مرصد الأفلام... سينما يوسف شاهين في مئوية ميلاده

Lina Jaradat
Lina Jaradat
يوسف شاهين

مرصد الأفلام... سينما يوسف شاهين في مئوية ميلاده

تحتفي السينما المصرية والعربية هذه الأيام بذكرى مئوية ميلاد المخرج الكبير يوسف شاهين (25 يناير/ كانون الثاني 1926 – 27 يوليو/ تموز 2008). وفي هذه المناسبة نخصص "مرصد الأفلام" للتذكير ببعض أفضل أعماله.

"باب الحديد"

سيناريو: عبد الحي أديب

إنتاج: جبرائيل تلحمي

بطولة: هند رستم، فريد شوقي، يوسف شاهين

ينظر إلى فيلم "باب الحديد" (1958) بوصفه واحدا من أكثر أفلام السينما المصرية خصوصية، لا لأهميته التاريخية وحدها، بل لكونه محطة انتقالية مبكرة في سينما يوسف شاهين. واذا كان شاهين تأثر فيه بواقعية الايطالي الشهير فيتوريو دي سيكا في "سارق الدراجات الهوائية" (1948)، كما صرح سابقا، فلا شك في أنه برع في خلق واقعيته الخاصة الممزوجة بمناطق سحرية تتأرجح بين الحسية والشاعرية، بما يسمح بدمج الهم الشخصي بالهم المجتمعي، إذ لا يكتفي برصد الواقع، بل يعيد تخييله، من خلال تحويل المكان، محطة القطار، إلى مسرح نفسي تتوالى داخله الرغبات الخفية للشخصيات، وفي مقدمهم قناوي، كما تتوالى القطارات.

من خلال سيناريو بسيط ومغامر لعبد الحي أديب، كسر يوسف شاهين نمط الدراما الآمنة، متجها إلى منطقة أكثر هشاشة وقلقا، حيث غزل عالمه النفسي برهافة لم تتكرر كثيرا في مسيرته اللاحقة، ومن طريق شخصية قناوي، استطاع شاهين تحقيق حلمه القديم في التمثيل بتجسيد مميز غير مسبوق، كان كفيلا ترسيخ صورته في أذهان المشاهدين، على خلاف ما هو معتاد مع المخرجين وغيرهم في ثقافتنا السينمائية، فكثيرا ما تختزل الأفلام في النجوم أمام الكاميرا. ولذلك يعتبر "باب الحديد" الأشهر بين أفلام يوسف شاهين، جماهيريا على الأقل.

من طريق شخصية قناوي، استطاع شاهين تحقيق حلمه القديم في التمثيل بتجسيد مميز غير مسبوق، كان كفيلا ترسيخ صورته في أذهان المشاهدين

على أن ثمة ملمحا آخر، ربما لم ينتبه إليه شاهين نفسه، يحضر كأحد تمثلات الذاتية في مشروعه السينمائي، فقناوي لا يتشابه معه على مستوى تلعثم الكلام فحسب، بل يمكن قراءته كصورة رمزية للمخرج في مرحلة فارقة من حياته، بعد عدد من الأفلام لم تبتعد كثيرا عن الأساليب التقليدية، حتى وإن حاولت الاختلاف. في المقابل، تبدو هنومة تمثيلا للسينما ذاتها، لا سيما وهي سينما تنتصر للتجاري والجماهيري من الأفلام، بحبها لـ"أبو سريع" فريد شوقي، أو "ملك الترسو"، في الوقت الذي تسخر فيه وتستهين بسينما مأزومة تبحث عن صوتها الخاص، متمثلة في قناوي، المختل ذهنيا.  

ملصق فيلم "باب الحديد"

في هذا المعنى، يصبح عرج قناوي معادلا بصريا ونفسيا لهواجس شاهين نفسه، خوفه وقلقه وربما شعوره بالعجز، أمام حلمه في ابتكار لغة سينمائية مغايرة، لم تكن تبلورت تماما بعد، وخصوصا أن الفيلم، رغم الأهمية التي يحظى بها اليوم، لم يحقق نجاحا يذكر وقت عرضه، الى الدرجة التي اضطرت البعض إلى تحطيم صالة العرض، اعتراضا على ما شاهدوه. وكما يروي الماكيير محمد عشوب، أقدمت مجموعة من محبي فريد شوقي حينها على إرسال خطاب إلى منزله يعرضون استعدادهم لمساعدته ماديا إن كان دافعه لقبول فيلم كهذا هو الحاجة، مختتمين الرسالة بعبارة قاطعة لا تخلو من العشم، "متعملش كدا تاني".

