إحدى وعشرون قصة قصيرة أفريقية مكتوبة باللغة البرتغالية تتجاور في الأنطولوجيا التي أعدها وترجمها المغربي سعيد بنعبد الواحد (منشورات الربيع-2026) واختار لها عنوان "نحن من بكينا من أجل الكلب الأجرب". قصص تنتمي إلى خرائط جغرافية وجمالية من أنغولا والموزمبيق وغينيا بيساو والرأس الأخضر وساو تومي.
قصة "نحن من بكينا من أجل الكلب الأجرب"، للقاص الأنغولي أوندجاكي، منتقاة من مجموعته "أهل زفافي" المنشورة عام 2007، وتحكي عن حادثة قراءة قصة الكاتب لويش برناردو هونوانا من الموزمبيق، امتثالا لأمر من أستاذة مادة اللغة البرتغالية في الفصل الثامن، وعنوانها "نحن من قتل الكلب الأجرب"، إذ يتذكر الصبي السارد أنه قرأها قبل ذلك في الفصل السادس وكان انطباعه اليافع آنذاك، أنها مروية بشكل جيد، لكن هذه المرة، وبسبب التقدم في السن بعامين عن القراءة الأولى، فتأثيرها مأسوي، ولذلك أصابه الارتباك، لأن الأستاذة اختارته مع أقلية نوعية من التلاميذ كي يقرأوها بصوت مسموع، كل على حدة سيتلو جزءا، إلى أن تنتهي بالكامل، وعلى القراءة أن تكون سريعة، فيبدأ النص سلسا، شبه مستساغ، إلى أن يصلوا إلى الطفرة الدرامية، عندما يتلقى مجموعة من الأطفال في الحكاية أمرا بأن يقتلوا الكلب الأجرب رميا بالرصاص، وإثر ذلك فرح غالب الأطفال لأن أمرا يهم الكبار أنيط بهم هم الصغار، باستثناء الطفلة إزوارا، التي بادرت إلى حماية الكلب، ولكن هيهات.
هذه أول مرة سيشعر السارد الصبي بالدموع تنتابه، وبشيء ثقيل يجثم على أنفاسه، الى درجة أن من اختارتهم الأستاذة بعناية لقراءة القصة بصوت مسموع، يشبهون بصورة من الصور مجموعة الأطفال في الحكاية الذين أمروهم بقتل الكلب الأجرب.
حتى زملاؤه في الدرس ممن عرفوا بالضحك الأخرق على الآخرين، أصبحوا يشعرون بوطأة النص، وتثاقلت ألسن من أتى عليهم الدور، وبات الجميع يحدق في عيون الجميع، كما لو يحدقون في عيني الكلب الأجرب، وما يخشونه في تلك اللحظة أن ينطلق إليهم الرصاص من باب الفصل، ثم يأتي الدور على الصبي السارد كي يقرأ نهاية القصة، وهي الأشد تراجيدية. المفارقة أن من يقرأ أخيرا يعد تقديرا من الأستاذة، لكنها في الواقع لا تعي بأنها تحمل الصبي وزر عقاب فادح، حد أنه توقف وسأل عن رنين جرس الخروج، ولكن الأستاذة له بالمرصاد، وما تبقى مشهد سينمائي يصوره الصبي عن عيني الكلب الأجرب مقابل فوهة الطلقة، عن عيني الأستاذة المصوبتين في عينيه، عن عينيه المصوبتين إلى "إزوارا"، وعن عيني هذه في عيني الكلب الأجرب، ويرون الصمت المريب بعد إغلاق الكتاب، ورنين الجرس، كأنهم أطلقوا وابلا من الرصاص داخل قسم كان البكاء فيه ممنوعا أمام الآخرين.
الذاكرة المستعادة والهوية الملتبسة
بذا تحتكم القصة إلى الذاكرة المثخنة، مقتنصة لحظة طفولية بأثر غائر الصدى، لا تقف عند حدود الرصد الذاتي بعين طفل ونفسيته، بل تيمم بنظرتها ووجدانها صوب وضع إنساني مأزوم إزاء العلاقة مع كلب تعيس.
وفي هذا المنحى تمضي قصة "كانت تمطر لحسن الحظ" للقاص الأنغولي جوزيه إدواردو أغوالوزا، عن لحظة مطر هوجاء، بات الجراد يساقط من السماء إثرها، فيستفحل النمل في الانقضاض على الجرادة تلو الأخرى، وما أن يتغول النمل ينبري له رب الأسرة بأيما مبيد. ولا تنأى قصة "فاوستينو" للقاص الأنغولي جوزيه لواندينو فييرا عن هذا المناخ، برصدها حكاية عامل مصعد لبناية بثلاثة طوابق، يتكبد يوميا إزعاجا عنصريا من أطفال المبنى وأمهاتهم، وذنبه الوحيد أنه زنجي يهوى القراءة. المشترك ذاته سنلفيه في قصة "جواو العجوز" للقاص الأنغولي بيبيتيلا عن موت متسول الشارع. وأما قصة "أيادي الزنوج" للقاص لويش برناردو هونوانا من الموزمبيق، فتتعقب حكايات السؤال اللافت "لماذا أيادي الزنوج أشد نصاعة عن بقية أجسادهم؟".

