صدرت رواية "ثيلستينو قبل الفجر" للكاتب الكوبي رينالدو أريناس عام 1965، ثم صدرت بعنوان ثان هو "الغناء من البئر" في طبعتها المنقحة عام 1982، وقد ترجمها إلى العربية سعيد بنعبد الواحد، عن "صفحة 7" بالسعودية 2020.
"الغناء من البئر" هي العمل الأول ضمن خماسية، خصيصتها المركزية الطفولة الريفية، تليها رواية "قصر الظرابين الناصعة البياض" 1982، التي ترصد مراهقة الشاعر في حقبة ديكتاتورية باتيستا، وتعقبها رواية "البحر مرّة أخرى" 1982، الراصدة لمضاعفات الثورة الكوبية من 1958 إلى 1970، وتردفها رواية "لون الصيف" 1991، المستوعبة لأصداء الصخب الجماهيري، حينما احتل الشباب عدة سفارات أجنبية مع تفكك جزيرة كوبا على ساحل الكاريبي، ثم رواية "الهجوم" 1991، وهي محض حكاية أسطورية حول مستقبل البشرية.
حظيت رواية "الغناء من البئر" بتنويه في المسابقة الوطنية الكوبية من لدن لجنة تحكيم ترأسها أليخو كاربنتيير إلى جانب خوسيه ليزاما ليما، وأشاد بيانها النقدي بابتكارها الشكلي، ودقة تصويرها لطفولة مصدومة، متأرجحة بين ما هو سيرة ذاتية وشعر احتجاجي، فضلا عن دفاعها عن الخيال في مواجهة السلطة. نفدت الطبعة الكوبية في أسبوع واحد، وتعرضت للمنع، وقد عُدّت عملا سرديا في الدفاع عن الحرية في عالم مهدّد بالوحشية، والاضطهاد والجهل بحسب تصدير مؤلِّفها نفسه.
تستهل الرواية محكيها بهرولة الأم من المنزل وهي تصيح في جنون بأنها ستلقي نفسها في البئر، وعندما يدركها الصبي مطلا على قرارة البئر، لا يرى إلا وجهه منعكسا على صفحة المياه، وقد تعوّد منها هذا الأمر الأخرق، مكررا حدّ الملل.
على هذا النحو يحكي الصبي طفولته في ظل قسوة أمه، الطفولة المفخخة بالعظاءات حد أن فصيلة منها برأسين، وفي الآن ذاته، تنتصب جدته في منعطفات الحكي كسيدة لئيمة، لا يمكن المجازفة معها، حين يقرر الصبي أن يفقأ عينيها بعمود صليب، وتفطن لأمره المبين، فتهدّده بما هو أفدح.
البيت في نظر الصبي محض جحيم، إذ لا حديث سوى عن الموت، ولكن انشطار الرواية سيبدأ ما إن يعلن ثيليستينو كتابة الشعر، دون توقف يكتب أشعاره على أغلفة كراسات الجد الخاصة بتواريخ حمل البقرات، وعلى أوراق الصبار، وعلى شرائح نخل الزيت، وحين يستهلك كل ذلك، ينتقل للكتابة على جذوع الأشجار.
بالمقابل، سيكون رد فعل الأم بشعا حين ستلقي بنفسها فعلا هذه المرة إلى قعر البئر، وهي تشجب كتابة ثيلستينو للشعر، أكثر من ذلك تتهمه بالشذوذ، وتفضل الموت على أن يكون لها ابن كهذا، ولأن الأم بدينة ارتفعت مياه البئر بعد أن تلقت جثمانها الضخم، ولأول مرة سيغسل الصبي يديه في المياه وقد بلغت صفحتها مدار الفوهة، من فوق، بل عبّ منها دونما انحناء، وأمام تعنيف الجد في مناخ يعتوره التضييق، لا يشغل الصبي سوى إحراق البيت.
تُناغِم الرواية بين السيرة الذاتية والشعر، في نزوع للتجريب اللغوي، ذات بنية انشطارية، ترصد نمط الحياة في الريف الكوبي، من خلال عين طفل، يعاني اختناقا أسريا من طرف أمه وجدّيه، فيضطر إلى اختلاق شخصية ثيليستينو، ابن عمه الشاعر، كقرين شعري، أو معادل موضوعي للخيال المتداعي، وللحرية الفنية، والتمرد.
في تشظي الرواية ما يتماهى مع اختيارها اللاتقليدي، باعتمادها خطة سردية غير أفقية، إذ التفكك نفسه يتطابق مع التمرد السياسي والفني في آن. لا يرى الطفل في العالم بعين قريته إلا وجودا عدائيا، مختلا، يدمر فيه الكبار كل ما يعجزون عن فهمه، فمن جهة أولى يسود واقع عنيف بسبب الفقر، ومن جهة ثانية الملاذ هو الخيال الشعري الذي يمثله ثليستينو.
رواية احتجاجية ذات شعرية دامغة حدّ أن كاتبا مرموقا من وزن كارلوس فوينتس عدّها واحدة من أجمل الروايات عن الطفولة والمراهقة والحياة
في هذا المناخ السوداوي من الرعب اليومي، لا يلطف من القسوة إلا الطبيعة، بملء أشجارها، حيواناتها، لدرجة تكاد تتحول إلى شخصيات فاعلة، تضاعف من حلمية الواقع أو اضطرابه، ولا استقراره. وهو نفسه الاضطراب الذي تخلقه الرواية من خلال انتقال السرد بين ضمير المتكلم، والمخاطب، والغائب، وهو جانب بكر من التجريب الذي سيترسخ مع الطفرة السردية اللاتينية اللاحقة.
"الغناء من البئر" رواية مونولوغ، ذات إيقاع داخلي، منشطر نفسيا، يتداعى بحوارات طارئة، مع تكرارات شعرية متعمدة، وانزياحات هذيانية. تنتصب البئر في خلفية الرواية كرمز، ففيما يطل الطفل على قرارتها باستمرار، إذ يركض خلف أمه التي تهدد بإلقاء نفسها هناك، إنما يطل على قرارة نفسه، لاوعيه بالأحرى، وهي في الآن ذاته بوابته الخيالية، مرآته الحلمية، ملاذ عبوره من واقع مادي سوداوي إلى عالم افتراضي، شعري.
البئر هي الهوية الريفية المتشظية لواقع هؤلاء على نحو خاص