لم يشفع للفيلم وجود اسمين من أشهر نجوم الشباك آنذاك، حيث خرج الجمهور مصدوما، سواء من الصورة غير المألوفة لنجمته المحبوبة، هند رستم، أو من افتقاده الحكاية أو القصة كما تعوّد. هكذا يرسخ شاهين الإحساس بالصدمة رفيقا دائما في علاقته مع جمهوره، لا سيما أن هناك سابقة وقعت في فيلم "صراع في الوادي" (1954)، حين نفذ حكم الإعدام في الشيخ صابر (عبد الوارث عسر) رغم يقيننا ببراءته، على خلاف المعتاد في مدرسة الواقعية.

  

"إسكندرية ليه"

سيناريو: محسن زايد، بمشاركة المخرج

إنتاج: أفلام مصر العالمية

بطولة: محسن محيي الدين، محمود المليجي، محسنة توفيق، فريد شوقي 

ولد يوسف شاهين في 25 يناير/كانون الثاني سنة 1926 في مدينة الإسكندرية، المدينة التي ارتبط بها عاطفيا وفكريا وكانت البطل الرئيس في سلسلة أفلامه الذاتية، بدءا من "اسكندرية ليه" (1978)، مرورا بـ"حدوتة مصرية" (1982) و"اسكندرية كمان وكمان" (1989) وصولا إلى ختام الرباعية بفيلم "اسكندرية نيويورك" (2004)، الجزء الأضعف في السلسلة. غير أن شاهين لم يلجأ إلى نموذج الرباعية بوصفه بناء دراميا فحسب، بل أعاد تفكيكه سينمائيا في صورة شبة دائرية، تنتهي بالحنين إلى فترة التكوين كما بدأت، جاعلا من الإسكندرية ذاكرة تتسع للهم الشخصي والجمعي على حد سواء.

صنع شاهين رباعيته على هدى مشاريع سردية شهيرة تغنت بالمكان في بناء عالمها السردي، حيث تتحول المدينة إلى فضاء متعدد الأصوات والهويات

في "اسكندرية ليه"، ينطلق شاهين من الافتراض الشكسبيري، "أكون أو لا أكون"، متتبعا فترة المراهقة، أرض التكوين الخصبة، حيث الأحلام الأولى تتشكل داخل مدرسة فيكتوريا الثانوية، قبل أن ينتقل لدراسة السينما في معهد باسادينا في كاليفورنيا. نلاحظ أن شاهين استعان بعدد استثنائي من الممثلين في لبنة سيرته السينمائية، بداية من نجوم المستقبل حتى عميد المسرح العربي يوسف وهبي، لتأكيد كوزموبوليتانية المدينة. وهو لا يعيد تقديم المكان من خلال تعدد الأصوات فحسب، بل عبر تحولات الذات نفسها، ذات المخرج التي تكبر بمرور الوقت، تراجع أحلامها في ما يشبه رحلة استكشاف مغلقة، تعيد النظر حتى في علاقتها بالسينما التي تتحول إلى إطار فضائحي، يدين من خلاله نفسه ومجتمع المثقفين الذي ينتمي إليه.  

ملصق فيلم "إسكندرية ليه"

في مشهد دال من فيلم "حدوتة مصرية"، تخبر "هنومة" الحقيقية يحيى/شاهين أن علاقته معهم لا تتعدى صنع الروايات، لكنها تؤكد في الوقت ذاته، انها روايات غير حقيقية، مثل المرهم الأسود الذي يستعين به في المكياج لتلطيخ وجه... "لكن احنا لينا الزفت بحق وحقيقي"، وفي مشهد آخر من فيلم "اسكندرية كمان وكمان"، يسب شاهين الجمهور ساخرا منهم: "يلعن أبوكوا"، ربما وجد قطاع كبير في ذلك تعاليا من المخرج لا يقل عن سينماه، في حين أثنى قطاع آخر على جرأة شاهين في إدانته المباشرة لذاته، إزاء تخليه عن مساعدة هنومة أو سخريته من الوعي الشعبي، إذا جاز التعبير.  

