مثلما هي أفلامه دروس كبرى في المعرفة البصرية، في فن تدبير اللقطة الطويلة المتماهية مع ثقل النفس البشرية، أو فرط سوداوية الوجود، خاصة "تانغو الشيطان" و"تناغمات فيركمايستر"، و"حصان تورينو"، كذلك هي حواراته المتقشفة، بصوغ شذري لاسع، يشحذ في ما قلّ من حفنة القول، موجز التجربة بما دلّ وأكثر من شرارة المعنى، الأمر يتعلّق بالمخرج المجري بيلا تار الذي رحل في 6 يناير/كانون الثاني 2026، عن عمر يناهز 70 سنة.
"لا تستطيع أن تعرض وضعا داكنا بألوان فرحة، ولا تستطيع أن تضفي عليه حلولا مطمئنة، ما أقوم به هو أن أعرض الواقع وأعلق عليه من زاويته. إلى ذلك، أنا لا أرى ما يثير البهجة اليوم". يفصح المخرج المجري في حوار عن علاقته بالمخرج أندريه تاركوفسكي، فاللقطة الطويلة في سينما بيلا تارـ اختبار شاق للتحمّل، استغوار للزمن، ومجابهة قاسية لتكرار يتطابق مع إيقاع الوجود، بينما عين الكاميرا الراصدة باردة، وبذا يقحم المتلقي في امتحان الضجر، معايشة لبؤس إنساني دامغ، بينما اللقطة الطويلة في سينما تاركوفسكي تأملية، متأهبة للتسلل إلى منطقة الحلم، شاعرية، ضالعة في التأمل المضرّج بالصمت، لكن ذات أثر ينحاز للإيمان، عبر رموز دينية مائية، نارية، أيقونية، وقربانية، كأنما السينما محض صلاة تتحقق بشعرية بصرية، وأما في سينما بيلا تار، فالعالم بلا قداسة، محض خراب شاهد على غياب الإله.
السينما وفق حالة بيلا تار العدمية، ليست استعراضا بالمرة، بل تجربة معاشة تحدث تحولا عميقا في هاوية العتمة المطبقة، وهو لذلك يجافي أسطورة المؤلف الإله، حتى إنه لا يحبذ النظر إلى نفسه كفنّان، بل مجرد صانع سينما بسيط، والسينما إذن حرفة إنسانية متواضعة، لا ادعاء نخبويا فيها، وحسبه أنه لا يفكر أبدا في الأمور النظرية عندما يعمل، ورهان المغامرة كامن في العمل دون سيناريو مسبق، لا ممثلين محترفين، وما يعنيه ليس السرد، ولا الحبكة، بل الزمن، تماما وليس لماما، الزمن هو المادة العاتية للسينما بلا هوادة، واحتكاما لذلك ففلسفة اللقطة الطويلة تغدو تأملا وجوديا، أكثر من ذلك اللقطة الطويلة ليست أسلوبا وحسب، بل طريقة تفكير، والصمت ليس فراغا، بل امتلاء دامغ الثقل.
عن هذا النزوع يضاعف قائلا: "أنا أحب الاستمرارية، لأن فيها توترا خاصا، الجميع يكون في حالة تركيز أعلى بكثير مما هو عليه في اللقطات القصيرة".
السينما بحسب الرؤية الحادة لبيلا تار صدمة وجودية، وأخلاقية في آن، ولا ينبغي لها كفن مزعج أن تكون أداة للتهدئة
وعن تناغم أشلاء التجربة البصرية حينما يتنفس الجميع بوتيرة إيقاع مشتركة واحدة، يضيف: "أحيانا عندما نصور لقطة طويلة، يكون الجميع: الممثلون، عامل العربة، مدير التصوير... يتنفسون بالإيقاع نفسه، يشبه الأمر علاقة حميمة ناجحة... الكاميرا تدور... هذا ما اكتشفته تدريجيا أثناء العمل باللقطات الطويلة... الفيلم يكتب بالصور، بوجوه البشر، بردود أفعالهم".
