من الثورة إلى التانغو

من الثورة إلى التانغو

استمع إلى المقال دقيقة

لكل سخرية نمطها الخاص في إنتاج الموقف واجتراح المعنى، ولكل نمط خاص منها أسلوب في النظر إلى الوجود. غير أن قلائل جدا من الكتاب، من استطاعوا أن يبتكروا نسقا فنيا للسخرية بخلفية معرفية متينة وبرؤية إنسانية مهرت إنتاجهم الأدبي كمشروع أدبي شمولي.

سلافومير مروجيك القاص والمسرحي البولندي (1930–2013)، علامة راسخة من العلامات الفنية لهذه الأقلية الضارية.

تبدأ شرارة مسرحيته ذائعة الصيت "تانغو"، من فوضى هائلة لمسكن أسرة يتقصد كِلا الأبوين ستوميل وإلينورا بعثرة أثاثه كيفما اتفق، كتمرد على النظام التقليدي لترتيب البيت، انتصارا لروح جيل الثوار القدامى، فيما يقوم الابن آرثر بثورة مضادة فيتمرد على فوضى والديه محاولا إعادة ترتيب البيت انتصارا للمنطق، وأهم خطوة أن يقيم زواجا تقليديا عندما يرتبط بابنة عمّه، إذ إن الطقوس التقليدية برأيه هي القمينة بإعادة النظام والمعنى للبيت.

يتعثر مشروع آرثر أمام أب غير مبال، وأم متورطة في علاقة علنية مع رجل فظ، عديم الثقافة يدعى إيديك، بينما لا هم للجدة سوى أن تلعب الورق. يحاول آرثر فرض نظامه بالقوة، فيتصدى له البلطجي إيديك ويصرعه، ثم يستولي على البيت محاولا بدوره إخضاع الجميع له.

نواة هذه المسرحية هي قصة قصيرة، لسلافومير مروجيك، تحت عنوان "ثورة" صدرت ضمن مجموعته "الحياة الصعبة" (1964)، وقد ترجم القصة بسام حجار في مختاراته القصصية "الوقت لا ينقضي" (2007)، وهي صورة نموذجية لسرد هذا الكاتب الساخر الذي انزاح عن طرائقية فن مواطنه المسرحي والسارد فيتولد غومبروفيتش بالرغم من التقاطع الكبير بين أسلوبيهما.

يسري الملل في دم شخص من وضع غرفته اليائس، فيقرر إعادة ترتيب الأشياء فيها. بدءا بزحزحةِ السرير إلى هناك بدل أن يظل مستقرا هنا. وَسَحْبِ الخزانة التي كانت منتصبة هناك، لينُصِّبها هنا، وهكذا هزّت كيانه رعشة التجديد. لكن في غضون أيام عاوده الضجر، مكتشفا أن الطاولة في الوسط بين الخزانة والسرير هي السبب، فوضع السرير مكانها، وأبهجته لمسة التجديد تلك. بعد أيام لم تعد لمسة التجديد ذات قيمة مع السأم الذي زحف على وجوده مرة أخرى، فنقل السرير مكان الخزانة ووضع هذه الأخيرة في الوسط، وهذا ما جعله ينتشي تماما، لأن المشهد في الغرفة صار بلمسة طليعية، وبنزوع غير تقليدي. إنه تغيير جذري. ثم بدأت رعشة التغيير الجذري تفقد إثارتها، مما جعله يقدم على اتخاذ موقف ثوري هذه المرة. موقف يتجاوز بكثير كل محاولاته الطليعية السابقة، ولذلك عقد العزم على أن ينام داخل الخزانة بدل السرير، بل والنوم بوضعية الواقف. إنه النصر المظفر للتجربة الغريبة، وضريبة هذا العمل الثوري كانت فادحة مع استفحال الأرق وتفاقم أوجاع الظهر. عبثا قاوم مضاعفات التغيير المزعج، فوجد نفسه ذات ليلة يغادر الخزانة لائذا بالسرير لينام ثلاثة أيام متواصلة. فور استيقاظه، عاود ترتيب الأشياء في الغرفة بالشكل الذي كانت عليه في الأول، بشكل اعتيادي ومألوف. بعد كل ذلك، ما إن يعصف به الضجر، يتذكر الحقبة التي كان فيها ثوريا.

قصة "الثورة" مكثفة تتوجه بدعابتها القاسية من خلال رؤية خاصة لفرد، إلى المنطقة الحمراء لأسطورة التاريخ البولندي الجماعي. نظرة هزلية تعري مضاعفات قدرية الثورة وعبث الالتزام على سلوك الفرد المتشرذم والمتوحد والمنعزل. الفرد الذي يتصدى لأوهام الخارج بحقيقة ذاته الهشة. الفرد الذي يحارب داخل شرنقة اغترابه سطوة الحلم بالحلم نفسه. فالموقف الرومانسي للبطولة هنا يصطدم بالوجه العاري للواقع النقيض وموضة التباهي بديدن الجديد ويافطة التغيير وشعارية التحول الجذري وخطاب التقدمية وحماس الفعل الطلائعي وجميع أصناف التقليعات الثورية تتضارب هنا وتراث القديم بكل قوته الثابتة والمستقرة.

نظرة هزلية تعري مضاعفات قدرية الثورة وعبث الالتزام على سلوك الفرد المتشرذم والمتوحد والمنعزل

هذا الصراع الصاخب بين الماضوية الراسخة وقيم الوعي الجديد تتفاعل بشكل درامي في القصة مستبطنة نقدا لملحمة الحقبة الثورية. بنبرة الفكاهة المرّة تكشف القصة عن دوامة اغتراب السلوك الإنساني بين ضياع الفرد وإلزامية قانون الجماعة.

كذا مسرحياته، شأنها شأن قصصه القصيرة، سوداوية المنحى لا تتكلف النبرة التراجيدية لمصائر شخوصها ولا تتقصد التهكم الجاهز من رومانسية القرن العشرين، مخاطبة التناقضات الصارخة داخل فكر ووجدان اللحظة التاريخية لإنسان الثورة والتغيير، ومعرية ببسالة ثاقبة أوهام الحقائق المطلقة، مع ترجمة القلق المحتدم والألم المضطرم للمسافة المفزعة بين موقع النظرية الحالمة والفكرة الوردية وبين موقع الفعل المستعصي والتحقق المستحيل.

وبهذا تكرس نصوص مروجيك عبثية الرؤية ولا جدوى المعنى، فما يحكم العلاقات الاجتماعية محض تقاليد تقوض الحرية وما يشدو به كل فكر انتقالي طامح إلى غد أجمل يخبو ضوؤه في معترك الحياة العملية.

جابه مروجيك في نصوصه القصصية والمسرحية تقاليد الكتابة نفسها في أتون وحشية النظام السياسي الشمولي ولا معقولية الاستبداد الأيديولوجي، دونما هوادة، نافح بموقفه العبثي من الوجود المعاصر، غارزا مشارطه في جسد المعضلة، مفككا لأزمة القيم وكاشفا لصدمة المفارقات التي تعتور حياة بطل ما بعد الحرب العالمية الثانية.

font change