أعادت محاولة الانقلاب العسكري بدولة بنين بغرب أفريقيا التي وقعت في السابع من ديسمبر/كانون الأول 2025، إلى الأذهان ظهور مصطلح "حزام الانقلابات" (Coup Belt)، لوصف بعض دول المنطقة الممتدة من الساحل الغربي لأفريقيا إلى دول جنوب الصحراء الكبرى ووسط أفريقيا. حيث شهدت منطقتا غرب ووسط أفريقيا خلال الفترة من أغسطس/آب 2020 حتى ديسمبر 2025 موجة من الانقلابات العسكرية غير المسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة، إذ سجلت هذه المنطقة أكثر من ثمانية انقلابات ناجحة، بالإضافة إلى عدة محاولات أخرى فاشلة.
وهو ما يطرح عدة تساؤلات جوهرية أهمها: هل هناك نمط دستوري مشترك بين دول هذه المنطقة يجعلها أكثر عرضة دون غيرها للكثير من الانقلابات المتوالية؟ إلى أي مدى ساهمت الأزمات الدستورية، لا سيما تغيير نصوص مدد الولايات الرئاسية وتوريث السلطة وحدود السلطة التنفيذية على سبيل المثال، في تهيئة المناخ السياسي في دول غرب أفريقيا لوقوع الانقلابات العسكرية؟ كيف يُعيد التدخل العسكري تعريف مفهوم "الشرعية الدستورية" في السياق الأفريقي فيكتسب الانقلاب شرعية قانونية إذا كان ردا على "انقلاب دستوري مدني" كاستجابة لفشل النظام الدستوري التقليدي واعتباره "تدخلا إنقاذيا" ووسيلة لتصحيح الانحراف الدستوري، أم إنه يظل خرقا جسيما لمبدأ سمو الدستور مهما بلغت درجة تعثر الحكم المدني في دول غرب أفريقيا؟
ما دور المحاكم الدستورية والعليا الأفريقية في تفسير الدساتير، وكيف أدت سوابقها القضائية إلى تعزيز أو إضعاف الاستقرار الدستوري أمام مخاطر "الانقلابات الدستورية" في هذه الدول، وهل كانت حصونا لحماية الدستور، أم أداة قانونية لتكريس اختراقه وإضفاء الغطاء القضائي عليه؟ ما مدى فعالية آليات ودور المنظمات الإقليمية مثل الإيكواس والاتحاد الأفريقي في منع الانقلابات أو احتوائها في دول غرب أفريقيا؟
وكيف يتقاطع مبدأ السيادة الوطنية في القانون الدولي مع التدخلات الدولية الخارجية (الفرنسية والروسية والصينية) في دول حزام الانقلابات، وهل يمكن اعتبار هذه الانقلابات إجراءات مشروعة ضمن إطار "الحق في المقاومة دفاعا عن السيادة الوطنية" ضد التدخل الاجنبي، وهل يمكن استيعابها ضمن الأطر الدستورية الأفريقية الحديثة؟
تعريف دول حزام الانقلابات
يُعرف "حزام الانقلابات الأفريقي" بأنه الشريط الوسطي الواسع الممتد من غرب أفريقيا إلى شرقها، ضمن إقليم الصحراء الكبرى، عبر المنطقة الجغرافية الممتدة من ساحل المحيط الأطلنطي غربا، مرورا بوسط أفريقيا، حتى ساحل البحر الأحمر بشرق أفريقيا، وتشمل دولا مثل: غينيا، غينيا بيساو، مالي، بوركينا فاسو، النيجر، الغابون، تشاد، السودان، والتي شهدت موجة متتالية من الانقلابات العسكرية منذ عام 2020.
تاريخيا، يعتبر هذا المصطلح من المصطلحات القديمة التي كانت تستخدم سابقا خلال ذروة الانقلابات في الستينات والسبعينات، عندما بدأت هذه الدول رحلتها السياسية مع استقلالها من الاستعمار الفرنسي والبريطاني والبرتغالي والإسباني خلال النصف الثاني من القرن العشرين، حيث أعقب الاستقلال من الاستعمار في هذه الدول موجة من الانقلابات العسكرية بلغ عددها أكثر من 200 محاولة انقلاب، نجح نصفها، بسبب الهشاشة السياسية للدول الناشئة والتدخلات الخارجية أثناء الحرب الباردة، مما جعل التدخلات العسكرية أداة معتادة للاستيلاء على السلطة. ثم اندثر هذا المصطلح خلال فترة التسعينات عندما شهدت تلك الدول استقرارا نسبيا مع موجة الديمقراطية بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث انخفضت معدلات الانقلابات إلى أدنى مستوياتها، حتى وصل إلى أقل من اثنين سنويا خلال الفترة من 2000 حتى 2020، مدعومة بانتقال سلمي للسلطة في بعض من هذه الدول.

