مثلث تانيت

مثلث تانيت

استمع إلى المقال دقيقة

يتصدّر المثلث نسق الأشكال في الحلي الأمازيغي، حدّ أن رمزيته الكبرى اختصت بها علامة "الخلالة" أو "تزرزيت"، وهي محض دبوس من الفضة، تعلوه دائرة صغيرة، يخترقها سهم إلى الأعلى، وغالبا ما تتسلح بها المرأة، في أبدع الأزياء، منها الأبهى على الإطلاق "تاسبنيث".

يغدو مثلث "الخلالة" أو "تزرزيت"، رمزا لموجز تاريخ الحلي الأمازيغي، أو عنوانه المختصر، مبنى ومعنى، وبتعدد طرائق هندسته وتلوينه، لا يخرج عن علامته البكر، كمثلث جامع، تحتشد فيه أعتق المدلولات، وفق سيرورة متشعبة التنوع، منها ما ينتمي لما هو أسطوري وتاريخي وعرقي وديني وأنثروبولوجي، ومنها ما ينتمي لما هو جمالي وفني وثقافي واجتماعي.

ويتعدّى حضور المثلث الدامغ، كثافته الرياضية، ليصبح بنية رمزية، يتعالق فيها الميثولوجي بالواقعي، والتاريخي باليومي، والسيميائي بالشعري، والفلسفي بالفني، بدءا بقياسه التقليدي في علم الزوايا، مرورا بجبريات واحتمالات باسكال، ومتغيراته مع "طفرة بنروز" التي تحاول اختبار حدود الإدراك الإنساني بالاحتكام إلى المنطق الهندسي، وهذا من نجد له تأصيلا في الفن التشكيلي بالنظر إليه كأداة تركيبية، تضفي على العمل توازنا أو تسبغ عليه توترا بصريا، حدّ أن دافنشي اعتمد تكوينه المركزي، لترسيخ الثبات، وإحداث التناغم البصري، واستندت مجمل شخصياته إلى محوره الثلاثي، لبناء علاقات ذات نسق فضائي، دينامي، بالغ التوازن.

كذا نلفي المثلث في العمارة، كشكل هرمي، يتعدى حدود المحلي للكوني، كرمز للخلود الفرعوني مثلا، وفي الثقافات العريقة، لازم معناه عنصري النار والماء معا، يضمر قوى الطبيعة، ويتفرد بالخصوبة إذا ما قورن بالأنثى.

ولأن المثلث وفق فيثاغوروس هو أحد الأشكال الهندسية الأكثر إعرابا عن انسجام الكون، بالاستناد إلى العدد والنسبة، فسيتحول فلسفيا إلى ترميز يحيل على الجسد والعقل والروح، بالمقابل، يحيل زمنيا على الماضي والحاضر والمستقبل.

لا ينسلخ المثلث عن رؤية إنسانية نحو الأشياء، من أقانيمها الكون والسلطة والوجود. وهذا التدرج في نسق المثلث، بكامل تعدده في الثقافات الإنسانية، يظل مشتركا فيما بينهما، كيفما كانت الفوارق دامغة.

المثلث ليس محض علامة عن سلوك طقوسي للزينة، بل هو جزء راسخ من منظومة رمزية متكاملة

ولعلّ ما يجعله أكثر خصوصية في النسق المغربي الأمازيغي، بالذات الحلي المحتكم إلى الفضة، هو ارتباطه الأولي بالإلهة الأمازيغية "تانيت"، إذ هو رمزها أو علامتها البكر في شمال أفريقيا، مثلث مقلوب، فوقه دائرة، يخترقها خط إلى أعلى، يتطابق مع الأنوثة في بعده الأولي الموثوق بالخصوبة، ويغدو تميمة كبرى للحماية.

سيغادر المثلث هندسته المجردة هذه، ليضاعف من رمزيته الواقعية، داخل أساليب العيش والفن معا، إذ يقترن بالولادات المتجددة، كونه يتماهى مع الرحم، ويؤشر على الحياة المستمرة، مع ثبات وتجذر، بالنظر إلى شكله المتجه نحو الأسفل، أكثر من ذلك هو حصانة توجز أنماط الحماية، بالنظر إليه كدبوس.

وغير الدبابيس، نلفي له أشكالا متعددة، تختص بها الأقراط، والقلائد، وأغلبها فضة، لأن هذه أقدس من الذهب في الحلي الأمازيغي، وفق المعتقد الذي يجعل من الفضة معدنا للحماية والنقاء.

ومع ذلك، هناك أشكال جنحت إلى تلوينه، بالرهان على أربعة ألوان هي الأحمر والأخضر والأزرق والأصفر، هي في المضمر ألوان الفصول الأربعة.

وبقدر ما تتدجج المرأة في حليها بالمثلثات، بقدر ما تغدو محصنة بدروع واقية، ضد قوى الشر المتربصة من جهة، ومن جهة هي عتيدة بقوة خارقة، يتناغم فيها جمالها بمقاومتها، هويتها باستمراريتها وخلودها، وهو لذلك، أي المثلث ليس محض علامة عن سلوك طقوسي للزينة، بل هو جزء راسخ من منظومة رمزية متكاملة.

لا تقتصر علامة "الخلالة" على الحلي، ونجد لها ظلالا في النسيج والوشوم، على نحو خاص، بالمقابل هناك شمولية المثلث على نحو عام تتسيّد بلاغة الرموز، وبيان العلامات الغائرة.

من الروحانية ذات العراقة والزخم الأزلي إلى أسلوب الحياة والفن معا، يتزاوج أثر المرأة بخصوبة المثلث، هذا الذي يوجز الوجود في ثلاثة أبعاد، في حوار رمزي متعدد، يتأرجح بين الإنساني والطبيعة، وهذا ما تفصح عنه إبداعية الحلي، الممهور بشيفرات تسمق فيه المرأة، وترسخ قيمة ومعنى في مركز تخصيب الدلالات، كما في مركز إنتاج المعنى والحياة.

المثلث والرؤية إلى الوجود عبر الرمز الأنثوي، يشمخ في بلاغة الحلي، كسفر تاريخي متشعب، كسيرورة للروحي والمادي، للمحلي والكوني، كقصيدة هندسية تكتب بالعلامة هوية الوجدان، خرائطية الجسد الشمال أفريقي، المتوسطي، فرادة وقداسة الرحم، الأرض، واستمرار الحياة، بالاحتكام إلى قوة الانتماء، وفاعلية التجدّد أو لانهائية الخصوبة.

اجترحت المرأة الأمازيغية نسقها الجمالي الخاص عن الوجود، إذ هندست علامتها البكر لتكون موجزا دلاليا لنمط حياتها

برمزية المثلث، اجترحت المرأة الأمازيغية نسقها الجمالي الخاص عن الوجود، إذ هندست علامتها البكر لتكون موجزا دلاليا لنمط حياتها، وقد أضفت عليه معنى، يتجاور فيه ما هو أسطوري بما هو وجودي، وما هو فلسفي بما هو شعري، ما هو رمزي بما هو واقعي، ضمن فن من فنون إبداعها في الحلي خاصة، معدن الفضة بالذات، وفي النسيج والوشوم عامة.

وهذا ما رسخ واستمر وتجدد في طقوس العيش، حدّ أن شكلا من أشكال مثلثات الحلي الخالدة، المشار إليه آنفا، وهو "الخلالة"، أصبح العلامة الدالة على الكينونة الأمازيغية، أمومة، وخصوبة، وامتدادا طاعنا في الأبد.

font change