ينزع فيلم بيدرو ألمودوفار الجديد "عيد ميلاد مر" 2026، إلى صنف التخييل الذاتي، برهانه على منحى تأملي شخصي والحفر في الذاكرة، إزاء مسألة الذنب الأخلاقي. يرصد الفيلم حياة مخرجة الإعلانات إلسا في مدريد، المنهارة نفسيا، بعد رحيل والدتها في فترة عيد الميلاد، إذ تتكالب عليها نوبات هلع متعاقبة، كما تعاني من اختلال عاطفي ينضب منسوبه حد القحط، وهذا ما تترجمه القتامة البصرية للمشاهد الأولى والنشاز الصوتي، كل هذا الضغط جعلها تقرر السفر مع صديقتها كبديل إلى جزيرة "لانثاروتي"، الشهيرة بتضاريسها البركانية السوداء، المنتصبة كفضاء حلمي نقيض لمدريد المختنقة.
سرعان ما يجعلنا الفيلم نرتاب في حقيقة شخصية إلسا ذاتها، لأنها ليست واقعية فعلا، بل من اختراع كاتب اسمه راؤول، وهو مخرج مسن يكتب سيناريو بعد انقطاع دام خمس سنوات، وهو قرين ألمودوفار نفسه، الذي يحاول قدر المستطاع أن يتحاشى فخ التكرار في تجربته الفنية، من جهة أولى، بالمقابل ينشطر ذهنه في تحويل حياة الآخرين إلى عمل سينمائي.
محض لعبة فيلم داخل فيلم، ما نكتشفه إذن، وفي هذا التركيب يتماوج القلق والفقدان والحداد، في استغوار أو تفكيك أخلاقيات الفن، ضمن منحى توتر درامي عن صورة مخرج يجابه خريف ذاكرته، الأحرى شيخوخته الإبداعية.
لعل ما يلطف من حدة القتامة العاطفية أو برودها الصقيعي، هو مشهد تجوال إلسا عند الغسق البركاني للجزيرة، بينما تصدح أغنية لتشافيلا فارغاس، وهو المشهد الذي تسمق شعريته وحلميته في آن، لتذيب الفاصل الجليدي بين حدي الواقع والخيال.
حول الخيانة في الفن، يمضي الفيلم متسائلا عن استغلال الفنانين للأشخاص المجاورين لهم، فراؤول يتجاسر على مآسي أصدقائه الشخصية محولا إياها إلى أعمال تخييلية، مما يثير حفيظة بعضهم، ممن يكتشفون صنيعه، حد أن مقربة منه تواجهه بتهمة سرقة حياة صديقتها إلسا واستغلالها فنيا.
عبر التلصص على حياة إلسا من خلال صديقتها وهي مساعدته، يختلق راؤول مادة سينمائية، لكن مع احتدام قلق في داخله، هو الآخر، مبعثه لسعة الخيانة، عن سبق رصد وترصد في تحويل آلام الآخرين بنرجسية إلى عمل تخييلي ممتع.
من هذه الناصية السوداوية للذنب، يحاول ألمودوفار أن يكون شجاعا في الاعتراف، إذ يحتد سؤال الفن والخيانة في "عيد ميلاد مر"، أكثر من ذلك يصير هذا السؤال المربك، التباسا أخلاقيا مزمنا.
في تشريحه لمسألة العجز عن الإبداع وهو الهاجس الطاغي، ما يبرر جنوح الفيلم إلى إيقاع الصمت، الأكثر تعبيرا عن الفراغ النفسي الفادح لشخصياته العاجزة، المضطربة، المفرطة في الحزن.
لا خطة تقليدية يسلكها السيناريو المركب، في تكرار للمشاهد على نحو وظيفي متعمد، مع تدوير الذاكرة، مما يجعل شخصيات الفيلم مشرنقة في دوامات استرجاعية وهي عالقة في مآزق دواخلها الشبيهة بآبار بلا قرار.
لا حكمة سوى "الهدوء الناضج"، الذي يراهن عليه الفيلم لمخرجه المخضرم في اختياره المغامر، بعيدا عن الصخب الميلودرامي، ففي فيلمه "ألم ومجد" 2019، عالج ألمودوفار قدرة الخلاص من الألم عبر الفن، بطريقة حميمة لا تجافي الدفء الإنساني واشتعال الحنين، أما في "عيد ميلاد مر"، فيعالج مسألة شبيهة لكن بطريقة ضالعة في البرودة والرمادية، حيث يحاكم ذاته نقديا بلا هوادة، وفي طليعة الأسئلة المؤرقة، حالة الفنان اليائس إن كان قد استهلك نفسه عن آخره، أو لا يعدو عمله إلا تكرارا لماضيه بشكل كاريكاتيري. تنجح بنية الفيلم المركبة في تصوير كل هذه الهشاشة بدقة هادئة، وإيقاع صامت، ولغة بصرية طاعنة في الكآبة.
تنجح بنية الفيلم المركبة في تصوير كل هذه الهشاشة بدقة هادئة، وإيقاع صامت، ولغة بصرية طاعنة في الكآبة
وحدها المواجهة العنيفة ما يخرج على عروض الصمت في الفيلم، ذلك الاصطدام الحاد بين صديقة إلسا وراؤول التي تتهمه بانتهاك الحياة السرية لأصدقائه، في مشهد متوتر داخل شقة دامغة الأحمر والأزرق، كمزيج من الحدة العاطفية والأناقة البصرية.
لا ينأى ألمودوفار عن أسلوبه البصري المبهر، ويغامر هذه المرة في تدبير المشاهد ذات الألوان الخافتة، إذ تتحول الفضاءات نفسها إلى حالات نفسية غارقة في القلق والحزن، وهذا ما تدلقه كيمياء ألوانه، الأحمر المشبع، والأخضر الباهت، والأبيض البارد، والأصفر الحاد، فضلا عن الأزرق الكئيب، وأما نظام الألوان، في الفضاءات المصطنعة وأيقوناتها، فأقرب إلى لوحات الرسام الهولندي موندريان.
وكيفما حاولنا إلحاق "عيد ميلاد مر" بفيلم ألمودوفار السابق عن الجسد وفقدان الشغف "ألم ومجد" 2019، إن جاز أن يكون امتدادا، فقطيعته الكبرى الإفراط في التشاؤم، مع ذلك، ينزاح بنفسه عن الصخب الميلودرامي، راسما لوحة الصراع الأخلاقي، للمبدع الذي يؤرقه مأزق الشيخوخة الفنية: هل الفن خلاص وعزاء أم استغلال فادح لحيوات الآخرين؟