قياس حدود الوهم

قياس حدود الوهم

استمع إلى المقال دقيقة

ما أكثر التجارب الأدبية التي تفتقت من رحم الصحافة، وما أقل النماذج السردية التي نجحت في تحقيق منجز أدبي يستند إلى مهارات العمل الصحافي بكل ما تقتضيه البراعة الجمالية من ابتكار.

الكاتب الإيطالي دينو بوزاتي (1906–1972)، سارد أمثل لقوة النص المضرج بدم سيدة الجلالة، بالنظر إليه ككاتب تحقيقات غريب الأطوار. كتب نصا خرافيا مشبعا برطوبة الواقع، أو نصا واقعيا مؤسطرا بالشكل الذي يجعل الأسطورة مندمغة في الحياة اليومية المعاصرة وليس مجرد عالم مفارق أو منفصل. معه يغدو الواقع جزءا من الخيال، لأن الواقع لا يمكن التسليم به كشيء جاهز، فالنظرة المسددة إليه غالبا ما يكون منطلقها الشك والقلق، لنقل ارتياب الذات المرعوبة حيال سلطة هذا الخارج.

يتمثل هذا النزوع الغرائبي، في تجربته القصصية غائرة البصمة في إيطاليا وخارجها، ولا سيما في مجموعته "الرسل السبعة"، التي مر على صدورها 84 سنة، وتضم بالتعاقب 19 قصة قصيرة.

في قصة "الرسل السبعة"، وريث مملكة في الثلاثين من عمره يقرر أن يخرج مع سبعة من رجاله الأوفياء كي يحدد حدود المملكة التي ورثها عن أبيه. الرجال الذين سيطلق عليهم أسماء وفق ترتيب أبجدي. بعد ثلاثين يوما يرسل الرجل الأول أليساندرو ومعه رسالة إلى المملكة على أمل أن يرجع بتقرير حول الرحلة، فاستغرق ذهابه وإيابه ثلاثة شهور بالتمام. بعد ستة أشهر يرسل الرجل الثاني بارتولوميو، فاستغرقت رحلته سنتين، وهكذا دواليك إلى أن بلغ وريث المملكة الستين سنة، ولم يبق في عدة رجاله إلا رسول واحد أي السابع المدعو دومينيكو، بعثه وإن كان يعلم أنه قد لا يؤوب إلا بعد موته، كيف لا ومنذ ثلاثين عاما ينوب عنه أخوه في الحكم، بينما رحلته تتسع أكثر وأكثر إلى ما لا نهاية، حتى إنه صار يجهل إن كان قد تخطى حدود المملكة أم لا، لأنه لا يعرف تلك التخوم التي تفصلها عما وراءها، فواصل السفر المغامر من أجل علامة المملكة المفقودة.

تتقصى الحكاية الرمز بشكل امتدادي، وكلما كثفت السرد تعمق إيحاء الفكرة الجوهرية، إذ تنهض القصة على إحداثيات رياضية محسوبة بدقة وترتهن إلى تقويم زمني مرسوم بنباهة كأن الأمر يتعلق بلعبة قياسات خاصة أو متاهة متناسلة للرقم الثلاثي: فعمر الوريث 30 سنة، وبعد 30 يوما يرسل الرجل الأول، ويستغرق الرسول الأول ثلاثة شهور في رحلته، ثم يتضاعف عمر الوريث إلى الستين مع بعثه للرجل السادس.

بالإضافة إلى الرقم الثلاثي، هناك رقم 7 الذي يعزز من الرمزية، ويجعل القراءة محكومة بالإيهام الدلالي للمسألة. فالرقم الثلاثي له مرجعية دينية مسيحية بامتياز، كما للرقم سبعة الخلفية السماوية نفسها، بقوة استعارية.

القصة معنية برسم الحدود وتخطيها في آن، فالوريث يخرج عن مألوف دائرة الحكم، ويتمرد على قواعد ممارسة السلطة في موطنه بتخطي حدود القصر نحو أفق مجهول. ذلك أنه يزاول حكمه الغريب عبر رسائل معدودة انطلاقا من مسافات جغرافية مترامية البعد. والخروج عن هذه الحدود لا يتحدد بزمن معين لنهاية الرحلة المغامرة، فيتواصل الخروج إلى ما لا نهاية، كأن رسم الحدود ذريعة لمزاولة المغادرة باستمرار. مغادرة المملكة ذاتها، وكأن المغادرة هنا هي الطريقة المثلى لممارسة حكم لا نهائي على حساب حكم محدود غير مرغوب فيه لو ظل الوريث سجين المملكة والقصر.

ينفصل دينو بوزاتي عن تقاليد الكتابة السائدة، مخترعا لنفسه نزعة سردية قائمة على ميتافيزيقا خاصة لها فهم مسنون للزمن

رسم الحدود في القصة يبدو في طور من الحكاية غير جغرافي بالمرة، بل هوائي أو سماوي بالأحرى. ومع مختتم القصة يتأكد أن السفر لم يكن لغرض تحديد خطوط المملكة بقدر ما كان لغاية السفر ذاته، سفر وإن كان خارجيا بذريعة تحديد علامة المملكة أو خارطتها الفعلية، فهو سفر آخر، جواني وداخلي، سفر افتراضي أو تخييلي بالأحرى، المرام منه هو قياس حدود الوهم وليس قياس حدود الحقيقة.

أما رسم خارطة المملكة واختزالها في علامة مكانية راسخة، فهو نفسه جوهر البحث عن علامة القصة الرمزية، أعمق من ذلك، هو سفر الكتابة اللامحدود الذي يذكرنا بخطوط انفلات جيل دولوز ومفهوم المغادرة الجسورة.

بهذا السبك الجارح الذي يلحم بين الخيال والحقيقة الهاربة، وكذا نحت ظلال الواقع الموهوم، ينفصل دينو بوزاتي عن تقاليد الكتابة السائدة، مخترعا لنفسه نزعة سردية قائمة على ميتافيزيقا خاصة لها فهم مسنون للزمن، ذات رؤية حادة، ترسم ملهاة الإنسان المحكوم عليه بالخسارة ضمن كابوس الوجود وإغواء الموت وهشاشة الحياة المعاصرة. وهي النزعة السردية المربكة نفسها، المتماوجة بالإيحاء العاصف من القلق واللاجدوى ذات الغرابة الكافكاوية المارقة.

font change