في 10 يناير/كانون الثاني 1982، ألقى غابرييل غارسيا ماركيز كلمة، في عشاء احتفالي، أقامته العائلة الملكية السويدية في القاعة الزرقاء، على شرف فوزه بجائزة نوبل، تحت عنوان "نخب الشعر"، أعرب فيها عن امتنانه العظيم للشعر. فلولا الشعر، والشعر لا غير، ما كان لينال تقدير الجائزة وشرفها، بحسب اعترافه.
وفي تمجيده للشعر دائما، خص ثلاثة شعراء، بمديح خاص، كأفضل من يتمثل كونيته، وهم بالتعاقب: هوميروس، دانتي أليغري، بابلو نيرودا.
الشعر، وفق ماركيز، هذه الطاقة السرية للحياة اليومية، التي تطهو الحمص في المطبخ، وتنقل عدوى الحب، وتكرر الصور في المرايا.
والشعر كان على الدوام، ما يستحضره صاحب "مائة عام من العزلة"، في كل سطر يكتبه، بكثير أو قليل من التوفيق، محاولا أن يترك في كل كلمة شهادة عن إيمانه، بقدراته التنبؤية، وانتصاره في مجابهة سلطة الموت الصماء. ثم يختم كلمته المسنونة، بعبارة: "من أجل هذا أدعوكم جميعا لرفع نخب على شرف ما قال شاعر عظيم من القارة الأميركية، لويس كاردوثا آي أراغون، إنه الدليل الوحيد الملموس على وجود الإنسان: الشعر".
كلمة "نخب الشعر" هذه التي ارتجلها، سيقر غارسيا ماركيز فيما بعد، بأنه كتبها سريعا تحت الطلب من مؤسسة نوبل، بالتعاون مع الشاعر ألبارو موتيس، كما جاء في مقاله "حسن الحظ بعدم الوقوف في الدور".
قلة من المهتمين بمجرة غارسيا ماركيز الإبداعية، من اكتشفوه شاعرا فعلا، ليس في نثره كما هو مشاع، ولكن في قصائد معدودة بأصابع اليد العشرة، احتفظ بها أرشيفه، هذه عناوينها بالتواتر: السفر، موت الوردة، سونيتة شبه ملحة في ليلة سيرنادات، سونيتة صباحية لطالبة خفيفة الوزن، أغنية، قصيدة من قوقعة، دراما في ثلاثة فصول، مرثية إلى ماريسيلا: الجغرافيا السماوية، الوجود الثالث للحب، لو كنت أعلم.
المشترك بين هذه القصائد اليافعة، ضلوعها في الحب والصداقة، في تماه شعري ورمزي حول المرأة، مع سطوة هاجس الموت، واهتراء الذاكرة، وانفلات الزمن أو تبخره. الحب كطيف، في حالة اضطراب، محكوم بالهشاشة، باللامتوقع، وكذلك الحب في ذمة الزوال، مقابل حتمية انطفاء الجمال، مع استفحال الوحدة، الذي لا يلطف من سعيرها سوى عزاء الطبيعة.
في قصيدة "موت الوردة" يوجز ماركيز النعي صائحا:
كان أجدر بها
أن تكون خالدة كالدالية
أو فكرة قمرية
كغصن الأكاسيا.
وبمثل هذه الشذرات يسود شعره بمرثيات بكر، كأنما وعيه الجنيني انفتح بدهاء على ما تنتزعه حتمية الموت من رصيد البهاء ورقّة الجمال، في سعي ميؤوس من الخلود.
لا بد من تحيين الفترة التي كتبت فيها القصائد، بين عامي 1944 و1947، كمغامرة استكشافية للغة، وتخييل التجربة الذاتية، لذا فهي تتأرجح بين نزوع التقليد وهوية الفتى الضائعة أو هيمان الشاب الضال، فغارسيا ماركيز كان متأثرا في بدايته الشعرية بجماعة "بيديرا إي ثييلو" أي "حجر وسماء"، وهي نزعة شعرية مفرطة في الرومانسية، فضلا عن انحيازها إلى الجماليات الكلاسيكية.