صنع شاهين رباعيته على هدى مشاريع سردية شهيرة تغنت بالمكان في بناء عالمها السردي، مثل "رباعية الإسكندرية" للورنس داريل، حيث تتحول المدينة إلى فضاء متعدد الأصوات والهويات، كما قد يعاد تشكيلها من جديد بوصفها كائنا حيا يخضع لنسيج ثقافي متغير.

"إنت حبيبي"  

سيناريو:  أبو السعود الإبياري

إنتاج:  أفلام فريد الأطرش

بطولة: شادية، فريد الأطرش، هند رستم

كثيرا ما كان يوسف شاهين يستلهم السينما الهوليوودية، سواء على المستوى البصري، عبر التلاعب الدرامي بالضوء والظل والاعتماد على لقطات نشطة وحركة كاميرا متوترة، أو من خلال البناء المركب والإيقاع السريع للمونتاج، الذي يصل أحيانا إلى حد اللهاث. في السياق نفسه، نجد أن تجربته السينمائية تميزت بحضور موسيقي بارز، لعبت فيه الاستعراضات الراقصة إلى جانب الأغاني دورا كبيرا في التوظيف الدرامي للأحداث.

وكما هو معروف، احتفت هوليوود على مدار تاريخها بالسينما الاستعراضية والغنائية، ذلك النموذج البكر في علاقة يوسف شاهين الأولى بالسينما. من هنا، لم يكن غريبا أن يهدي فيلمه "اليوم السادس" (1986) إلى نجم هوليوودي شهير جمع بين الغناء والتمثيل والاستعراض، أو كما كتب في التتر: "إلى جين كيلي... الذي ملأ أيام شبابنا بهجة". في الفيلم نفسه، يتشارك شاهين مع الشاعر صلاح جاهين كتابة أغنية "حدوتة حتتنا" من ألحان عمر خيرت. الأكثر من هذا، قيامه بالغناء في أوبريت "الاله" من فيلم "اسكندرية كمان وكمان" (1989)، إلى جانب أدائه لبعض الرقصات، كاشفا عن علاقة حميمية مع الاستعراض، لا باعتباره نوعا سينمائيا فحسب، بل كجزء من سيرته الفنية والوجدانية.

كان لافتا أن تشكل الأفلام الغنائية نحو ثلث نتاج شاهين السينمائي، إذ تعاون خلالها مع كبار مطربي عصره مثل ليلى مراد وفريد الأطرش وفيروز

على مدار 58 سنة، غزل يوسف شاهين رصيده السينمائي عبر نحو أربعين فيلما، من بينها مجموعة من الأفلام القصيرة والتسجيلية أشهرها، "القاهرة منورة بأهلها" (1991). كان لافتا أن تشكل الأفلام الغنائية نحو ثلث نتاجه السينمائي، إذ تعاون خلالها مع كبار مطربي عصره، بدءا من ليلى مراد في فيلم "سيدة القطار" (1952)، الذي قدمت فيه ست أغنيات، من بينها "من بعيد يا حبيبي بسلم". وفي منتصف الستينات خاض تجربة مغايرة مع فيروز في "بياع الخواتم" المأخوذ عن الأوبريت الشهيرة للأخوين رحباني، اللذين كتبا السيناريو أيضا، وفيه تغني فيروز أكثر من عشر أغنيات، من ضمنها، "يا مرسال المراسيل" و"تعا ولا تجي"، و"يا بياع الخواتم".

كذلك يأتي فيلم "عودة الابن الضال" (1976) محملا مجموعة من الأغنيات المميزة صاغها صلاح جاهين شعرا، وجسدها شاهين بوعي بصري ومسرحي مازجا بين الأوبريت ("الشارع لنا")، والأداء الفردي ("مفترق طرق")، إلى جانب ما يمكن اعتباره إرهاصات مبكرة لشكل "الفيديو كليب"، كما في أغنية "باي باي يا مدرستنا".

