المغامرة اللامشروطة للخيال، هي إحدى إمكانيات الكتابة الجبارة التي تضع القدرة الإنسانية الخلاقة على حافة امتحان الواقع وحدود الاكتشاف والاختراق. ويعد الكاتب الأميركي راي برادبري (1920-2012) حالة إبداعية طارئة في القص الموسوم بنزعة الخيال العلمي خاصة والكتابة الفانتازية عامة.
شق برادبري لكتابته القصصية مسلكا مجازفا بجنوحه المدهش إلى هندسة عالم تخييلي قوامه حقائق الفيزياء والأسطورة والشعر. وهذا ما تتمثله مجموعته القصصية "التفاح الذهبي للشمس"، الصادرة عام 1953، بعد "الكرنفال المظلم" 1947، و"الرجل الموشوم" 1951. وتضم المجموعة 22 قصة قصيرة آخرها "التفاح الذهبي للشمس".
تحكي القصة بطرافة مدهشة، رحلة مركبة فضائية اسمها بروميثيوس نحو الشمس. المهمة الخطيرة والملحة كانت ملامسة الشمس وسرقة قبس منها. ومن أجل نجاح مثل هذا السفر العجيب، جهز الصاروخ بحجيرات من الجليد تشبه شتاء قطبيا، ما إن تصل درجة الحرارة إلى سبعة آلاف فهرنهايت، حتى يتمكن رواد الفضاء بالفعل من ملامسة الشمس إذ تذوب الساعات وتحرق رموش العين ويموت أحد أفراد الرحلة. بالمقابل، درجة الحرارة في الداخل كانت ألف درجة تحت الصفر، وهكذا يموت من البرد وهو من كان يخشى الموت من الحرارة. سرعان ما بدت المقاومة الجليدية إياها تتراجع بسبب الذوبان، وتتفاقم درجة الحرارة، ثم بدأ مطر حار يتساقط عليهم. وفي غمرة الكابوس والخوف من تفجر الصاروخ أمر القبطان بتجهيز القِدر التي ستمسك بها يد آلية وتذهب بها نحو كتلة النار المتوقدة في الخارج. أي الشمس. وفيما كان القبطان يوجه تلك القدر كي يختلس قبس الشمس تذكر قبل مليون سنة كيف لمع برق ورأى رجل عارٍ النار التي خلفها فيما هربت قافلته، وأمسك بها فأحرقته ثم احتفظ بها وجعلها في الكهف ليلا حيث أضاءت عتمتهم كما صيف إضافي.
يستثمر برادبري هذا الحدث الأسطوري، ويبني عليه لحظة استرجاعية تاريخية للرجل البدائي الذي اكتشف النار عبر لمعة برق ثم حملها إلى أصدقائه في الكهف
استغرق أمر سرقة الجزء الملتهب من الشمس أربع ثوان واستطاعت اليد العملاقة أن تنجز المهمة بدقة، وفكر القبطان أنهم بمثابة القافلة الثانية بعد حادثة البرق من يقبضون على نار مختلفة ويرجعون بها كما هدية إلى الأرض. فبغض الطرف عن أنها ستعوض الطاقة الذرية الهزيلة في الأرض، فالأمر كان محض لعبة ومغامرة أيضا. إنه القبس الذي سيفتح باب معرفة الكون لمدة ألف سنة قادمة وليس كمصدر طاقة وحسب. استدارت السفينة كي تقفل راجعة إلى الأرض وانتاب القبطان شعور طفل عائد من المدرسة إلى أمه محملا بالحلوى.تعالق الأسطوري والعلمي، وتزاوج الشعري والتاريخي يتحققان في القصة بشكل متوازن. فالأسطورة تلبس النص كجلد ثان، تلك المتعلقة بشخصية بروميثيوس الذي سرق النار من زيوس في الميثولوجيا الإغريقية ومنحها للإنسان كهبة مقدسة لم تعد تقتصر على الآلهة، قبس النار هذا الذي يجسد المعرفة والاكتشاف والحقيقة والإبداع والعقل، فكان عقابه من طرف زيوس أن علقه على ترقوة جبل القوقاز، وأمر نسرا بأكل كبده في كل يوم.
يستثمر برادبري هذا الحدث الأسطوري، ويبني عليه لحظة استرجاعية تاريخية للرجل البدائي الذي اكتشف النار عبر لمعة برق ثم حملها إلى أصدقائه في الكهف ليلا كي يهديهم صيفا. وبالاستناد إلى هذه اللحظة البدائية يشيد اللحظة الموالية المغامرة للصاروخ الذاهب صوب الشمس من أجل سرقة قبس منها على غرار بروميثيوس كي يهدي البشرية، طاقة جديدة ستفتح طورا أكثر حداثة، قابلا لاكتشاف حقائق مجهولة لمدة ألف سنة أخرى.
وفيرة هي الكتابات التي وظفت أسطورة بروميثيوس، في طليعتها المسرحي الكلاسيكي الإغريقي أسخيلوس، وقد تحولت الشخصية عبر انزياحات نصوص معاصرة، واضطلعت بحمولة شعرية أيضا، حيث صار يرمز للشاعر بسارق النار. القصة أعلاه تعي هذه الخلفية الشعرية تماما، وتستولد من ثقلها الإيحائي موضوعها المركزي الخلاق، وصورها السردية البديعة بدءا من العنوان المأخوذ عن قصيدة لويليام بتلر ييتس، ثم القصدية الاستعارية من استرجاع شكسبير ورامبو في أحد مقاطع النص المفخخ.
براعة القصة لا تكمن فقط في غرابة فكرتها الحاذقة وعجائبية تخييلها، بل تتعزز من خلال طريقة سبكها الحكائي وحبكها السردي المتمرس.
زحزح برادبري جنس القصة القصيرة وخاض بها معترك الموضوعات الكونية الكبرى لمجهولية العالم
أحد وجوه هذه البراعة تكشف عنها المفاصل الثلاثة للحكي، عندما يقوم القبطان بثلاثة استرجاعات طفولية، تجسد المنعطفات أو التخلص النبيه من وحدة سردية إلى أخرى (استرجاع ذوبان الدلايات الشتائية بالربيع، واسترجاع ما قبل مليون سنة لاكتشاف الرجل البدائي للنار، ثم الرجوع مجددا إلى الطفولة عندما يشعر في آخر الحكاية بأنه طفل مبتهج يحمل حلوى إلى أمه).زحزح برادبري جنس القصة القصيرة وخاض بها معترك الموضوعات الكونية الكبرى لمجهولية العالم، وغرائبية الفضاء، ولغزية الحقائق اللامألوفة الكامنة وراء واقع البشر المزيف.