غينيا بيساو... انقلاب عسكري واحد على الأقل في كل جيلhttps://www.majalla.com/node/328483/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%BA%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D8%B3%D8%A7%D9%88-%D8%A7%D9%86%D9%82%D9%84%D8%A7%D8%A8-%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D8%AD%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%82%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D9%84-%D8%AC%D9%8A%D9%84
اعتقلت القوات المسلحة في 26 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعد يوم واحد من إعلانه الفوز في الانتخابات بنسبة 65 في المئة من الأصوات، رئيس غينيا بيساو أومارو سيسوكو إمبالو في مكتبه بمقر الإقامة الرئاسي. كما اعتقلت قائد القوات المسلحة الجنرال بياجي نا نتان، ونائبه مامادو توريه، ووزير الداخلية بوتشي كاندي.
وأدى الجنرال هورتا نتا نا مان في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 اليمين بوصفه "رئيسا انتقاليا/رئيسا للنظام الانتقالي" لجمهورية غينيا بيساو، نيابة عن مجموعة من الضباط العسكريين يطلقون على أنفسهم اسم القيادة العسكرية العليا لاستعادة الأمن الوطني والنظام العام، مع إعلان فترة انتقالية مدتها عام واحد.
وأصدر رئيس المكتب العسكري في الرئاسة، العميد دينيس نكانا، بيانا نمطيا مألوفا في مثل هذه الحالات. وبرر الاستيلاء على السلطة بأنه "كشف عن مخطط لزعزعة استقرار البلاد"، قيل إنه يشمل سياسيين محليين وأجانب، وتاجرا كبيرا للمخدرات لم يُذكر اسمه، ومحاولات للتدخل الخارجي في نتائج الانتخابات.
وعلّقت القيادة العسكرية كل المؤسسات المدنية، بما في ذلك البرلمان والحكومة والهيئات الانتخابية، وأوقفت العملية الانتخابية، كما أغلق الجيش الحدود، وفرض حظر تجول، وأعلن حالة الطوارئ، ونشر وحدات معززة في المواقع الرئيسة في العاصمة.
مباشرة بعد أداء اليمين، أقلعت، وفقا لموقع "فلايت رادار"، طائرة تابعة لسلاح الجو الإيفواري من بيساو في اتجاه أبيدجان، التي شكلت طويلا ملاذا للرؤساء المخلوعين وحاشيتهم
ومباشرة بعد أداء اليمين، أقلعت، وفقا لموقع "فلايت رادار"، طائرة تابعة لسلاح الجو الإيفواري من بيساو في اتجاه أبيدجان، التي شكلت طويلا ملاذا للرؤساء المخلوعين وحاشيتهم.
واعتقلت السلطات العسكرية شخصيات معارضة بارزة، من بينهم الفائز بحكم الأمر الواقع في الانتخابات فرناندو دياز دا كوستا، وزعيم أكبر حزب سياسي في البلاد، الحزب الأفريقي لاستقلال غينيا والرأس الأخضر (PAIGC)، دومينغوس سيمويس بيريرا، إضافة إلى عدد من أعضاء اللجنة الانتخابية.
وعاد الحكم مجددا إلى مجلس عسكري. وتُظهر غينيا بيساو مرة أخرى ما يبدو كأنه لعنتها السياسية: الانقلابات بوصفها قاعدة بنيوية. فمنذ الاستقلال عن البرتغال تعيش البلاد وفق معادلة "انقلاب واحد على الأقل في كل جيل".
وجاء رد فعل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس)، والاتحاد الأفريقي، والولايات المتحدة، والبرتغال متوقعا: شجب وتهديد بعقوبات، ومطالب بإعادة المسار الديمقراطي والإفراج عن المعتقلين.
ظاهريا، لم يظهر في الأمر أي جديد. غير أن السنغال أكدت رسميا في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 أن أومارو سيسوكو إمبالو وصل إلى داكار سالما في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 على متن طائرة استأجرتها خصيصا الحكومة السنغالية. ولم يُكشف عن وقت الوصول ولا عن نوع الطائرة ولا عن تفاصيل المسار ولا عن تركيبة الوفد المرافق للرئيس السابق.
