لم يمت رفعت الأسد في دمشق ولا القرداحة ولا في سجن كان ينتظره، ولم يشهد لحظة انهيار السلطة من قصرٍ رئاسي أو غرفة قيادة، ولم يكن حاضرا حين أُغلقت آخر صفحات النظام الذي عاش عمره وهو يعتقد أنه صُمم ليكون أحد ورثته "الطبيعيين" في "الجملوكية".
مات بعيدا (88 سنة)، في المنفى الثالث، بعد أن غادر سوريا على عجل، هاربا هذه المرة لا من صراع عائلي ولا من غضب "الأخ الأكبر" كما حصل في الثمانينات أو "الأسد الصغير" في التسعينات، بل من سقوطٍ شاملٍ لـ"نظام الأسدين" لم يبقِ له مكانا في الجغرافيا أو التاريخ أو الجبال.
مع انهيار نظام بشار الأسد نهاية عام 2024، وجد رفعت نفسه شاهدا أخيرا على نهاية مشروعين معا: مشروع النظام الذي بناه شقيقه الأكبر حافظ الأسد ورسّخه بالنار، ومشروع الوراثة الذي ظلّ رفعت يراه "حقا مؤجلا" لا أكثر، وسبح إليه في بحر من الدماء.

قليلون في تاريخ الأنظمة السلطوية عاشوا ما عاشه رفعت. أن يروا النظام الذي خدموه وشاركوا في تأسيسه بالنار، ثم النظام الذي حلموا بوراثته بالنار، ينهاران معا وهم على قيد الحياة، من دون أن يكون لهم أي دور في لحظة السقوط أو القدرة على التأثير في مساره.
ليست هذه مفارقة شخصية فحسب، بل مفارقة سياسية كثيفة الدلالة. فرفعت الأسد لم يكن يوما مجرد "شقيق الرئيس"، بل كان أحد أبرز تجليات بنية الحكم نفسها. ذراعا أمنية تحوّلت إلى مركز قوة، ثم إلى منافس محتمل. "الشقيق الأصغر" ضد "الأخ الأكبر"، ثم إلى عبءٍ جرى إبعاده بالتسوية لا بالمحاسبة وإبقاؤه "فزاعة" فوق رأس الطامحين بـ"قلب الأسد". وعندما سقط النظام أخيرا، سقط من دون أن يكون رفعت جزءا منه أو بديلا عنه أو حتى شاهدا من داخله. سقط وهو في الهامش، كما انتهى إليه الحال منذ أربعة عقود.
شبكة وصعود... من الأخوة إلى القوة
لم يكن رفعت الأسد شخصية هامشية تدور في فلك شقيقه حافظ الأسد، بل "مركز ثقل" تشكّل تدريجيا داخل بنية الحكم. قوة أمنية-عسكرية، ونفوذ حزبي، وشبكات مصالح، وميلٌ إلى فرض الوقائع بالقوة، وسيف "أخوي" مسلط على الطامحين بالسلطة، وصولا إلى لحظةٍ مفصلية رأى فيها رفعت نفسه "الوريث الشرعي" حين مرض حافظ عام 1983. عبر العقود تغيرت العلاقة بين "الأخ الأكبر" و"الأخ الأصغر" من شراكة إلى منافسة ثم إلى أزمة وجود.