ملصق فيلم "إنت حبيبي"

انطلق فيلم "انت حبيبي" (1957)، كما هو شائع، من فكرة طرحها فريد الأطرش في إحدى الجلسات، عن رجل يجري في الشارع بينما يطارده المارة وهو يستعطفهم "هيجوزوني". الفكرة التي نسج من خلالها أبو السعود الإبياري واحدا من أخف السيناريوهات وأكثرها رشاقة في تاريخ السينما المصرية، تخللتها مجموعة من الأغنيات الجميلة لشادية وفريد الأطرش يأتي في مقدمتها الدويتو الشهير "يا سلام على حبي وحبك".

رغم ذلك، لم يرض يوسف شاهين عن الفيلم، ولا عن تجربته اللاحقة مع البطل ذاته، المنتج في الوقت نفسه، في فيلم "ودعت حبك".  

"الناصر صلاح الدين"   

سيناريو:  عبد الرحمن الشرقاوي، بمشاركة المخرج

إنتاج:  لوتس فيلم، المؤسسة المصرية للسينما

بطولة:  أحمد مظهر، نادية لطفي، حمدي غيث، زكي طليمات

لم تنفصل سينما يوسف شاهين عن التاريخ في مختلف تمثلاته الزمنية، مع هذا، لم يتجاوز رصيده من الأعمال ذات الموضوعات التاريخية سوى خمسة أفلام، بدأت بفيلم "جميلة بو حريد" (1958)، ويتناول فيه حياة المناضلة الجزائرية الشهيرة، لتنتهي التجربة عام 1997 بفيلم "المصير"، وفيه يتتبع نضالا من نوع آخر للفيلسوف ابن رشد. عرض الفيلم ضمن احتفالية "مهرجان كان السينمائي" باليوبيل الذهبي، الدورة التي شهدت تكريم يوسف شاهين كأول مخرج مصري وعربي بالجائزة الكبرى عن مجمل أعماله. بدأ شاهين رحلته في مهرجان كان مع فيلم "ابن النيل" 1951، ثالث أفلامه، وعبر مشواره الفني، شارك في دورات المهرجان بعشرة أفلام، منها "الوداع يا بونابرت" (1984)، كذلك "المهاجر" (1994)، الفيلم الذي واجه شاهين بسببه واحدا من أكثر صراعاته مع مؤسسات الدولة، وصل إلى حد اتهامه بازدراء الأديان.

ينحاز فيلم "الناصر صلاح الدين" (1963) إلى البعد الملحمي في بنائه البصري، من خلال المشاهد الجماعية الواسعة، وحركة الكاميرا الهندسية، فضلا عن الموسيقى التفاعلية التي تكرس صورة الظرف التاريخي. على الرغم من المباشرة في خطاب الفيلم، فليس من المغالاة اعتباره ذروة التجربة التاريخية في سينما يوسف شاهين، إذ جسد من خلاله أسئلة اللحظة السياسية الراهنة للحقبة الناصرية، وذلك من طريق استدعاء شخصية صلاح الدين في شكلها التاريخي ولكن بأفكار معاصرة، لا تتعامل مع صورة القائد العسكري كأسطورة، بل كرمز أخلاقي وإنساني، يتجلى هذا في عدد من المشاهد من بينها، موقفه في التسامح مع الأسرى، أو رفضه التآمر على ريتشارد قلب الأسد.  

جسد من خلال "الناصر صلاح الدين" أسئلة اللحظة السياسية الراهنة للحقبة الناصرية، وذلك من طريق استدعاء شخصية صلاح الدين في شكلها التاريخي ولكن بأفكار معاصرة

على خلاف كثير من الأفلام التاريخية العربية التي تكتفي بإعادة إنتاج السرديات الرسمية، يحاول شاهين أن يوسع زاوية الرؤية عبر شخصيات هامشية أو مختلقة، إلى جانب تقديم شخصيات بصياغات درامية تضخم بعدها الرمزي والإنساني، مثل عيسى العوام.