ويمثل مثل هذا التحرك مبادرة دبلوماسية عملية جرى تنسيقها إقليميا، وتولت السنغال تنظيمها وتنفيذها من الناحية الفنية. ولا توجد مذكرات دبلوماسية أو وثائق علنية صادرة عن "إيكواس" تفوض الإجلاء رسميا في صيغة "تفويض".
ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت عملية الإجلاء قد انطلقت بموافقة المجلس العسكري الحاكم، أم نُفذت من ورائه بمشاركة طرف ثالث هو السنغال.
وفي الوقت نفسه أفرج العسكريون عن الساسة المعارضين، وأصدر فرناندو دياز دا كوستا بيانا بهذا الشأن، مع إشارته إلى أنه لا يزال في مكان آمن بسبب خشيته من اعتقاله مجددا.
رئيس غينيا بيساو، عمر سيسوكو إمبالو، يتحدث إلى الصحفيين في القصر الرئاسي في العاصمة بيساو، غينيا بيساو، 10 فبراير 2022.
ورُفعت في البلاد بعض القيود، غير أن الوزارات والمؤسسات الحكومية ما زالت خارج الخدمة حتى إشعار آخر.
نسخة فوضوية من النموذج الكلاسيكي للانقلاب العسكري
تشير طبيعة هذه الأحداث إلى نسخة فوضوية ومجزأة وضعيفة التنظيم من النموذج الكلاسيكي للانقلاب العسكري في أفريقيا، الذي درس المجتمع الدولي ملامحه بإسهاب في السنوات الأخيرة.
يُفهم الانقلاب العسكري الشامل عادة بوصفه عملية منضبطة ومركزية وذات بنية منطقية، تستهدف الإطاحة الكاملة والحاسمة بالنظام، حيث يتصرف الجيش بوصفه بنية موحدة، فيستولي على مفاتيح السلطة الأساسية ومؤسسات الدولة ووسائل الاتصال، ويقصي القيادة السياسية بشكل حازم.
ومع ذلك، حتى عند المقارنة مع الانقلابات التي شهدتها غينيا بيساو في أعوام 1980 و1999 و2003 و2012، تبدو الأحداث الجارية تقليدا باهتا لماضي البلاد الانقلابي.
تظهر أحداث 26 و27 نوفمبر/تشرين الثاني عكس هذا النموذج. لم يحدث انتقال حقيقي للسلطة، والسيطرة على المؤسسات مؤقتة وناقصة، والمجلس العسكري صوري يقوده ضابط لا يملك ما يكفي من النفوذ.
تقدّم الجنرال هورتا نتا نا مان، القريب من إمبالو بسبب دوره في إحباط محاولة الانقلاب في 1 فبراير/شباط 2022، من موقع قائد كتيبة الحرس الرئاسي في عام 2019 إلى القائد الفعلي للجيش، من دون أن يرسخ قاعدة دعم متينة داخل القوات.
اعتقلت القوات الرئيس ودائرته الضيقة من دون مشاهد العنف أو الإذلال العلني المعهودة في المنطقة. وللمرة الأولى في تاريخ الانقلابات في أفريقيا يحتفظ رئيس مخلوع بإمكانية الوصول إلى قنوات الاتصال، ويتواصل مع قادة أجانب، ويجري مقابلات مع الصحافة الدولية. وبدا الاعتقال أقرب إلى إجراء أمني منه إلى عملية إطاحة أو تصفية.
حتى عند المقارنة مع الانقلابات التي شهدتها غينيا بيساو في أعوام 1980 و1999 و2003 و2012، تبدو الأحداث الجارية تقليدا باهتا لماضي البلاد الانقلابي
وتولت الدبلوماسية الإقليمية، ممثلة في "إيكواس" والسنغال، إخراج الرئيس مباشرة من البلاد. ولم يبق حرا فحسب، بل احتفظ أيضا بقنوات الاتصال وبالدعم الدولي، الأمر الذي أضعف فعليا تأثير المجلس العسكري.
