دافوس 2026... ما الجديد في الحضور السعودي؟

لا يمكن إغفال الرمزية الكبرى لـ"البيت السعودي"

وكالة الأنباء السعودية
وكالة الأنباء السعودية
إحدى جلسات المنتدى الاقتصادي العالمي

دافوس 2026... ما الجديد في الحضور السعودي؟

بينما كانت أروقة "منتدى دافوس العالمي" في جبال سويسرا تشهد تزاحم النخب العالمية وصناع القرار في مطلع عام 2026، برز الحضور السعودي كحالة تستحق التأمل العميق لتجاوزها حالة الأرقام الاقتصادية والإحصاءات المعهودة.

إن هذا الحضور لا يمكن اختزاله في كونه مجرد وفد رفيع المستوى يسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية، بل هو في جوهره مشهد مكثف ومتعدد الطبقات يعكس لحظة الاشتباك الكبرى بين مشروع الدولة الوطنية الحديثة- بكل ما تحمله من هندسة مؤسسية وعقلانية تنموية– وبين مقتضيات العولمة الرقمية المتسارعة التي تعيد تشكيل حدود السيادة والاقتصاد.

في هذا الفضاء الدولي الذي يعرف بـ"مسرح النخب" حيث تصاغ الأجندات الكونية، لم يكتف الوفد السعودي بعرض المشاريع الضخمة أو الأرقام الاستثمارية، بل كان يقدم للعالم سردية متكاملة حول هندسة الدولة التنموية، تلك السردية التي بدأت ملامحها تتشكل بوضوح خلال التحولات الجذرية، وانتقلت اليوم من مرحلة المبادرات الحالمة والطموحة إلى مرحلة التنفيذ العقلاني الصارم المدعوم ببيانات ومؤشرات حية.

منطق الدولة المهندسة والتحول البنيوي

إذا ما أردنا استيعاب دلالات مشاركة الوفد السعودي في "دافوس"، فلا بد من العودة إلى المسار التاريخي الذي قطعته المملكة في هندسة دولتها التنموية الحديثة. هذا التحول الذي تناولته في أعمال سابقة حول تطور الدولة السعودية خلال ربع قرن، يجد اليوم تمثيله الأسمى في "دافوس". فقد تحول الوفد من مجموعة مسؤولين يحملون ملفات النفط، إلى طبقة تكنوقراطية تتحدث لغة البيانات والحوكمة والذكاء الاصطناعي بطلاقة لا تقل عن نظرائها في واشنطن أو بكين.

لم تكن تلك مجرد إجراءات تجميلية، بل كانت إعادة بناء للجهاز البيروقراطي ليكون جهازا عقلانيا بالمعنى "الفيبري" الحديث.

ففي "دافوس 2026"، تظهر الدولة السعودية متقنة الإدارة، حيث تحل مفردات إدارة المخاطر وقياس الأداء وضبط وتيرة المشاريع محل التخطيط الجامد. إنها حالة عقلنة تسعى لضمان استدامة النمو بعيدا عن تقلبات أسواق الطاقة، مما يعزز من الإنجاز الذي بات المحرك الجديد. وتدعم هذه العقلنة مؤشرات اقتصادية متينة، حيث تشير التقارير الصادرة من "دافوس" إلى أن الأنشطة غير النفطية حافظت على نمو مستقر بين 5 في المئة و10 في المئة في السنوات الخمس الأخيرة، مع توقعات باستمرار النمو الكلي بنسبة تتراوح بين 4 في المئة و5 في المئة للأعوام الثلاثة القادمة.

طرح المسؤولون السعوديون في "دافوس" رؤية تقوم على أنسنة الضروري ورقمنة غير الضروري، وهي معادلة فريدة تحاول حل المأزق التاريخي الذي وصفه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بالقفص الحديدي للبيروقراطية

"البيت السعودي" وفضاء التفاعل الرمزي

لا يمكن إغفال الرمزية الكبرى لـ"البيت السعودي" في "دافوس"، فهذا الفضاء الذي توسع ليصبح منصة حوار وبرمجة كاملة، يتجاوز كونه مجرد مقر للاجتماعات ليصبح مجالا عاما عالميا تفكك فيه الصور النمطية ويعاد تعريف الهوية الوطنية السعودية.

يمثل هذا البيت استعراضا للرأسمال الثقافي والرمزي للمملكة. فهنا لا يسوق النفط، بل الإنسان السعودي الجديد، الشاب والشابة اللذان يقودان الجلسات التقنية والفكرية، بوصفهما ممثلي جيل "رؤية 2030".