قلة من المهتمين بمجرة غارسيا ماركيز الإبداعية، من اكتشفوه شاعرا فعلا، ليس في نثره كما هو مشاع، ولكن في قصائد معدودة بأصابع اليد العشرة
قياسا إلى ذلك، فتنت قصائده بالوزن التقليدي، في انضباط صارم إلى سونيتات تتناغم مع التراث الشعري لما سمي العصر الذهبي الإسباني، وكانت محض تمارين مدرسية ستؤسس لما سيأتي من تحولات فنية.
في نزوعه الرومانسي والوجودي معا، جنح غارسيا إلى الشعر في بداياته، لكي يصنع صوتا خاصا، لغة مفردة، إضافة إلى خلاص ذاتي، من أجل التلطيف من حدة الاغتراب، لشاب لفظه جحيم أراكاتاكا صوب جليد بوغوتا، وهذا ما تحيل عليه استعارات المطر والغياب والضباب المتكررة في نصوصه الشعرية، إذ هي حالات نفسية محتدمة أكثر منها ظواهر طبيعية.
سينسلخ غارسيا ماركيز عن إلزامية الوزن والقافية في قصيدة "موت الوردة"، في اختيار أكثر حرية، يستوعب عوالمه الرمزية والسحرية في آن.
بدأ غارسيا ماركيز شاعرا غنائيا في أراكاتاكا، في مقتبل مغامراته كصبي شقي في بارانكيا، وكمراهق مولع في بوغوتا، دون أن ننسى أن والده كان شاعرا هاويا، يدبج غنائيات المناسبات العائلية والوطنية، مبتكرا "الديسيمات" أي القصائد عشرية الأبيات، فضلا عن تأثير جدته، ترانكيلينا إيغواران، في تعميق علاقته بما أطلق عليه توصيف "الأرواح المراوغة للشعر".
وللإنصاف النقدي، هي محض فورة بدايات، لاشتعال لغته، ولا يمكن الإرتهان إليها كمنجز شعري إلا من زاوية قيمتها كمختبر سري جرب فيه أدواته المجازية، كعتبة لعبور أدهى، أعمق، إلى بيت أساطيره الخاصة.
وأما ما نسب إليه من قصائد أخرى، فقد تصدى له النقد، ضد التزييف، وانتصارا لأخلاقيات الأثر الفني، ذي العلامة الجمالية المسجلة.
شيء آخر نسب إليه، وجبت الإشارة إليه هو أن غارسيا ماركيز كتب بعض القصائد في الأربعينات باسم مستعار، هو خافيير غارسيس على سبيل الدعابة، قبل أن يتحول جذريا نحو النثر، صوب السرد، قصة قصيرة ورواية.
في حوار تلفزيوني في تشيلي، جمعه مع بابلو نيرودا عام 1971، أفصح غارسيا ماركيز: "لدي نزعة لتحويل الروايات إلى شعر"، وعن روايته "خريف البطريريك" صرح بأن طموحه في هذا الامتحان السردي، كان إيجاد حلول شعرية أكثر منها سردية.
ختاما، نورد النص الكامل لإحدى قصائده.
مرثية إلى ماريسيلا: الجغرافيا السماوية
لم تمت... بل شرعت
في رحلة مع الغروب
زرقة تلو أخرى
من سماء إلى سماء.
عند الثالثة
ستلقى القديس إيسيدرو
يحرث السماء
بثوريه الوديعين
ويزرع النجوم.
- يا رب، أين الطريق إلى الفردوس؟
- اصعد درب التبانة
ستدلك الدبة الصغرى
وعند المساء
سيعلق ملاك القمر
على مشجب الغروب.
ماتت مارسيلا
لكن زنبقة ما تزال.