يكشف الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، في اللحظات الأخيرة، عن تقدم في المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة التي تهدد بضرب إيران، بعدما حددت مطالبها منها برفض امتلاك إيران للسلاح النووي والتخلي عن الأذرع، وعدم قمع المتظاهرين بعنف.
وفي المقابل تهدد إيران بالمقاومة والتصدي لأي هجوم محتمل يمكن أن تشنه الولايات المتحدة على أراضيها، في ظلّ انخفاض قوة إيران العسكرية الصاروخية وتراجع إمكانياتها، وتعاظم الأزمة المالية الداخلية ونمو الغضب الشعبي بسبب المقدرات التي أهدرها النظام لعقود على البرنامج النووي، وضعف قدرة منظومة الصواريخ الإيرانية عن تحقيق أهدافها وقد جُربت قبل وقت وجيز.
وفيما يبدو أن على إيران تجنب الحرب بأي ثمن، فإن الولايات المتحدة تزيد كل مرة مطالبها، فهي مصرة على تغيير المرشد، وستبقي على الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وليس مطروحا تغييره، لكونه جاء في مسار التغيير المطلوب الذي يريده الشارع الإيراني، ويقبل به الغرب. وكشف في عدة تصريحات له عن سوء الوضع الاقتصادي بالنسبة للمواطن الإيراني الذي عبرت عن مطالبه الاحتجاجات الأخيرة عقب انهيار الوضع الاقتصادي وتعاظم الفساد، كما تريد الولايات المتحدة أن تكف إيران عن دعم ما تبقى من أذرع تابعة لها وبخاصة في العراق.
كل ذلك يحدث في ظل إصرار ترمبي على التغيير في إيران، أو الاستجابة للمطالب الأميركية التي باتت واضحة، والغرب الأوروبي لن يكون عائقاً أمام رغبات ترمب فهو منشغل بتحالف مع الصين والهند لمواجهته، ولا الحليف الروسي بالنسبة لإيران يمكنه أن يوقف الجموح الأميركي إن بقي إصراره قائماً، أما الوسيط التركي بين إيران والولايات المتحدة، فحركته محدودة في ظل حزم ترمب على أن إيران يجب أن تمتثل لرغباته، التي امتدت إلى العراق بعدم الموافقة على ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة العراقية الجديدة.
في مقابل الوصول العسكري الأميركي الكبير للمنطقة وأعداد القواعد، حاولت إيران كسب الوقت بإخطار عالمي للملاحة البحرية والجوية بأنها ستجري مناورات عسكرية مشتركة مع الصين وروسيا باسم "درع القوى العظمى"، في محيط بحر عمان والمحيط الهندي. في محاولة لتحذير أميركا من تدويل الصراع إذا ما حصل هجوم أميركي ونتجت عنه صدامات مباشرة نتيجة الخطأ مع القوى الدولية المشاركة في المناورات التي ستبدأ في الأيام المقبلة، وبالتالي فإن على ترمب في هذه الحالة إما توجيه ضربة خاطفة للنظام الإيراني، أو ما يسمى بتراجع الضرورة، وإما العودة لطاولة المفاوضات التي يمكن أن تجنب المنطقة التصعيد المحتمل.
إذن تحاول طهران درء الضرر قدر الإمكان، وتحاول الولايات المتحدة أن تكرس هيمنتها بإخضاع أكبر القوى المناوئة لها عليها للرضوخ للمطالب المعلنة من طرفها. وهذا يحدث في ظلّ تصاعد النقد داخل الولايات المتحدة للرئيس ترمب وسياساته وأفكاره التوسعية. لكن في المقابل فإن استقراء نتائج أصوات المال الأميركية تلح على ترمب بالعجلة ليعلن نصراً مضافاً بعد تحقيق الشركات الكبرى أرباحا خيالية العام الماضي، وبالتالي ضمان الربح وتعظيم التأييد الرأسمالي للسياسات التي ينتهجها الرئيس.
بالعودة لإيران، فإن البلد ينافح من أجل البقاء، والمشكلة عند النظام الإيراني لا تكمن في احتمالية تغيير المرشد أو مواجهة حرب أميركية- فالقادة هناك يضعون أنفسهم بمقام المجاهدين ضد أميركا أو "الشيطان الأكبر"- بل في هزيمة بنية فكرية متشددة قومية الطابع، عاشت على العداء والانتصار الوهمي للأذرع التابعة للنظام ضد أميركا وإسرائيل، فيما الهزيمة فعليا تحققت في أكثر الساحات قربا من الدعم والتأييد الإيرانيين، وما بقي إلا معقل التشدد بالنسبة لأميركا الكامن في حوزة قُم والمؤسسات التي اخترعتها الثورة الإيرانية وكبّلت البلد وأرهقته، وأميركا تعرف التقديرات والقوة الإيرانية بشكل جيد، ولا تحتاج معادلة الحرب- إن قامت- لبيان عن ميزان القوى العسكرية بين الطرفين والذي قطعا يميل لصالح الطرف الأميركي.
لا سبيل لدرء الإصرار الأميركي لإخضاع إيران، لكن سيكون هناك احتمال كبير لفتح مفاوضات جادة، تعيد إيران لمستوى الدولة غير العدوة بالنسبة للولايات المتحدة، وتعيد البلاد لأهلها
من الصعب توقع، ما سيحدث في لحظة قريبة، لكن المهم أن الولايات المتحدة حددت مطالبها، وإيران التي نافحت من أجل السلاح النووي، قبلت حسب التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني بالتخلي عنه، مقابل تجنب الضربة العسكرية والمواجهة، وهذا بحد ذاته انتصار بالنسبة للولايات المتحدة، التي ضربت إيران في عصب قوي وهو الحليف الفنزويلي الذي كانت إيران تستثمر معه بشكل كبير، ولديها معه تعاون عسكري في صناعة مسيرات من نوع "شاهد"، وهو مصنع تم قصفه في الهجوم الأميركي الأخير على فنزويلا.
علميا، لا سبيل لدرء الإصرار الأميركي لإخضاع إيران، لكن سيكون هناك احتمال كبير لفتح مفاوضات جادة، تعيد إيران لمستوى الدولة غير العدوة بالنسبة للولايات المتحدة، وتعيد البلاد لأهلها، وهذا لن يحدث إلا بتغيير قوى التشدد واستعادة المقدرات وعلى رأسها النفط والغاز ووقف الفساد، فإن حدثت الاستجابة للطلبات الأميركية فستكون عملية التغيير عبر الشارع الذي سينال الدعم الغربي برأسه الأميركي، إن جاء بربيع سياسي جديد في حلول عيد النوروز المقبل.