إذا ما ذكر الشاعر الإيطالي دانتي أليغري سينمائيا، فغالبا تطفو على السطح، أفلام روائية ووثائقية، أُنجزت في بدايات القرن العشرين، في طليعتها فيلم "الجحيم"، الصادر عام 1911، وهو محض اقتباس من كتابه الشعري الذائع الشهرة، "الكوميديا الإلهية"، للمخرجين فرانشيسكو بيرتوليني وجوزيبي دي ليغورو وأدولفو بادوفان، إذ يحتفي به كملحمة سينمائية في العصر الذهبي للأفلام الصامتة، بالنظر إلى الشاعر كأب للغة الإيطالية أسبغ معنى على هوية حضارية مشتركة، وضاعف قيمة الحس الوطني لهذه الفترة القلقة من تاريخ إيطاليا.
وهناك أيضا فيلم "دانتي في حياته وأزمنته" عام 1922، للمخرج دومينيكو جيوليوني، وفيلم "جحيم دانتي"، عام 1924، من إخراج هنري أوتو. ولا يزاحم فيلم "الجحيم" شهرة للثلاثي فرانشيسكو بيرتوليني وجوزيبي دي ليغورو وأدولفو بادوفان، في بلاغة الأثر البصري، بعد مرور 24 سنة، إلا الفيلم القصير، "جحيم دانتي" عام 1935، للمخرج هاري لاكمان، البديع في إخراجه الجمالي، خاصة مشهد تصوير الجحيم المبهر، الأقرب إلى لوحة تشكيلية فاتنة، ويستغرق محكيه في ملهى يتناغم مع السقوط الأخلاقي في جحيم الكوميديا الإلهية.
وهلمّ اقتباسات سينمائية، حديثا، مع الفيلم الكرتوني "جحيم دانتي" 2007 من إخراج شون ميريديت، والفيلم الوثائقي "جحيم بوتيتشيلي" 2016 من إخراج رالف لوب.، وصولا إلى الفيلم المريب "في يد دانتي" 2025 للمخرج جوليان شنابل، الذي عرض في مهرجان البندقية 82 خارج المسابقة، بالتزامن مع تكريم شنابل بجائزة كارتييه الفخرية لصانع الأفلام.
تجريب مفرط
يخالف هذا الاقتباس الأخير جذريا ما سبق من أفلام في الاشتغال على تخييل "الكوميديا الإلهية"، وشخصية دانتي، بشكل تجريبي مغاير، حد الإفراط في التدبير المغامر لسرده البصري، المتعدد التقنيات وطرائق الحكي المتشعب، فيبدو علنا فوضويا، لكن في عمقه ينزع إلى تقاطع فني خلاق، محكم النسق.
استند شنابل، المخرج والفنان التشكيلي، الذي سبق أن أنجز "على باب الأبد" عن فان غوغ، في مغامرة فيلمه إلى رواية نيك توشيز، "في يد دانتي"، الصادرة عام 2002، المنصرف في عمله هذا إلى إرث الكوميديا الإلهية، في إثر سرقة مخطوطتها، وشقاء التحقق من أصالتها، بسلبها أولا من قبضة حراسها، وفي الآن ذاته، يسرد الفيلم وقائع نفي دانتي، وفي عزلته يرصد مناخ إبداعه للكوميديا إياها.
ينسج الفيلم نسيجه المعقد، من خيطين، الأول معاصر، والثاني ماضوي، تاريخي، ففي الخط الأول، نتعقب الكاتب نيك توشيز في متاهة التحقق من أصالة المخطوطة، وهو ينزلق إلى فخ عالم أسود، ملؤه العنف وبشاعة الجريمة، وفي الخط الثاني نتعقب شخصية دانتي مستغرقا في رحلته الفنية والروحية، مسكونا بقلق أثره الشعري الخالد، الكوميديا.



