خبرة وشغف

خبرة وشغف

استمع إلى المقال دقيقة

دائما تكون البدايات الشعرية حارة ومتدفقة. فقلما يتنبه الشعراء في المراحل الأولى من تجاربهم في الكتابة إلى ما يوجه نتاجاتهم من منطلقات وأهداف، من دوافع ومرام. قلما يتحفظون أو يستدركون أو يتدبرون ما يتحكم بمحاولاتهم الفنية. ينجرفون وراء حماستهم إلى البوح والتعبير، وينفرون من الضوابط والكوابح على أنواعها. إلا أنهم مع الوقت، وإذ تتجه تجاربهم نحو درجات أعلى من النضج، يأخذون في التأمل أكثر فأكثر في ما يتصل بصنيعهم الفني، أو يدخل في تكوينه، أو يساهم في منحه خصائصه المميزة.

هل نقول إذن إن تجارب الشعراء- وهم يتجهون إلى النضج ويكتسبون المزيد من الخبرة- تميل شيئا فشيئا إلى البرودة والاتزان بدلا من الحرارة والاندفاع، إلى التماسك بدلا من الانجراف، إلى التدبر بدلا من التهور؟ وإذا قلنا ذلك واقتنعنا بصحته أو بمنطقه، ألا نكون في هذه الحالة قد فرطنا بما يوفر للشعر لهبه الذي لا يأبه كثيرا بأي وعي أو نضج؟

كلامنا الآن يضع نفسه على مسافة من الشعر، لكي ينتصر له أو يحاول فهمه. وهذه مهمة لا تعدو كونها محاولة من المحاولات التي سعت منذ القديم، وسوف تظل تسعى دائما إلى القبض على ذلك المنطق (أو اللامنطق) الذي يتحكم (أو لا يتحكم) بالعملية الشعرية، أي بعملية إنتاج النص الشعري. أليست كل محاولة في هذا السبيل محاولة يائسة؟ إلا أنها، بسبب من ذلك، ستبقى مغرية إلى ما لا نهاية.

يقول الشاعر الأيرلندي وليم بتلر ييتس (1865-1939) في معرض حديثه عن تجربته الشعرية إنه كان يرمي إلى كتابة شعر بارد وشغوف (cold and passionate) كالفجر. إنه يعطي في كلامه هذا معنى إيجابيا للبرودة، التي لا يريد أن يتجنبها في شعره، وإنما يرغب فيها ويطلبها. هذه البرودة هي كبرودة الفجر من جهة، وهي مقترنة بالشغف من جهة ثانية.

كيف يمكننا أن نجاري الشاعر ييتس، وأن نفهم جوهر مشروعه، إذ رمى في شعره إلى تحقيق البرودة والشغف معا؟ ألا يمكننا القول إن البرودة في الشعر تتأتى من رسوخ في الرؤى، ومن رسوخ في استخدام اللغة؟ والرسوخ هنا لا يعني الثبات أو الاستقرار، وإنما يعني التعمق والنفاذ في الحالة الأولى، ويعني التمكن والتمرس والحذق في الحالة الثانية.

الشاعر إذ يقدر على التقدم في تجربته، وعلى اكتساب المهارات، وعلى تجديد زوايا نظره إلى العالم وأشيائه، إنما يصبح أكثر سيطرة على عمله في الكتابة، وذلك على نحو تلقائي غير مفتعل

فالشاعر إذ يقدر على التقدم في تجربته، وعلى اكتساب المهارات، وعلى تجديد زوايا نظره إلى العالم وأشيائه، إنما يصبح أكثر سيطرة على عمله في الكتابة، وذلك على نحو تلقائي غير مفتعل. يتوفر له ذلك بسبب تراكم خبراته وتنوعها. وكل هذا يؤدي إلى برودة في شعره لا يقصد إليها قصدا، وإنما هي برودة لا بد منها، لأنها ثمرة الخبرة والنضج.

يمكن القول إن هذه البرودة هي نقيض التفجع والمبالغة والتهويل، وغير ذلك من مظاهر الكتابة التي يلجأ إليها كتاب يشكون من ضحالة في الرؤى ومن ضعف في أدوات التعبير.

البرودة التي رمى إليها الشاعر ييتس ليست إذن من قبيل التكرار أو الرتابة أو الجفاف، وإنما هي من قبيل الجدة أو التجدد أو الانبثاق. إنها برودة الفجر الذي هو البداية والانطلاق والبشارة. ولهذا كله، هي برودة مقترنة بالشغف، لأن هذا الأخير هو أيضا  كالفجر تفتحا وشوقا ولهفة وتحفزا.

كم يجدر بنا أن نتحلى بالدقة والحذر إزاء المفردات أو المصطلحات التي نستعملها في الكلام على التجارب الشعرية، نظرا إلى أن هذه المفردات أو المصطلحات قد تعني أحيانا خلاف ما يراد منها، وقد تعني أحيانا خلاف ما يفهم منها. وها نحن الآن إزاء مفردة هي"البرودة"، رأينا كيف أنها لم تعن، كما أراد لها ييتس، نقيضا للحرارة، وإنما عنت رداء لها، رداء من الرسوخ والقوة. البرودة التي قصد إليها ييتس ليست نقيضا للحرارة، طالما هي مقترنة بالشغف، الذي هو لهب الشعر. هكذا أمكننا أن نجد في "البرودة" ما يدل

على التمرس والنضج والتطور.

ربما نستطيع في هذا المجال أن نضع كلمة "خبرة" مكان كلمة "برودة". وهنا تنبغي الإشارة إلى أن الشعراء يختلفون كثيرا في ما بينهم، من حيث التطور في ما يكتبونه من بداياتهم إلى نهاياتهم. فقد نجد شاعرا يتألق في بداياته، ثم يفقد مع الوقت الكثير أو القليل من ألقه الأول. وقد نجد في المقابل شاعرا يبدأ بداية عادية، ثم يأخذ في التقدم مع الوقت، ليحقق المزيد من التجدد والتفنن والابتكار. ربما يكون النموذج الثاني هو القادر على تحقيق ما أراده ييتس من شعر طازج كالفجر. فالخبرة التي تتحصل للشاعر في سياق تجاربه المختلفة من شأنها أن تتجلى في كتاباته تجددا مستمرا في الموضوعات وفي تقنيات التعبير.

الخبرة التي تتحصل للشاعر في سياق تجاربه المختلفة من شأنها أن تتجلى في كتاباته تجددا مستمرا في الموضوعات وفي تقنيات التعبير


هذه الخبرة من شأنها أيضا أن تضع الشاعر في حالات من التأمل والتعمق والمراجعة والاستشراف وغير ذلك، مما يضفي على كتاباته طابع الهدوء والرزانة، دون أن يتعارض ذلك مع الشغف، شغف الكتابة الذي هو أغلى ما يتبقى للشاعر، عندما يتقدم في العمر.

font change

مقالات ذات صلة