"أتمنى أن ينظر القارئ إلى هذا الكتاب بوصفه مزحة كبيرة، مزحة تقع في 500 صفحة"، هكذا أفصح الكاتب الكوبي غيرمو كابريرا إنفانته في حديثه عن روايته "ثلاثة نمور حزينة" (الصادرة عن دار المدى 2020، ترجمة بسام البزاز)، كيف لا والكتابة في عقيدته الفنية مجرد لعب خالص، وهذا ما يبدأه من مكر العنوان ذاته، "ثلاثة نمور حزينة" الذي يوجزه في ثلاثة حروف "TTT" استنادا إلى صيغته اللاتينية "Tres Tristes Tigers"، وطرافة اختيار العنوان ذاته للرواية استغرق ثلاث محاولات بتفاوت زمني مفارق، أو ثلاث تجارب بالأحرى عسيرة، قبل أن يستقر على ما هو عليه، ففي عام 1964 نشر الرواية بعنوان "مشهد الفجر في المنطقة المدارية"، ومع منعها هاجر كابريرا إنفانتي إلى منفاه البريطاني بعد استقالته من عمله الدبلوماسي في بلجيكا، وأعاد كتابتها بصيغة مغايرة، وغير عنوانها مؤقتا إلى "كانت تغني البوليرو"، وفي الخطوة الثالثة، تمرد على هذا العنوان واصطفى لها "الليل حفرة بلا حافة"، وانقلب عليه أخيرا، ليقتنع بعنوان "ثلاثة نمور حزينة" إذ نشرت عام 1967، بعد كتابة معادة بشكل جذري.
مع أن الرواية تستهل محكيها الهذياني بمقدمة، وتنهيه بخاتمة، إلا أن المتن بين الحدين، لا يخضع لخطة أفقية، إنه مراوغ، أفعواني، يتقصد خلط أوراق اللعبة، ويمعن في الانفلات عن القبض تحت أي سقف أجناسي.
كل شيء يبدأ كمسرحية فجأة في ملهى تروبيكانا، حيث يعلن عراب الحفلة عن عمل ضخم سيشهده الفضاء الصاخب تحت عنوان الذهاب إلى البرازيل، وما يعنيه أن يؤدي أغنية "برازيل" لكارمن ميراندا وجو كاريوكا، ثم يشرع في تقديم الضيوف مع عناصر فرقته وبعدها تتشظى الرواية، عبر 11 مشهدا، تسعة منها تليها الفصول الثمانية الموسومة بـ"كانت تغني بوليرو"، مع تقطيع نصي حلزوني مرقم بأعداد رومانية يبدأ من 1 وينتهي بـ22، وعلى طول ثماني وحدات سردية كبرى يجنح كابريرا إلى المناورات الحكائية، المداورات والاستطرادات ثم الصوامت والمحذوفات، مع اعتماد التعقيبات المتماوجة بين الإضاءة والتعتيم.
هي رواية ضد الرواية، عن ليل كوبا الصاخب، وهي تتألق عبر جوقة أصوات احتفالية، ينتصر فيها الكاتب للمحكي الشفاهي، للتعدد اللساني الكوبي، ملء إيقاع لهجاته اليومي، فضلا عن الإسبانية الكوبية الفصيحة، ولذا عدت كتابا سرديا متفردا في التجريب اللغوي، في مهب مغامرة النمور الثلاثة، المفتونين بلعبة الكلمات إسوة بالدرس الديونيزوسي الذي تلقته الشخصيات من غريب الأطوار بوستروفيدون المغرم بسحرية اللغة ومقالبها اللامحدودة، وأولهم سلفستري الكاتب الطموح المهووس بالسينما، والممثل والمثقف الفوضوي أرسينو كوي، وكولاك المصور الذي يجوب الملاهي لتصوير نجوم الفن، وإريبو عازف البونغو، فضلا عن النجمة الخلاسية السمراء إستريا رودريغيث مغنية البوليرو.
"إن نثره يعد واحدا من أكثر الإبداعات فرادة وغرابة في لغتنا، إنه نثر استعراضي، مترف، موسيقي"، كتب فارغاس يوسا عن كابريرا إنفانته وأضاف: "حتى إن القارئ وقد أصابه الدوار، وانشطر انتباهه، واستغرقه الجنون اللفظي، ينسى في كثير من الأحيان ما يروى، وكأن ثراء الشكل الخالص يجعل المضمون مجرد ذريعة أو حادثا عرضيا يمكن الاستغناء عنه".
ولأنها رواية ترصد تسكع ثلاث شخصيات في حانات ليل هافانا، وترسم خرائط كوبا عشية الثورة الكوبية، فقد وصمها النقد الرسمي بالخيانة، بأنها عمل مضاد للثورة بالذات، فتعرض صاحبها إثر ذلك للطرد من اتحاد الكتاب، والنفي فوق ذلك.
رواية ضد الرواية، عن ليل كوبا الصاخب، وهي تتألق عبر جوقة أصوات احتفالية، ينتصر فيها الكاتب للمحكي الشفاهي
لا ريب أن البطولة الحقيقية في الرواية هي اللغة (اللعب اللغوي بالأحرى) من جهة، وليل هافانا من جهة ثانية، ولأن الأمر يتعلق بمحفل رقصة كبرى، لليل ضالع في المغامرة والأحلام والمتعة والهذيان، فالموسيقى هي ما تحاول الرواية أن تتماهى معه في إيقاع ضمني، بالموازاة هي رواية تحتفي بالأدب وهي تحشد الكثير من الأسماء الفذة في تاريخ السرد والفكر والشعر، كلورنس ستيرن وجيمس جويس وهوميروس ودانتي وشكسبير ولويس كارول وهمنغواي ونيتشه وجول فيرن وميلفيل... وبالمقدار نفسه تحتفي "ثلاثة نمور حزينة" بالسينما، ألفريد هيتشكوك مثلا، وفي اعتمادها لحوار يمتح إشراقاته من تراث الأفلام، وتوظيف تقنيات المونتاج يلمع الوجه السينمائي لكابريرا إنفانته الذي احترف النقد السينمائي الصحافي وقد أصدر كتابا يضم مقالاته كما كان مؤسسا للسينماتيك الكوبي ورئيسا له حتى عام 1956، بل إن كتابته لرواية "ثلاثة نمور حزينة" جاءت بعد ثلاث حوادث مأساوية:
أولها، منع الفيلم الوثائقي "P.M" الذي أنجزه أورلاندو خيمينيث ليال وألبرتو سابا شقيق الكاتب وهو مصور الحياة الليلية في هافانا، وثانيها، إغلاق الملحق الثقافي "اثنين الثورة" الذي كان يترأسه 1961، وثالثها، وفاة مغنية البوليرو الكوبية الشابة فريديسفيندا غارسيا فالديس التي استوحى منها شخصية النجمة إستريا، وهذا ما يفسر الرقم الثلاثي في العنوان، الذي يتردد صداه في غابة ليل الرواية.