزمة الدولة العربية"، و"تحطيم المرايا: نقد النقد"، و"النظام العربي والمقاومة"، و"كيف يصنع القرار العربي". هذا عدا عن المقالات في صحف "الخليج" و"اليوم" و"الاقتصادية" و"الشرق الأوسط" وغيرها.
قدمت مجلة "المجلة" الدكتور يوسف مكي في أول حوار معها لكاتب السطور في شهر مارس/آذار عام 2007، وكان ذلك بالتنسيق مع رئيس التحرير يومها الأستاذ عبدالوهاب الفايز، وطوت السنين معرفة عميقة بمكي الذي ظل ملتزما واعيا ثابتا في مواقفه، ومعترفا بأن الانشغال ببناء الدولة القومية ودولة الوحدة، حال عند العرب دون بناء مؤسسات الدولة الوطنية، التي باتت اليوم السقف الذي يجب الحفاظ، عليه في وجه مهددات الداخل والخارج.
وجهت "المجلة" في الحوار المشار إليه عام 2007 لمكي سؤالا عن الدور السعودي في دعم استقرار العراق وفي سياق الحقوق الفلسطينية؟ أجاب: "أعتقد أن الحديث عن الدور السعودي العربي في العراق وفلسطين حديث له معناه وقيمته، ومصدر ذلك أن من حق الدولة السعودية، كأي دولة، أن تهتم بأمنها الوطني، لأن عدم استقرار الجار الشمالي يؤثر عليها وعلى المنطقة، كما أن السعودية تشعر بواجب عربي وإسلامي تجاه أي خلل في أي بلد عربي. وهذا التوتر في المنطقة لن ينتهي إلا برحيل الاحتلال. والجهود التي تقودها المملكة هي الأكثر إمكانية للنجاح؛ لأن المملكة العربية السعودية هي الطرف العربي الوحيد الذي لا يرتبط بقوة احتلال. أما الأطراف العربية الأخرى، فهي تهتم بعلاقتها مع حلفائها في الغرب. كما أن ثقل السعودية لا يستهان به في السياسة العربية، وهو يستمد قوته من الشعور بالمسؤولية العربية وعدم وضع رؤوسنا بالرمال..".
ويوسف مكي لم يكن مثقفا طوباويا، بل مثقف منشغل بالهم القومي والوطني، وقارئ للأدب بشكل جيد، وقد ظهر أثر ذلك في كتاباته، وهو شاعرٌ لم يُعرف شعره، وفي الشعر كان متأثرا بالموضوع الفلسطيني والانتفاضة ومنه قصيدة مطلعها.
"وسنان ينتشي طربا
يمسك قيثارته
يفترش الزهر
وحبات الزيتون"
وكتب مكي شعر الغزل ومنه قصيدة "أنا وأنتِ"، وهذا ليس بغريب عن رجل انفطر قلبه على الوعي بالاستقلال العربي، ونشأ كما يقول كـ"عربي سعودي بسيط منحدر من عائلة بسيطة، في قرية صغيرة اسمها "سيهات" وهي من ضواحي منطقة القطيف. والقرية تبدو للناظر إليها محاصرة ببساتين النخيل من ثلاث جهات. وفي الجهة الرابعة يحتضنها البحر، فكانت في سعة من الرزق ونشاط أهلها بصيد المحار وتجارة اللؤلؤ. وقدر لي أن أكون جزءا من التربة الخليجية. ثم أرسلت إلى الكُتاب لتعلم القراءة وكتابة الأبجدية. ولحسن حظي، فإن ذلك لم يستمر طويلا، حيث بعد سنتين من ذهابي إلى الكُتاب فتحت أول مدرسة ابتدائية في عام 1956 حيث أرسلت لها. وربما تلك كانت أول فرصة لي كي أبدأ رحلة طويلة... حملت عباءتي يومها ورحلت ولم أحط أبدا عن الترحال...".
ارتحل يوسف إلى عوالم السياسة، وطوّف في الفكر العربي مطولا، تاركا أثرا كبيرا، ولم يجامل في نقده، وظلّت حروفه مستوية دونما إخلال وتبسيط، وامتلك شجاعة النقد لمدرسة فكرية غالبا ما تجاهلت النقد وتحصنت بحصانة الماضي. لكنّه ظلّ وفيا لبلده ومدافعا عنه في أزمنته الصعبة قبل الرحبة، خاصة بعد حادثة 11 سبتمبر 2001، المحطة المفجعة في عالم الإسلام، وفي السياسة الدولية التي درسها مكي علما ومنهجا، وما تبعها من موجات للإرهاب باسم الإسلام.