وقد تجسد هذا في النسخة الأكبر لـ"البيت السعودي"، التي ضمت أكثر من 20 جلسة حوارية، عشر منها معتمدة رسميا من المنتدى الاقتصادي العالمي، وسلسلة محادثات "نكست أون" التي استقطبت قادة الفكر العالمي لمناقشة ستة محاور جوهرية: الرؤية الجريئة، الرؤى المؤثرة، القدرات البشرية، جودة الحياة، الاستثمار، والترحيب بالعالم.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصفّق بينما ينظر إلى وزير الخارجية السعودي فيصل بن فرحان وهو يحمل ميثاق التأسيس الموقَّع خلال اجتماع "مجلس السلام" على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي

حضور الوزراء السياديين في هذا المنتدى، وقيادتهم لنقاشات الأمن الإقليمي والتغير المناخي، يعطي انطباعا بتمثيل الدولة الشامل. لم تعد السعودية تطلب الاعتراف بدورها من خلال قوتها المالية فحسب، بل من خلال قدرتها على المساهمة في الفكر العالمي وإدارة الأزمات الكونية. هذا التحول من دور الضيف المستهلك للأجندة العالمية إلى دور الفاعل الصائغ لها، هو جوهر التغير في الهوية التنافسية للمملكة على المسرح الدولي.

اقتصاد الذكاء الاصطناعي وتجاوز القفص الحديدي

في مقالي السابق حول منتدى الاستثمار السعودي الأميركي، أشرت إلى أن المملكة تتجه نحو اقتصاد يقوم على المعرفة والتقنيات الناشئة.  وفي "دافوس 2026"، تجلى هذا التوجه بشكل عملي ومؤسسي، إذ إن التركيز السعودي على الذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد مواكبة لموجة تقنية عابرة، بل هو أداة جوهرية لتفكيك البيروقراطية التقليدية. وقد طرح المسؤولون السعوديون في "دافوس" رؤية تقوم على أنسنة الضروري ورقمنة غير الضروري، وهي معادلة فريدة تحاول حل المأزق التاريخي الذي وصفه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بالقفص الحديدي للبيروقراطية، مما يفتح آفاقا جديدة للعقلنة الفيبرية في سياقها الرقمي المعاصر.

ثمة تحول عميق يعرض في "دافوس"، وهو انتقال الدولة من دور المنفذ المباشر والراعي الوحيد للمشاريع، إلى دور المنسق والمؤسس الذي يفتح المجال للقطاع الخاص

من خلال الذكاء الاصطناعي، تسعى الحكومة السعودية لتقليص الهدر البشري في الإجراءات الروتينية، وتحويل الجهاز الإداري إلى محرك مرن يستجيب لاحتياجات المواطن والمستثمر بسرعة فائقة. إن هذا النوع من العقلنة التقنية يمنح الدولة سيادة رقمية تسمح لها بالمنافسة في عصر ما بعد النفط، ففي "دافوس"، لم يكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي حديث خوارزميات فحسب، بل كان متمحورا حول إعادة صياغة المجتمع الحيوي وخلق فرص وظيفية نوعية لجيل يمتلك مهارات القرن الحادي والعشرين.

وجهة لمسافري المستقبل

يمثل "منتدى دافوس" بالنسبة للسعودية مسرحا للهوية بامتياز، إذ تدرك الدولة أن التحول الاقتصادي لا يمكن أن يكتمل دون تحول موازٍ في الأطر الذهنية والرمزية. لذا، يستثمر "دافوس" كمنصة لإعادة ترميز الهوية الوطنية، ونقلها من الصورة المرتبطة في الذاكرة الجمعية بالنفط والمحافظة، إلى دولة تجسد الحداثة والمعاصرة والانفتاح. ويبرز هنا قطاع السياحة كأداة سوسيولوجية لبناء الجسور الثقافية، حيث أكد وزير السياحة في "دافوس" أن المملكة لا تبني وجهات سياحية لمسافري الماضي بل لمسافري المستقبل، مستهدفة رفع مساهمة السياحة في الناتج المحلي من 5 في المئة حاليا إلى 10 في المئة بحلول عام 2030، وذلك بعد تحقيق رقم قياسي بإنفاق تجاوز 300 مليار ريال وجذب 122 مليون سائح في عام 2025.

