"أنصار" سوريا

"أنصار" سوريا

استمع إلى المقال دقيقة

لست من أنصار نظرية المؤامرة عند كل حدث ومفصل، ولست من المؤمنين بأن قوى خفية وأيد خارجية هي المسؤولة عن كل ما يحصل في بلادنا أو حتى بلاد العالم التي تشبهنا، قد يتآمر علينا البعض وقد تتدخل الأيدي الخفية ولكن لولا وجود تربة خصبة لهذا وذاك لما كان تأثير هذه القوى هو ما نعيشه اليوم.

ليست كل عملية إرهابية يقوم بها "داعش" تقف وراءها قوى أجنبية، وإن كان تاريخ هذه المجموعات حافل بالتخادم بينها وبين من يسوّق نفسه على أنه عدوها اللدود، وسأذكر بعض الأحداث على سبيل المثال لا الحصر:

في عام 2005 ضربت تفجيرات إرهابية العاصمة الأردنية عمّان راح ضحيتها عشرات الضحايا وكان من بينهم المخرج السوري العالمي مصطفى العقاد، أعلن يومها تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين"، مسؤوليته عن التفجيرات، إلا أن محكمة أميركية أصدرت حكماً غيابياً بإدانة النظام السوري عن تلك التفجيرات، معلنة أن المخابرات العسكرية السورية تقف وراء هذه التفجيرات.

في عام 2009 ضربت سلسلة تفجيرات العاصمة العراقية بغداد وأسفرت عن سقوط أكثر من 155 ضحية، يومها تبنت "الدولة الإسلامية في العراق" العملية، بينما اتهمت حكومة نوري المالكي نظام بشار الأسد بالضلوع في الأمر وطالبت بإنشاء لجنة تحقيق دولية، ونتج عن الأمر أزمة بين العراق وسوريا، النظامين اللذين كانا يدوران في فلك المحور الإيراني.

ولا ننسى طبعاً أبو عدس، وشريطه المسجل في 14 مارس/آذار 2005 والذي تبنى فيه عملية اغتيال رئيس مجلس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

التعاون بين الجمهورية الإسلامية في إيران وتنظيم "القاعدة" تم كشفه أكثر من مرة، حيث تحولت إيران في كثير من الأوقات إلى مركز لانطلاق عمليات التنظيم وملجأ آمناً لقيادات من "القاعدة". وقد أدلى وزير الخارجية الأميركي الأسبق مايك بومبيو في عام 2021 بتصريحات اتهم فيها إيران بأنها "المركز الرئيس الجديد لتنظيم القاعدة".

التعاون بين الجمهورية الإسلامية في إيران وتنظيم "القاعدة" تم كشفه أكثر من مرة

ولكن هل تعني هذه الحوادث أن فكر "القاعدة" و"داعش" وعملياتهما الإرهابية تقف خلفها حصراً دول وأنظمة تتقاطع مصالحها مع هذه التنظيمات؟ لا، فلولا أن هذا الفكر المتطرف موجود ولولا وجود الأرض الخصبة والمؤهلة لهذا الفكر لما كانت هذه التنظيمات قد نجحت كل هذه السنوات، حتى وإن تفاوتت نسب "نجاحها" وانتشارها بسبب الحرب العالمية المستمرة للقضاء على الإرهاب.

منذ سقوط نظام الأسد برز في سوريا تنظيم جديد حمل اسم "سرايا أنصار السنة"، تبنى الكثير من أعمال القتل التي لحقت بالعلويين في الساحل وريف حماة، ورغم أن البيان التأسيسي للتنظيم حدد أهدافه باستهداف فلول النظام من "النصيرية والرافضة"، وأن تشكيله جاء رداً على تسامح الإدارة الجديدة وإجراء تسويات معهم، إلا أن التنظيم نفسه أعلن مسؤوليته عن التفجير الانتحاري الذي استهدف كنيسة "مار الياس" في الدويلعة بدمشق في يونيو/حزيران 2025، فكان استهداف المصلين المسيحيين وسقوط العشرات من الضحايا بين صفوفهم، وهو ما يتضارب مع أسباب تأسيسه.

غاب التنظيم مؤقتاً وعاد آواخر ديسمبر/كانون الأول ليستهدف مرة جديدة المصلين، ولكن هذه المرة في مسجد علي بن أبي طالب في حمص وتحديداً في حي وادي الذهب ذي الأغلبية العلوية.

من يقرأ بيانات تنظيم "سرايا أنصار السنة" سيلاحظ فوراً اللغة الركيكة المستخدمة، ولكن السؤال: من يقف خلف هذا التنظيم؟ هل هو فقط مجموعة من المتطرفين السوريين الذين أنتجتهم الحرب خلال 14 عاما؟ هل هو تنظيم "داعش" بحلة جديدة؟ هل هم مجموعة من المتضررين من سقوط نظام الأسد وخروج إيران من سوريا ووجدوا في "أنصار السنة" غطاء لعملياتهم؟ نحن نعرف أن سوريا هي المتضرر الأول من هذا التنظيم، ولكن من هو المستفيد؟ فأعداء سوريا كثر، وإن كان التنظيم- رغم قدرته على تحقيق اختراقات أمنية كبيرة- لا يزال "فتياً"، ومحاربته كما محاربة فكره أولوية قبل أن تتحول سوريا إلى حالة تشبه العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، حين أصبح للإرهاب شركاء محليون وإقليميون. وأولى أدوات محاربة هذا التنظيم تبدأ بإطلاق مسار جدي وفاعل للعدالة الانتقالية وبناء دولة المواطنة لجميع السوريين.

font change