لم يمهل سيناريو الحرب النازية الشائنة، حياة الكاتب الألماني فولفغانغ بورشرت (1921-1947)، كي يقول الكثير كميا، وبالقليل القليل من النصوص استطاع أن يقول نوعيا ما هو جوهري.
فلم يتجاوز فولفغانغ بورشرت، السادسة والعشرين، ودخل السجن منذ أن كان عمره في الثامنة عشر، وحكم عليه بالإعدام أكثر من مرة، ولم يقدر له أن يتفرغ لكتابته إلا بسن الرابعة والعشرين، عشية نهاية الحرب اللعينة، وكان أمامه حيز ضئيل من الوقت للإبداع، مجابها شبح المرض الذي اكتسح جسده النحيف، جراء ويلات تجربة الحرب والجوع والسجن.
مثّل فولفغانغ بورشرت وكتب الشعر والمسرح بالإضافة إلى القصة القصيرة.
قصص فولفغانغ بورشرت، وثائق صغيرة ذات قوة استعارية عن كارثة الحرب، وتداعيات جنونها المقيت. فهي التقاطات فوارة من داخل اللحظة المتوترة، تفضح وحشية السلطة، وتندد بالوضع المسعور لأوهام القوة وجنون العظمة وترسم البشاعة الإنسانية بأمانة الدقة ونبض الموقف وروح اللقطة.
تحكي قصة "ساعة المطبخ"، بصورة حية، عن بشاعة الحرب، عبر خطاب استعاري مثير، محبوك حول رمز قوي هو ساعة المطبخ التي تبقت من منزل تعرض لهجوم بقنابل أمطرتها طائرات من فوق. يمسك فتى العشرين بالساعة ويعرضها على شخوص جالسين، وقد بدا لهم بسحنة كهلة كأنما لشيخ في أرذل العمر، وفي ابتهاج قدمها إليهم، مداعبا أرقامها الزرقاء، وأجمعوا على أن لا قيمة لها، مجرد ساعة حائط، معطلة ومتوقفة عن الدوران.
يثير انتباههم إلى أنها متوقفة عند الثانية والنصف، وهو وقت مفارقة عند الفتى، وقت استثنائي بالأحرى عندما كان فيما مضى يدخل البيت متأخرا، في كل ليلة، بذلك الوقت الراسخ بالذات، ويتجه صوب المطبخ من فرط جوعه، وهناك يجدها بانتظاره، امرأة تسارع إلى المطبخ في التوقيت ذاته، مخاطبة إياه "جئت متأخرا ثانية"، ولا تنبس بغير ذلك وتسارع كي تعد له طبق الطعام، وفي الآن نفسه تشعل له مصباحا، فتظل تراقبه وهو يأكل، واقفة على إحدى قدميها الحافيتين، ثم عندما ينهي طعامه ويأوي إلى فراشه، يسمع طقطقة غسلها للأطباق، وهكذا دواليك في كل ليلة.
تلك المرأة كانت أمه، وقد شاءت المصادفة أن تقف العقارب عند اللحظة التي تذكره بموقفها النبيل، الضالع في الحنان والكرم، كل ليلة من ليالي تأخره المتكرر وجوعه المبين، ولأن الساعة هي ما تبقى من ذاكرة البيت المخرب، فهي شيء لا يقدر بثمن عنده، طبعا لأنها تذكره باللحظة التي يصفها بالفردوس، لحظة العناية الفائقة لوالدته مفرطة الاهتمام والحرص.
القصة مكثفة بشكل يعكس إيقاع الصراع مع الموت، ومع لحظة الانطفاء، مكثفة على نحو ملتحم بضآلة الحيز الزمني الذي تنكتب فيه، ولذلك فعليها أن لا تهدر أي بارقة من هذا النفس الصغير، فتنزاح عن زوائد اللغة وعن بذخ المخيلة، بينما تشحذ قوتها في الجوهري اللاغنى عن قوله دونما بلاغة انتهازية أو بكائية تستهدف انتزاع التعاطف وتوسل الصدمة، بل تقوله بتوتر أمين لا يسلك مسالك الخبرية الفجة والتقرير الصحافي، برغم إكراه الشرط التاريخي، في مناخ الحرب الهمجية المستفحلة.
أن تشاء المصادفة توقف الساعة عند الثانية والنصف، وهو توقيت القصف العنيف الماحق، وفي الآن ذاته توقيت العودة للمنزل، فهذا بالمقابل يعني أن حياة البطل ألمّ بها خطب التوقف الفادح أيضا، لأنها اللحظة الفارقة، الطاعنة في الألم، بملء عاطفيتها المحتدمة، وهي اللحظة الهاربة التي يصفها مجازيا بالفردوس المفقود.
في الفقدان المزمن ما يجعل القصة ذات تبئير نفسي غائر، بينما تجنح بالتوازي صوب الحنين الجارف.
لأن الساعة هي ما تبقى من ذاكرة البيت المخرب، فهي شيء لا يقدر بثمن عنده، طبعا لأنها تذكره باللحظة التي يصفها بالفردوس
لا قصة قصيرة تتمثل ما يسمى بأدب الأنقاض، بحسب توصيف أدب ما بعد الحرب، أبدع وأعمق من قصة ساعة المطبخ هذه في منجز الكاتب بورشرت، إذ في سديم هذا الخراب العميم، يسعى إلى التقاط غبار الإنسانية المفجوعة، الإنسانية المصابة بداء الانحطاط المستشري، أمام امتحان حرب همجية غير مسبوقة في تاريخ القتل والدم.
هي صورة موجزة للمأساة والخراب في أفدح أشكاله، تلتقطها عين القصة على نحو رمزي، متقشف لغويا، بالنظر إلى الساعة المتوقفة كجزئية بسيطة فيما يبدو علنا، لكن المضمر يحول بساطتها إلى عمق كوني، فنيا وإنسانيا.
وبذا فقصة ساعة المطبخ تتقدم في صيغة قصاصة حرب، غير أنها لا تتنازل عن تدبيرها الفني النوعي، عن شحذ أسلوبها اللاذع، انتصارا لجمالية منجزها، وأبعاد رمزيتها.
إنه درس التكثيف المضاعف، وبلاغة الواقع الضاري في قبحه المفرط، واقع مأساوي تقوله الكلمة بقدر قليل من الوصف وأثر غائر من العمق الذي يتوارى خلفه.
"جئت متأخرا ثانية" تقول الأم لابنها في قصة ساعة المطبخ التي تذكرنا بقصة بديعة له تحت عنوان "الخبز".
"جئت متقدما عن وقتك"، نقول بلسان القصة القصيرة لفولفغانغ بورشرت الذي خلد بقصاصاته الرفيعة، جرائم آلة الشر ومضاعفات بطشها الوخيمة على الوجود الإنساني المنشطر.
"ساعة المطبخ" تمثل جماليات قصص بورشرب الشبيهة ببرقيات، تنقشع كفراشات بيضاء مارقة في سواد الجحيم النازي.