تنفرد رواية الكاتب الأميركي بول أوستر "ليلة التنبؤ" (2003) في بدايتها، برصدها المولّه عن كثب لغواية الدفاتر، إذ يقوم بطلها سيدني أور المتعافي حديثا من مرض مديد، بالدخول إلى محل "قصر الورق" بينما كان يتنزه ذات صباح، ويلفته في نهاية الممر أحد الرفوف المصفف بدفاتر ورقية إيطالية مغلفة بالجلد، ودفاتر لتسجيل العناوين من فرنسا وملفات يابانية رقيقة ناعمة مصنوعة من ورق قش الأرز، ودفاتر ملاحظات ألمانية الصنع وأخرى برتغالية. كانت الدفاتر البرتغالية جذابة إليه بصفة خاصة، بأغلفتها السميكة المقواة، وسطورها المربعة، وبينما هو يقف مسحورا، يمسك بأحد الدفاتر أخيرا:
"وعندما أمسكت بالدفتر للمرة الأولى شعرت بما يشبه المتعة الجسدية وبتدفق مفاجئ من الراحة والسعادة غير مفهوم. لم يكن متبقيا هناك سوى أربعة دفاتر في الكومة الموضوعة على الرف، وكل دفتر منها بلون مختلف، أسود وأحمر وبني وأزرق. اخترت الدفتر الأزرق الذي تصادف أنه كان الدفتر الموجود في أعلى الكومة".
هكذا تقف الرواية بجاذبية وبطء عند التفاصيل الدقيقة والإحداثيات الفاتنة لمواصفات الدفتر بعين مولّهة، وهو الدفتر الذي لم يكن محض اعتباط أن يجعله الكاتب بلون أزرق، وبرتغاليا بالضرورة. هو الدفتر الأزرق الذي سيكتب سيدني أور فيه رواية بالاستناد إلى فكرة سبق أن اقترحها عليه صديقه ذات محادثة عابرة بينهما، وهي فكرة تتعلق بحادثة فلتكرافت في الفصل السابع من رواية "الصقر المالطي" للكاتب الأميركي داشييل هاميت، خلاصتها نجاة فلتكرافت من الموت بأعجوبة إثر سقوط عارضة من ارتفاع عشرة طوابق قريبا جدا من رأسه وكادت تسحقه، فأحدثت هزة هائلة في داخله وقرر فجأة أن يبدأ حياة جديدة مختلفة جذريا عن حياته السابقة.
يتحمس أور للفكرة ويشرع في الكتابة في ذهول ويجعل من فلتكرافت شخصا آخر يدعى نيك بوين محررا في دار نشر، تصله مخطوطة رواية قصيرة بعنوان مثير هو "ليلة التنبؤ" وكاتبته المفترضة هي "سيلفيا ماكسويل"... بالموازاة مع ما يكتبه على سبيل التخييل في الدفتر الأزرق يعود لحياته الواقعية ويحكي بشكل مزدوج عن زوجته وعن صديقه الكاتب. تتمفصل الرواية عند مفترق صادم، حين تتعثر الرواية بأن تتوقف مع مأزق بطلها الذي يجد نفسه سجينا في ملجأ مضاد للأسلحة النووية.
ثم تلتفت الرواية مرة أخرى لحياة بطلها سيدني وبخاصة لسيناريو فيلم خيال علمي كان قد بدأه كمشروع قد يوفر له مصدرا ماديا يعين به زوجته ويستطرد كاشفا مناطق خفية عن علاقته بزوجته المتوترة وعن وجوه أخرى لعلاقته بصديقه الكاتب. بدل أن يجد سيدني حلا ومخرجا لبطله العالق في النفق تنعطف الرواية كليا حين يرجع للدفتر الأزرق ويشرع في الكتابة عما يهاجسه بشأن حمل زوجته، مرتابا في هوية الجنين الذي يظنه ثمرة لعلاقة حميمة بين زوجته وصديقه، وينتهي به الأمر بأن يمزق الدفتر الأزرق مرعوبا من خطورة التنبؤات التي تحدث لاحقا على نحو واقعي.
واللافت أن يكون مصير الدفتر الأزرق في رواية "ليلة التنبؤ" هو نفسه مصير دفتر الملاحظات الأحمر في رواية أوستر "ثلاثية نيويورك"، أي التمزيق. وكأن الدفتر هو الرواية المفقودة. الرواية التي لا تكتمل. الرواية التي وجدت لكي تمضي صوب المحو. وما بعدها لا يعدو أن يكون هوامش حكائية وفرضيات سردية واحتمالات بديلة خلقت لترمم الفراغ المهول.
الصورة على نحو إجمالي، مجازية يغدو معها الدفتر سرداب الرواية وقبوها السري، مطبخها الخلفي أو ثقبها الأسود بالأحرى
ومجمل الملاحظات أن لعبة الدفتر ضمن استراتيجية الكتابة في روايات أوستر تكشف عن نفسها بصور متعددة ومتباينة. صورة يتماهى فيها محكي الدفتر مع محكي الرواية. وصورة يبدو فيها الدفتر محض رواية داخل رواية. وصورة يتقدم فيها الدفتر كتخييل كتابة ثانية يعلق على تخييل كتابة أولى. وصورة أخرى نمطية للدفتر باعتباره الرواية المركزية فيما الرواية الأخرى الموهومة محض هوامش تضيئها أو تفسرها من زوايا مضاعفة. ويحدث العكس بأن يصير الدفتر محض هوامش تضيء المتن المركزي لرواية فعلية إذ يوجد في تخييل نهر الدفتر ما لا يوجد في تخييل بحر الرواية. وأما الصورة على نحو إجمالي، فمجازية يغدو معها الدفتر سرداب الرواية وقبوها السري، مطبخها الخلفي أو ثقبها الأسود بالأحرى.
ولماذا الدفتر أزرق في رواية "ليلة التنبؤ"؟ بل لماذا هو برتغالي بالضرورة؟ ربما لأن مغامرة الكتابة "كولومبوسية" تماما، نسبة إلى المستكشف البرتغالي كريستوف كولومبوس، والأزرق عمليا لن يكون سوى لون المحيط الغامض، محيط الكتابة المجهولة المغري بمجازفة الإبحار ومخاطرة الاكتشاف.