ملصق فيلم "الناصر صلاح الدين"

بهذا، يؤكد المخرج أن التاريخ ليس حكرا على العظماء وحدهم، بل نتاج الفعل الجماعي، الذي تتقاطع فيه مصائر الأفراد مع المشروع الأكبر. لذلك، لا يمكن فصل الفيلم عن سياقه السياسي في الستينيات، حيث ينعكس بوضوح خطاب القومية العربية، خاصة في تأكيد أهمية وحدة الصفوف في مواجهة العدو، مقابل إدانة الانقسام الداخلي أو الخيانة.

"العصفور"

سيناريو:  لطفي الخولي، بمشاركة المخرج

إنتاج:  أفلام مصر العالمية، أونسيك

بطولة: سيف الدين، صلاح قابيل، محسنة توفيق، محمود المليجي، صلاح منصور

تعامل يوسف شاهين مع السياسة بمفهومها الأوسع، الذي لا يقتصر على المباشر أو الخطابي الموجه، إذ لا يخلو أي فعل، صغيرا كان أو كبيرا، من دلالة سياسية، سواء عبر المواجهة الصريحة أو من خلال الترميز والاستعارة. من هنا، لم تخل غالبية أفلامه من نزعة سياسية أو من صدام متكرر مع الأنظمة الحاكمة، وفي مقدمتها يأتي النظام الناصري نفسه، بعد أن كان شاهين في مرحلة سابقة أحد مروجي خطابه القومي.

رغم هذا، ينهي فيلمه "العصفور" (1972) بالنداء الشهير لبهية، محسنة توفيق، "حنحارب.. حنحارب"، وفي الوقت نفسه نشاهد محمود المليجي في لقطة عابرة يحرر العصفور من قفصه، وذلك عقب إعلان جمال عبد الناصر تنحيه عن الرئاسة في التاسع من يونيو/حزيران بعد نكسة 67. بهذا التوازي الدلالي، يدين شاهين النظام المتمثل في صورة الفرد، القائد، وفي الوقت نفسه ينحاز إلى الجماعة بوصفها المحرك الرئيس للمقاومة.

ينطلق الحدث الدرامي في "العصفور"، من مهمة القبض على "أبو الخضر"، أحد مطاريد الجبل من الخارجين عن القانون، الذي يستخدمه مجهولون للتعتيم على جرائم فساد مالي تتعلق بمصانع القطاع العام، حيث يخرج الصحافي، يوسف (صلاح قابيل)، لمتابعة الحدث فتتكشف له الخيوط المخفية لحزمة من الجرائم الجماعية. وهو ما يتماس قليلا مع قضية فيلم "اللص والكلاب" (1962)، تلك الحادثة الشهيرة لأحد المجرمين، سعيد مهران، التي حولها نجيب محفوظ إلى قصة سياسية لا تخلو من البعد الفلسفي.

الفيلم رؤية سينمائية مشتركة لـلطفي الخولي ويوسف شاهين، وكما يقول التتر، شارك شاهين الإخراج كل من علي بدرخان ونذري عزيزي. على الرغم من تعرضه للمنع الرقابي، وما أثير حول مخرجه من اتهامات بالإساءة إلى سمعة مصر، لم يسع الفيلم إلى تقديم إجابات جاهزة أو أحكام قطعية، بقدر ما انشغل بطرح أسئلة مركزية حول مواضع المسؤولية وتعدد تمثلاتها. إذ لا يوجه السؤال إلى السلطة أو النظام وحدهما، بل إلى المجتمع بأسره.

لم يسع الفيلم إلى تقديم إجابات جاهزة أو أحكام قطعية، بقدر ما انشغل بطرح أسئلة مركزية حول مواضع المسؤولية وتعدد تمثلاتها

على أن اتهاما مباشرا لا يخفيه شاهين يتبدى منذ اللحظات الأولى، حين يستعرض في تتر الفيلم مجموعة من العناوين الرئيسة المتفرقة في الصحف اليومية، كاشفا عن الدور الذي لعبه الإعلام المضلل، أو المسخر من قبل الأنظمة.

ملصق فيلم "العصفور"

بداية من "تكريم قواتنا المسلحة" في "الأهرام"، وعنوان آخر يشير إلى اختفاء أبو خضر ومقتل الخفير، إلى جانب عناوين الأخبار الرئيسة: "اسرائيل تصرخ: العرب يريدون القاءنا في البحر"، "اللصوص الشرعيون وراء أبو الخضر"، وصولا إلى العنوان الأكثر دلالة وسخرية: "الساعات المجيدة التي تعيشها كل الأمة العربية". بهذا التمهيد، يضع شاهين الإعلام في قلب المسؤولية، بوصفه شريكا أساسيا في صناعة الوهم الجماعي.

