تتبوأ "تماوايت" أو "الماية" طليعة الأغاني في أطلس الموسيقى الأمازيغية، إذ لا تستقيم مجمل القطع الفنية بدونها، وقد اختصت بها الأصوات النسائية والرجالية على حد سواء، غير أن من خلدها أكثر من الجنسين، هن من نون النسوة، بتعداد كلاسيكي لا يتخطى العشرة أصابع، ولكن عن جدارة.
ويعود سفر تكوين الماية في أغنية الأطلس المتوسط، لطقوس يشتبك فيها نمط الحياة الزراعي والرعوي في آن، بمناخات اجتماعية وسياسية وعاطفية.
ففي المقام الأول، كانت الماية أسلوبا للتواصل عن بُعد، ذات محمولات تستهدف الوصل بين حبيبين عن بُعد سحيق، ينبري فيها العاشق لموال من ضفة سامقة، يكون بمثابة شفرة طاعنة في الوجدان، وتتداعى له العاشقة برد مثخن من ضفة أخرى، تضاعف من لغزية متنه المجازي، حتى لا يفهم فحوى الرسالة إلا هما.
وعلى هذا النحو اعتُمدتْ الماية أيام النزاعات المحلية بين القبائل، وأيام المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي، واستمرت في وجودها الصامد ليتغنى بها الحصادون في مختتم الموسم الزراعي، في البيادر، أو في الأعراس ضمن ملاحم رقصات أحيدوس، قبل أن تنتقل إلى الأغنية الأمازيغية بشكل رسمي.
ولأن نمط الشفاهية مما دمغ هذه الذاكرة، فلا تحتفظ المفكرة الجمعية بأي تدوين رسمي أو تسجيل نوعي بالأحرى، إلا فيما ندر، وهي محض أصوات نسائية تعود بداياتها إلى خمسينات القرن الماضي، وفي المقدمة يسمق صوت الراحلة، الفنانة يامنة نعزيز 1930/2006، من قرية تفرسيت، في أعالي زيان، ينز صوتها بمياه الأنهار الرقطاء، ويضيء مثل زمرد، أو يزحف أخضر كاسحا مثل غابة بلوط.
في مايتها البكر، المسجلة في الستينات، تصدح عقيرة يامنة:
لأبكين، ولتبك يا حبيبي في آن... دعنا مثل طائرين نشدو لبعض
نشدو لبعضنا، أن صح بي... يا يعقوب، وأجيبك يا إسحاق
نموذج لبكائية وجدانية، تستعير لغة الطير من أجل التواصل، إذ الخطاب هنا مشفر على نحو لا يفهمه إلا هما، هي ومخاطبها، تحاشيا لعواقب الرقابة الوخيمة، وأما تأويل البكاء في البيتين، فليس من فراق أبدي على ما يبدو معلنا، بل من فرط حنين مسكون بهاجس عناق قريب، على نحو مضمر.
والأحرى أن بلاغتها كامنة في استنادها إلى حكاية الشنآن التي طالت علاقة الشقيقين يعقوب وعيسو، بعد أن نقم عليه هذا، بسبب احتياله على أبيهما إسحاق، بغية نيل البركة والبكورية، وحينما انكشف فر يعقوب إلى خاله 12 سنة.
ومنذ أواخر الستينات وبداية السبعينات، شهدت آلية تسجيل الأصوات الغنائية وتدوينها طفرة، قطعت مع طور الشفاهية، وطفا على سطح البحيرة الغنائية، اسم فاتن، جارف، وعتيد، صاحبته هي الفنانة حادة أوعكي المولودة عام 1953 في بلدة آيت إسحاق. محض صوت حاد على مقاس اسمها، وقد تمردت على زواج قسري وهي بعد قاصر في سن 14، وشرعت في الغناء ابتداء من سن 16، وتدرجت سيرتها الموسيقية الرفيعة، منذ إشراقتها مع الفنان بناصر أوخويا، لتحترف الغناء ضمن مجموعته، وهو البديع شعرا وصوتا رخيم الشجو. وقد انزاحت حادة أوعكي بالأغنية الأمازيغية صوب خرائط جديدة، إذ تحسب لها فضيلة التأصيل من جهة، ومفازة التجديد في آن، ضمن مشروع موسيقي حداثي، ميسمه الجسارة والجرأة، وخرق المسكوت عنه، ولذوعية نقد المنظومة الاجتماعية الآسنة، وفتح الوجدانيات على مصراعيها، دون السهو عما هو وجودي أيضا.