تؤكد هذه الحقائق أنه لم يكن للانقلاب اتّجاه واضح أو هدف محدد، وأن هدفه ومنطقه كانا ملتبسين، في خرق واضح لمبدأ المبادرة الذاتية التي تميز الانقلابات الكلاسيكية.
يبدو أن العسكريين كانوا إما خاضعين للسيطرة وإما عرضة للتلاعب، إذ أدوا أدوارا تنفيذية من دون أن يصوغوا السياسة.
لا يوجد دليل مباشر يربط إمبالو بالتخطيط للانقلاب، لكنه يظل المستفيد السياسي الوحيد من هذه الأحداث.
رئيس المكتب العسكري في الرئاسة، العميد دينيس نكانا، يعقد مؤتمرًا صحفيًا في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، 26 نوفمبر2025.
استُبعد قبل الانتخابات المرشح الأوفر حظا، دومينغوس سيمويس بيريرا، الذي بنى ائتلافا انتخابيا عريضا حمل اسم باي تيرا رانكا. غير أن رهان أومارو سيسوكو على لامبالاة الناخبين فشل، إذ تحول الاستحقاق عمليا إلى استفتاء على الرئيس المنتهية ولايته، معه أو ضده. وانتقلت أصوات الاحتجاج إلى المرشح المستقل فرناندو دياز دا كوستا، الذي بدا فوزه واضحا حتى مع احتساب ما قيل عن عمليات تزوير. وظهرت تقارير عن محاولات من الجيش للضغط على اللجنة الانتخابية كي "تمنح الفوز لإمبالو".
أنقذ الانقلاب عمليا إمبالو من الهزيمة، وهي هزيمة كانت ستحمل عواقب أكبر بكثير من مجرد فقدان المنصب، إذ كان من المحتمل أن تهدد حريته الشخصية.
يرى رئيس الوزراء السابق في غينيا بيساو أريستيدس غوميش أن الجيش قد يبقي شخصيات المعارضة قيد الاحتجاز في الوقت الذي يطلق فيه سراح إمبالو ويعلنه الفائز في الانتخابات. ويظل هذا الطرح في إطار التكهن، غير أن أزمة 2019 و2020 بيّنت أن الجيش هو الذي أوصل إمبالو إلى السلطة، مما رسخ دوره حكما أخيرا داخل النظام السياسي في البلاد.
بدت الاعتقالات الأخيرة أقرب إلى إجراء أمني منها إلى عملية إطاحة أو تصفية
قد توضح الأسابيع المقبلة الصورة، لكن ما يبدو واضحا منذ الآن أن طبيعة الانقلاب تخضع لحالة البيئة المؤسسية. فبعد عقود من اقتصاد تغذيه تجارة الكوكايين، وانحدار الانضباط العسكري، وتفتت الساحة السياسية، لم تعد الانقلابات في غينيا بيساو نتاج ضباط حاسمين، بل أصبحت نتاج فوضى إدارية متأصلة.
لا يتعلق الأمر بانقلاب فحسب، بل بصورة عن ضعف الدولة المزمن. يكشف الانفجار الفوضوي والمتشظي الحالة الحقيقية للنظام، حيث السلطة شديدة الهشاشة، والنخب منقسمة، والجهاز غير قادر على حفظ النظام أو تفكيكه بفاعلية.
أخيرا، نقطتان أساسيتان:
أولا، السلطة ليست قابلة للتداول كما لو كانت سيارة في نظام مشاركة، فلا يوجد ما يدعو إلى الافتراض أن الجنرال نتا، متى امتلكها، سيقبل بإعادتها عند صدور أمر بذلك.
ثانيا، لا تقف أياد خارجية وراء هذه الأحداث. فأغلب تحولات السلطة المعاصرة في أفريقيا يطلقها فاعلون أفارقة بالدرجة الأولى، ولا يبقى أمام المجتمع الدولي، بما في ذلك الدول التي ترى نفسها لاعبا عالميا، سوى التكيف مع البنية الجديدة.