إيقاع الماء

إيقاع الماء

استمع إلى المقال دقيقة

يرصد فيلم "النهر"، للمخرجة هيرانا أديسو، يوميات الحياة على ضفة نهر "كيبينا" في إثيوبيا، بالنظر إليه كمصدر عيش. والحكاية تستغرق مجمل اليوم، من الصباح إلى المساء، إذ إن مشقة جلب المياه يوميا، تجشم الشخصيات عناء مسافة ماراثونية، ولا تخلو طريق المشقة هذه من تنابز الساعين إلى النهر، مع توتر حار تستعر ناره في منتصف الظهيرة.

والسبب اللاهب في الخلاف، ينشب حول أولوية من سيستعمل المياه، مع النفخ في نعرات ذات طبيعة اجتماعية، كالإشارة إلى مشكلة زواج قسري لفتاة دون سن الرشد، ومسألة التفاوت في التعليم وقضية عدم المساواة، دون أن تسمي المخرجة شخصياتها، فالمشهد الأول مفتوح فجرا على ضفة النهر، لنسوة يردن الماء، في محاولة لملأ أوانيهن، وفي الجوار شرذمة صبية يتراكضون في اتجاهات عدة، بينما ينعزل رجل مسن، يتأمل مجرى النهر، في صمت مريب.

يتحول النهر إلى شخصية مركزية، فضلا عن كونه فضاء، ومجمل السرد البصري يتم تدبيره بطريقة غير مباشرة. ويتماهى إيقاع الفيلم مع إيقاع النهر، إذ ما إن ينساب الماء بغزارة، حتى تغدو حركية الفيلم متسارعة، مع تعاقب اللقطات الطويلة، وحينما ينخفض منسوب الماء، تمسي حركية الفيلم بطيئة، ويسود صمت متثاقل، في تماه مع تعب الوجوه في إنهاك. فإيقاع الماء يتناغم مع إيقاع الحياة، فيما يشبه دورة ذات عواقب اجتماعية وإنسانية دامغة.

ورغم أن الفيلم مصنف ضمن النوع الوثائقي، فإن شعريته وتدبيره الشكلي فضلا عن مغامرته البصرية، تجعله ينتمي بجدارة إلى منحى السينما التجريبية، وتستند فيه المخرجة إلى خلفية ذاتية، من منظور رؤية طفلة، مع أن الحكي لا يتمحور حول شخصية أحادية، فيما أسلوب الرؤية ذاتها محض لوحات متعاقبة ومتشابكة في آن.

هذا المنحى الشعري بصريا، يجعل من الفيلم توثيقا غنائيا، حيث تتضافر إيقاعية اللقطة الطويلة، المنذورة للطبيعة خاصة، ولحفريات الوجوه، في خلق أثر متعدد، منشطر ومتشظ، فبالقدر الذي يحاكي تحولات النهر، يكشف عن مزاجية الشخصيات، توترهم حينا، وصمتهم حينا آخر، والمحصلة رصد نمط عيش هؤلاء، على ضفة النهر، دون القفز فوق المضمون الاجتماعي والسياسي بحضوره اللاذع، لكن عبر فن التلميح، وطريقة الاشتغال الفني، ذات حذاقة شكلية، تجنح إلى مغامرة تجريبية وفق رهان جمالي نوعي.

في حوار مع المخرجة هيرانا أديسو، أفصحت بأنها طالما كتبت قصة الفيلم، مرات وكرات، في ذهنها طوال حياتها، لأنها تمثل موجز حكاية طفولتها، وطرق عيشها، وما إن تحقق لها الفوز بمنحة (Blueprint) بادرت إلى إخراج الفيلم، برعاية من وكالتها الفنية (Chucha Studios) وتعاونٍ مع شركة الإنتاج المحلية "Qene Films".

إيقاع الماء يتناغم مع إيقاع الحياة، فيما يشبه دورة ذات عواقب اجتماعية وإنسانية دامغة

طموح هيرانا أديسو كان التجاسر على خلق شروط حوارات معقدة اجتماعيا، بحرية، نادرا ما يخوضها المجتمع الإثيوبي في عصرنا هذا، وذلك احتكاما إلى جماليات البشرة السمراء، من منظور ثقافي وأنثروبولوجي، حد أن الملائكة تراهم بذات البشرة السمراء، ويمتلكون شعرا أفرو- قصير، ومن خلال مبدأ هذا الوعي الحاد والحاسم والواضح، كان سواد البشرة بالنسبة لها المحدد الوجودي في تخييل الفيلم، لا بالنظر إليه كتمييز عرقي وإنساني، بل كقيمة فنية، معنية برؤية جمالية لا غير. وهذا ما يتمرأى في النهر، في تحولات المياه الشبيهة بمرايا تعكس الحالة الوجودية للنساء خاصة، وقس عليها حالات عدة متباينة، لهشاشتهن تارة، وللقمع الذي يطولهن في الغالب، والجرائم المقترفة ضدهن، مثل اختطافهن واغتصابهن والإتجار بهن، وكل هذه الوقائع المأساوية تحدث إثر عمليات القيام بالذهاب إلى النهر، بغية جلب ما تفتقده أسرهن من حفنات مياه.