أ.ف.ب
وزير المالية السعودي محمد الجدعان خلال إحدى الجلسات في اليوم الختامي للمنتدى الاقتصادي العالمي

هذا المسعى للاعتراف الدولي ليس للخارج فحسب، بل رسالة قوية للداخل أيضا. عندما يرى المواطن السعودي بلاده تحظى بإشادات تصف تجربتها بالتحول الجيلي الملهم، يتعزز شعوره بالفخر والانتماء. في "دافوس"، يعرض هذا المجتمع الحيوي كجزء من العلامة السعودية التجارية؛ حيث يتحول المواطن إلى رأسمال بشري، والمدن إلى مشاريع كونية.

إدارة الزمن والواقعية السياسية

من النقاط الجوهرية التي برزت في خطاب الوفد السعودي في "دافوس 2026" هي العقلنة في إدارة الزمن السياسي والاقتصادي. فالإشارات الشفافة حول تعديل جداول بعض المشاريع الكبرى، ممارسة واقعية لإدارة المخاطر وتفادي إنهاك الاقتصاد. هذه العقلانية في التعامل مع الزمن تعكس نضجا مؤسسيا كبيرا، فالدولة لا تلاحق السرعة لذاتها، بل الأثر المستدام.

وتبرز هذه الإدارة الواعية للزمن أيضا في تمديد أفق الهوية الوطنية إلى ما بعد 2030، عبر استحقاقات كبرى مثل "إكسبو 2030" وكأس العالم 2034.

هذا التمديد يضمن استمرارية السردية الوطنية، ويحول الرؤية من مشروع مرتبط بتاريخ محدد إلى مسار مستمر للتطوير والبناء. وهو ما يمنح المجتمع استقرارا نفسيا واجتماعيا، إذ يدرك الجميع أن التحول ليس طفرة مؤقتة، بل نهج مستدام للدولة الوطنية.

انتقال الدولة من الرعاية إلى المأسسة

ثمة تحول عميق يعرض في "دافوس"، وهو انتقال الدولة من دور المنفذ المباشر والراعي الوحيد للمشاريع، إلى دور المنسق والمؤسس الذي يفتح المجال للقطاع الخاص. فتسليم حزم كاملة من مشاريع الرؤية للقطاع المحلي والدولي دليل على نضج البيئة التنظيمية. هنا تعيد الدولة تعريف ذاتها كجهة منظمة تضمن الحوكمة والعدالة التنافسية، مما يفتح الباب أمام توزيع جديد للأدوار بين الجهاز البيروقراطي ورجال الأعمال.

السعودية لم تعد تسعى للحجز في مقعد الدول الكبرى فحسب، بل تشارك بفاعلية في قيادة الحوار حول مستقبل الإنسانية، متسلحة بشرعية الإنجاز وقوة البيانات وعمق التحول الاجتماعي

هذا التحول يقلل من الاتكالية التاريخية على الدولة، ويخلق مجتمعا اقتصاديا قادرا على المبادرة والابتكار. في جلسات "دافوس"، كان التركيز السعودي منصبا على كيف يمكن للقطاع الخاص أن يقود المرحلة الثالثة من الرؤية، مما يعزز فكرة الاقتصاد المتنوع والمستقر الذي لا يهتز بتقلبات الميزانية الحكومية.

يمثل حضور السعودية في "دافوس 2026" مرآة تعكس الذات السعودية الجديدة للعالم وللمواطن على حد سواء. إنها تجربة فريدة في هندسة الدولة والمجتمع، تحاول الموازنة بين متطلبات الحداثة والخصوصية الثقافية. من خلال تبني العقلانية المؤسسية، واستثمار التقنية في تجاوز البيروقراطية، وإعادة صياغة الهوية الوطنية، تضع المملكة نفسها كنموذج رائد للدول الطموحة في الجنوب العالمي.

لم يعد "دافوس" بالنسبة للرياض محطة سنوية فحسب، بل مختبر لقياس نجاح السردية الوطنية واختبار قبول العالم للنموذج السعودي الجديد.

مع استمرار هذا الزخم، تترسخ قناعة بأن السعودية لم تعد تسعى للحجز في مقعد الدول الكبرى فحسب، بل تشارك بفاعلية في قيادة الحوار حول مستقبل الإنسانية، متسلحة بشرعية الإنجاز وقوة البيانات وعمق التحول الاجتماعي. هذا المسار، بتحدياته وفرصه، يبقى المشروع المهم في تاريخ المملكة الحديث، والذي سيكتب فصلا جديدا في سوسيولوجيا التنمية العالمية.

font change

مقالات ذات صلة