كسب الأرض في حلب على حساب السلام

كسب الأرض في حلب على حساب السلام

استمع إلى المقال دقيقة

اندلعت مجددا اشتباكات بين قوات الحكومة السورية والمقاتلين الأكراد في حلب، في أخطر مواجهة بين الطرفين منذ سقوط نظام الأسد، وانتقلت التوترات المتقطعة خلال السنوات الفائتة بين الطرفين إلى مرحلة أكثر حسما. فبعد أشهر من المناوشات المتبادلة، يبدو أن دمشق خلصت إلى أن خلافها مع السلطات الكردية بحكم الأمر الواقع في الأحياء ذات الغالبية الكردية في حلب لن يجد طريقه إلى الحل عبر المسار السياسي.

لم تكن محصلة المعركة موضع شك، إذ ما كان بإمكان مجموعة صغيرة من المقاتلين الأكراد، المحاصرين في حيّين مطوقين بالكامل، أن تملك فرصة حقيقية أمام قوات حكومية تتمتع بتفوق كاسح في العدد والعتاد. وقد ظهر هذا الاختلال سريعا، إذ سيطرت القوات الحكومية على الأحياء المتنازع عليها خلال أيام.

لكن السؤال الأهم هو ما الذي يعنيه تصعيد حلب لمسار سوريا السياسي الأوسع. هل سيقوض القتال اتفاق الاندماج الموقّع في العاشر من مارس/آذار بين الرئيس السوري المؤقت وقيادة "قوات سوريا الديمقراطية"؟ أم إن الهدف منه كان دفع عملية متعثرة إلى الأمام بالقوة؟

لم يأت التصعيد من فراغ. ففي الأول من أبريل/نيسان 2025، توصلت دمشق والسلطات الكردية في حلب إلى اتفاق يقضي بدمج حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مؤسسات الدولة المركزية. وبموجب الاتفاق، ينسحب المقاتلون التابعون لـ"قوات سوريا الديمقراطية"، فيما تبقى قوات الأمن الداخلي الكردية في مواقعها، وتستمر المجالس المحلية القائمة في إدارة المناطق بالتنسيق مع مؤسسات محافظة حلب.

اعتُبر الاتفاق على نطاق واسع، وقتها، تسوية برغماتية وخطوة لبناء الثقة. لكن التنفيذ تعثر سريعا، فانزلقت المهل الزمنية، وتصاعدت الاتهامات المتبادلة، وزادت وتيرة الاشتباكات. ومع تآكل الثقة، فقد الاتفاق الكثير من أثره المهدئ. أما الجولة الأخيرة من القتال، فقد اندلعت إثر تبادل جديد لإطلاق النار، حمّل كل طرف مسؤوليته للطرف الآخر، فيما جعل غياب آليات مراقبة مستقلة من الصعب التحقق من الوقائع بشكل محايد.

السؤال الأهم هو ما الذي يعنيه تصعيد حلب لمسار سوريا السياسي الأوسع

وعلى خلاف الحوادث السابقة، لم تنتهِ هذه الجولة بوقف إطلاق نار جديد. هذه المرة، بدا أن دمشق مصممة على فرض حل عسكري. تحركت القوات الحكومية بسرعة، وسيطرت على الأشرفية والشيخ مقصود خلال أيام. وجرت العملية مع قتال محدود نسبيا، ويُقال إن ذلك تم بتسهيل من اتفاق أبرمته الحكومة مع عناصر من قبيلة البكارة التي كانت تقاتل إلى جانب القوات الكردية.

عكست العملية تحولا في التكتيك. فبدلا من الاعتماد على القوة النارية العشوائية أو المفرطة، نفذت القوات الحكومية ضربات دقيقة ضد مواقع عسكرية محددة، وتقدمت على مراحل مع إعلان وقف إطلاق نار بين كل مرحلة وأخرى. وحددت السلطات علنا المناطق التي ستُستهدف، وحثت المدنيين على الإخلاء مسبقا، في محاولة واضحة للحد من الخسائر. ومع ذلك، وقعت وفيات ونزوح بين المدنيين، لكن النهج عموما بدا مختلفا عن العمليات السابقة التي شهدت انتهاكات واسعة.

السيطرة السريعة على معظم الأحياء الكردية قد يُفهم منها أن صبر دمشق قد نفد وأنها مستعدة لاستخدام القوة عندما تتعثر المفاوضات. ووفق هذا الفهم، لم تكن حلب تحولا استراتيجيا بقدر ما كانت طلقة تحذيرية، هدفها الضغط على "قوات سوريا الديمقراطية" لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس.

ويذهب البعض أبعد من ذلك، معتبرين أن الجهود المبذولة للحد من الأذى المدني كانت أيضا محاولة لطمأنة الحكومات الغربية، التي حذرت مرارا من الكلفة الإنسانية لأي عمل عسكري ضد مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية"، خصوصا بعد الانتهاكات الخطيرة التي أعقبت الاشتباكات على الساحل وفي السويداء العام الماضي.

ومن خلال إظهار عملية أكثر انضباطا في حلب، قد تسعى دمشق إلى إثبات أن الاندماج بالقوة لا يعني بالضرورة سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وإلى الإيحاء في الوقت عينه بأن هذا الخيار– على أي حال– لا يزال مطروحا. ويرى المحللون المتعاطفون مع دمشق أن التصعيد قد يقنع القادة الأكراد بأن المماطلة لم تعد خيارا قابلا للاستمرار، وأن استمرار المقاومة قد يفتح الباب أمام حل عسكري يفقدهم المكاسب التي وفرها اتفاق مارس.

سوى أن المسؤولين الكرد يرون المشهد بصورة مختلفة تماما، فهم يؤكدون أن دمشق هي من بدأت الاشتباكات، في إطار خطة مدروسة لاستعادة الأحياء بالقوة

سوى أن المسؤولين الكرد يرون المشهد بصورة مختلفة تماما، فهم يؤكدون أن دمشق هي من بدأت الاشتباكات، في إطار خطة مدروسة لاستعادة الأحياء بالقوة، مع ما يحمله ذلك من تبعات بالغة الضرر. وبينما يتجنبون إعلان وفاة اتفاق العاشر من مارس، يؤكدون أنه "في حالة غيبوبة"، وهو توصيف يعكس حجم انعدام الثقة الذي بات يحكم العلاقة بين الطرفين.

وقد يرى البعض أن عملية حلب أعادت مفاوضات الاندماج إلى الوراء بدلا من دفعها إلى الأمام. فكل ما تبقى من حسن نية، على حد قولهم، قد تبخر تقريبا، ما يجعل التوصل إلى تسوية أصعب لا أسهل. فلا طرف يرغب في التفاوض من موقع ضعف. لذلك، من غير المرجح أن تقبل "قوات سوريا الديمقراطية" بالوقائع العسكرية الجديدة في حلب، وقد تواصل الضغط لتنفيذ اتفاق الأول من أبريل، مضيفة بذلك عقدة جديدة إلى محادثات معقدة أصلا. أما دمشق، وقد غيّرت ميزان القوى على الأرض، فمن المستبعد أن تقبل بهذا المطلب، وهو مأزق يهدد بمزيد من تفكك العملية.

font change