يقع نهر "كيبينا" في وسط إثيوبيا، من روافد نهر "أواش" الذي يصب في بحيرة "آبي"، على تخوم جيبوتي، وقد ورد باسم "كوبا" في كتاب "فتح الحبشة"، كمصدر تاريخي يوثق لحملات الإمام أحمد بن إبراهيم الغازي في القرن السادس عشر.

ممتنة هي بعض الحواضر الإثيوبية للنهر في نشوئها وتناسلها وتشعبها، ملء تجمعاتها السكانية، خاصة في أديس أبابا، غير أن عنفوان النهر كمورد مائي صحي وطبيعي، تراجع في القرنين الأخيرين، والسبب هو تصريف القنوات المنزلية الحارة، واستفحال المخلفات الصناعية، وانتهاكات المجال الزراعي، فضلا عن التوسع العمراني العشوائي على ضفتيه.

لا يقل نهر "كيبينا" قيمة وثراء طبيعيا، رغم هامشيته، عن أنهار كبرى، مثل نهر "أباي"، والنيل الأزرق، وقد حظي بالاهتمام في الأشكال الغنائية التقليدية، مثل "تيزيتا" (Tizita) ذات الأصول الثقافية الأمهرية، التي جعلت من النهر والجبل رمزا للذاكرة والحنين، والأهم حصناً ثقافيا ووجوديا للهوية ضد الاستعمار والنسيان.

كذلك حظي النهر باهتمام الأشكال الشعرية خاصة ما يسمى بنمط "قني" (Qene)، الذي يتفرد بأسلوب التورية، واستعارات الطبقات الدلالية المركبة، أو المزدوجة، وإن كانت أصوله دينية.

وفي الشعر دائما، ترددت أطياف النهر في موروث وتقليد نمط "الأزماري" (Azmari)، الشعبي المؤدى بارتجال، وعفوية في المناسبات الاحتفالية، وبذا تأرجحت رمزية النهر في التقاليد الشعرية والغنائية، ما بين الاحتفاء الفلكلوري، والترتيل الديني، وقداسة الانتماء الاجتماعي، مكانا وهوية وتاريخا.

ويتخطى النهر حدوده هذه، ليغدو علامة توجز تضاعيف رموزه وتأويله وأنساقه، ضمن شفرة وجودية ذات مدار يتعزز بطقوسية ألوان المحافل الإنسانية على ضفتيه، ورسوخ الذاكرة مع ما يجاوره من نبات وحيوان، كالشجرة الوارفة والحصان الجامح.

وعلى غرار اللافت من الألوان الطقوسية في فيلم "النهر"، وتسريحات الشعر الأفريقية ذات الغرابة اللافتة، يتبوأ وشم "نيسكات" النسائي، سيرة العلامات الغائرة في شبكة الرموز، وجماليات التكثيف البصري. ووفق الطقوس الإثيوبية، ينتشر تقليد الوشم في مناطق شمال ووسط البلاد، خاصة، تغراي وغوندار وغوجام، وإقليم الأمهرا، وأما أصول هذا التقليد، فترجع إلى القرن الرابع الميلادي، في عهد الإمبراطور عيزانا.

عنفوان النهر كمورد مائي صحي وطبيعي، تراجع في القرنين الأخيرين، والسبب تصريف القنوات المنزلية الحارة واستفحال المخلفات الصناعية

راوح الوشم في هذه المرحلة معناه في طوق ديني، مسيحي، ثم انسلخ عن هويته الدينية، لينتصر إلى ذاكرته البكر، كموروث إثني وثقافي وفني، إذ إن جمال المرأة يقاس بمعايير الوشوم، كملمح حاسم، لمغادرتها طورَ الطفولة، وانخراطها البهي، في طور نضج الأنثى.

ومع أن الوشم ينحاز لوظيفته الجمالية هذه، فإنه يظل محافظا على جدواه الاستشفائية، كعلاج سحري، وكذلك كتميمة للحماية ضد العين الشريرة، وأيضا كشرط للزواج على نحو خاص أو القبول الاجتماعي على نحو عام.

وتستخدم إبر يدوية في اجتراح الوشوم النسائية، تقوم بأدائها محترفات يحظين باحترام اجتماعي، يطلق عليهن اسم نيكاش، وتستعمل أصباغ طبيعية كمادة للتلوين، منها السخام، الفحم النباتي، ومستخلصات النباتات، عبر ثقوب مستشرية، مشفوعة بمادة كحولية لتخفيف حدة الألم، وتشمل الوشوم مناطق الجبهة والذقن والخدين والرقبة واليدين واللثة.

وضمن شبكة الرموز، ينسحب الصليب المسيحي، لصالح خطوط هندسية حول الرقبة، وأشكال شمسية أو نجمية، تعزز خرائط التوازن، وبذا يصير الجسد الموشوم بيانا جماليا مشحوذا، حاملا لهوية دامغة.

بعلامات الوشوم ضاعف فيلم "النهر" من أنساق لغاته، خاصة لغة حواره الأمهرية من جهة، ولغته البصرية التي تجعل من الفيلم أثرا فنيا ضالعا في الشعرية.

font change