على حجر اليقظة يشحذ بيلا تار أسلحة التوتر في ماراثون اللقطة الطويلة: "اللقطة الطويلة تحمل توترا خاصا جدا، لأن الجميع يجب أن يكون في أقصى درجات اليقظة... وهذا التوتر ينتقل إلى الشاشة".
وهو لذلك يكره أن يتحكم مسبقا في كيمياء المشاعر، كارها لتدبير تموج انفعالات الممثلين: "عندما أستخدم لقطة طويلة، لا أقول الكثير للممثلين... إنهم يطورون أشياء من شخصياتهم، من أعماقهم، عليهم أن يتفاعلوا مع بعضهم البعض... ويمكنك أن ترى ذلك في أعينهم".
السينما بحسب الرؤية الحادة لبيلا تار صدمة وجودية وأخلاقية في آن، ولا ينبغي لها كفنٍ مزعج أن تكون أداة للتهدئة، ولكي يكون الفيلم قريبا من الحياة، من رعب الحقيقة، فعليه أن لا يجامل حينما يتعلق باللعنة المسماة واقعا وفق توصيفه اللاذع.
اللقطة الطويلة في مرصد بيلا تار الجمالي والفلسفي، ليست تمثيلا كيفما اتفق، بل حدث شعوري مشترك. ما أبعدها مسافة لكي تكون حيلة فنية، بل محض مساحة جسورة لتعالق تأملي بين الفيلم والمشاهد. كيف لا وهي معنية باستغوار وجود إنساني كما هو، من زاوية الواقع نفسه، لا الأداء المصطنع إذن هو رهانها، وإنما مجازفة استكناه عمق الكينونة لا التمثيل.
وكيفما كان إيقاع الفيلم مفرطا في ماراثونيته، فهو يعتمد كليا على ما يريد قوله، إذ إن الوتيرة الفادحة لاستطالة المشهد، جزء من طريقة التعبير الفني ذاته، واستنادا إلى ذلك، فاللقطة الطويلة لدى بيلا تار لا تقاس بحجم إيقاعها فقط، بل بحجم التوتر الذي تخلقه بين الممثلين وعين الكاميرا، حيث يتشكل المعنى بفضل تفاعل الأجساد مع الزمن والفضاء، لا من آلية السرد المتسارع، والمشاهد يلفي نفسه مقحما داخل حيز هذا الفضاء المتوتر، يتأرجح بين التكرار الممعن، والتحول المرتقب خلف إسهاب البطء، وهذا ما يعزّز الأثر المزدوج للفرجة والمعايشة في آن.
لا محالة، تستوعب حذاقة التلقي ضمن هذا التحمل اللامألوف، مسألة اللقطة الطويلة، بالنظر إليها كانضباط شعري صارم، في انسلاخ تام عن البطء الاعتباطي، أن تعيش الزمن بثقله داخل اللقطة كما هو، وليس كشيء مختزل، وبذا يمكن عدّ سينما بيلا تار، بصورة من الصور، مقاومة جمالية وأخلاقية ضد اقتصاد السرعة الموبوء.
اللقطة ليست محض تأمل كيفما اتفق، بل أن تعيش هشاشة الوجود ورعبه، داخل حيز زمني ثقيل، لا يرحم، سوداوي آسن
اللقطة ليست محض تأمل كيفما اتفق، بل أن تعيش هشاشة الوجود ورعبه، داخل حيز زمني ثقيل لا يرحم سوداوي آسن.
باللقطة الطويلة يخلق بيلا تار استمرارية نفسية ضالعة في التوتر، لا يمكن تحقيقها بوتيرة التقطيع السريع، يحملك على أن تعيش مفارقة الوجود وفزعه، بؤسه أو عبثه، داخل إيقاع واحد ممعن في الثقل والرماد والخراب.
اللقطة الطويلة وفق شاعرها المجري، بيلا تار، تتفرّد باجتراح عالم سينمائي عبر الزمن لا عبر الحبكة، كذا هي طريقة مبتكرة لجعل السينما فنا للإيقاع وليس الحدث.