ومن بديع ماياتها الشواهق، المغموسة بصوتها في طست الرمان:
أتيت مرة أخرى ليلا، ألفيت الباب مقفلا، بلا مسرب
يا مجيئك ليلا يا بريد، لهفتي محتدمة على مرسول الحبيب
بالإضافة إلى مجاورتها للفنان بناصر أوخويا، جمعتها لحظات غنائية أشبه ما تكون بمنعطفات خالدة، مع كل من الغازي بناصر ومحمد رويشة ومحمد مغني وبوعزة العربي وأعشوش ومصطفى العكري وغيرهم من الفنانين.
لا يكاد صوت نسائي يضاهي معدن صوت الشريفة قوة وصلادة، والمفارقة أن يكون في الآن ذاته، مزهرا بهوامش بحّات وخدوش حميمة
تليها في سلم الغناء البري، الموغل في البداوة، وصفوة الثلج اللاذع، الفنانة تاوسيدانت، وهي ذات حنجرة لاسعة، يتألق في نصل لسانها معجم الحب المأساوي، مشفوعا بحواش في توقد الأرق، وولع السهر، وفتنة التعلق الحميم، بعواقبه الوخيمة، روحا وجسدا وعقلا، ومن أثرها الغائر في كتاب المايات الشاهقة:
كطائر شارد في الأمداء أنا جامحة
شوقا إليه حلقت حد تلاشت ذاكرتي.
ثم يسمق اسم الفنانة الشريفة كرسيت، بصوتها العاتي، تتفرد بحنجرة صاخبة، كأنما حبال صرختها النجلاء، مفتولة من قنب الفجاءة، وهي باذخة البياض حضورا، تتناغم مع أثر نظرتها شاسعة الأمداء، والزخم الوجداني الداغل هو ما يكتنزه صوتها المنذور لصرود الجبال، ومهاوي الأودية السحيقة، إذ يتأبد صدى موالها، يتناقله بشغف الجبل السامق، تلو الجبل الباسق، بعد أن تسلق التلال، عابرا سطوح مياه الأنهار والبحيرات، تاركا أثر دوامات مفزعة، في أغوارها المظلمة. ولا يكاد صوت نسائي يضاهي معدن صوت الشريفة قوة وصلادة، والمفارقة أن يكون في الآن ذاته، مزهرا بهوامش بحّات وخدوش حميمة.
ومن حوض نعناع مايات الفنانة الشريفة، يمكن الوقوف عند موالها:
عابر سبيل أنا يا بلدا غريبا عل
أحدا من أمازيغك أصادف عل
وأما رعشة العنقود في هذه المختارات الشخصية من عنب الأصوات النسائية، فجديرة به الفنانة إيطو تامهاوشت، ذات الصوت اللاسع دفئا وحنينا، فارهة الحنجرة، تلفعك برياح سحرية، كأنما حنجرتها مدفأة حطب الشتاء، وقد وهبت الغابة لنارها من خشب الأرز والبلوط والسنديان ما يجعل من الغناء عبقا يفغم الحواس عن بكرة أريجها، وفي الآن ذاته نسمة فاخرة الظل، تمنيها الأنفس بشكل مزمن، في رمضاء الصائفة، آن منتصف الظهيرة.
ومن بدائع ماياتها الضالعة في الشذا، المنزاحة صوتا مغموسا في عسل الخروب:
أجهشت الشمعة، واندلقت دموعها حينما أبصرت
عاشقين يخاصران بعضهما، يتصافحان شفاها بشفاه
وتجاورها في اللذوعية ذاتها الفنانة عيشة لحاجب، ذات الخامة الدافئة، مع شدو ماراثوني، يتأرجح صداه الموقظ للذاكرة برجات ناعمة، تحدث صدوعا في طبقات الوجدان الهشة، هشاشة صفائح صخر الأقشمير الرفيعة، ومن فواكه صيحاتها في بستان الماية:
رفقا بي أيها الحنين في أرض الغرباء
تجمل يا شوق إلى حين عودتي إلى الديار
تتاخم هذه الأصوات النسائية الستة، المختارة وفق ذائقة ذاتية، أسماء كلاسيكية بديعة، لا يمكن اقتراف السهو عن أثرها الحميم، كعائشة أولباحماد، وعائشة تاغزافت، وأولثويرا يامنة، وإيطو مولود، وفطومة التادلاوية، ويامنة عقا، وزهرة أوعدي، ولحديدو، والصفية نبويفلوسن، وأومارش، وإيطو ثامبرابط، ومنى بوفران، وحمامة، ونعيمة نكودا، وأخريات.