"الأرض"

سيناريو:  حسن فؤاد

إنتاج:  المؤسسة المصرية للسينما

بطولة:  نجوى إبراهيم، عزت العلايلي، محمود المليجي

بدأ يوسف شاهين رحلته السينمائية من تخوم الخيال واللامعقول، فيلم "بابا أمين" (1950) وفيه تعود روح الأب، حسين رياض، لمتابعة أفراد أسرته بعد موته. مع تطور التجربة، وصمت سينما شاهين بالنخبوية، وأحيانا بنخبوية النخبة، وبعجز المتفرج العادي عن استيعاب عوالمها الدلالية، بما في ذلك عدد كبير من أرباب الصنعة أنفسهم، حتى أن فنانة استثنائية مثل سناء جميل عبرت في تصريح شهير عن عدم قدرتها على فهم سينماه، رغم مشاركتها له بطولة أحد أفلامه شبه المنسية، "فجر يوم جديد" (1965)، الأقل تداولا في مسيرته الاخراجية.

 Lina Jaradat
يوسف شاهين

غير أن هذا التصنيف، على شيوعه، يتهاوى أمام تجربة فيلم مثل "الأرض" (1969)، الذي خاض فيه شاهين واحدة من أكثر التجارب واقعية وتماسكا، ليس على مستواه الشخصي فحسب، بل بوصفه علامة بارزة من مدرسة الواقعية في السينما المصرية، حيث شهدت أفلام عقدي الخمسينات والستينات طرحا سياسيا لافتا انطلق من الخطاب الجماعي، مثل "رد قلبي" و"الأيدي الناعمة" و"القاهرة 30"، إلى جانب فيلم "الأرض" المأخوذ عن قصة بالعنوان نفسه لعبد الرحمن الشرقاوي.

 السيناريو من تأليف حسن فؤاد، أما البطولة فتضم فريقا كبيرا من بينهم: نجوى إبراهيم وعزت العلايلي ومحمود المليجي ويحيى شاهين وحمدي أحمد وتوفيق الدقن وعلي الشريف، في أول ظهور له على الشاشة.

خاض في "الأرض" واحدة من أكثر التجارب واقعية وتماسكا، ليس على مستواه الشخصي فحسب، بل بوصفه علامة بارزة من مدرسة الواقعية في السينما المصرية

هنا تحديدا، يتخلى شاهين عن التراكيب الذهنية، وعن التجريب الشكلي الصارخ، لصالح واقعية تنصت إلى الجماعة وتسخر الكاميرا لتوثيق الأوجه المختلفة لصراع الفلاحين مع القهر والاستغلال، حيث تتحول الواقعية من أسلوب إلى موقف، ومن اختيار جمالي إلى ضرورة أخلاقية ربما، توجت بمشهد النهاية الشهير الذي يعد إحدى أيقونات المشاهد السينمائية، حيث يجر محمد أبو سويلم، على الأرض دفاعا عن حقه، على خلفية أغنية "الأرض لو عطشانة"، في صورة تختزل الصراع بأكمله. قام بتجسيد الدور الفنان الكبير محمود المليجي، الذي أصر على أن يجر فعليا أمام الكاميرا، إيمانا منه بحقيقة اللحظة وصدقها، وهو ما تسبب في إصابته في النهاية.

ملصق فيلم "الأرض"

في عام 2007 قدم يوسف شاهين آخر أفلامه، "هي فوضى"، بمشاركة تلميذه المخرج خالد يوسف، ولم يمض عام حتى رحل في السابع والعشرين من يوليو/تموز عن عمر ناهز الثمانين عاما. وعلى الرغم من افتقاد الفيلم، في مجمله، ملامح أسلوب شاهين إلا نادرا، يبقى أداء الفنان الراحل خالد صالح في تجسيد شخصية أمين الشرطة أبرز ما فيه، وربما أجمله. 

font change

مقالات ذات صلة