وأخيرا اقترب البلدان سوريا ولبنان من حل أولى المشكلات العالقة بينهما، واقترب توقيع الاتفاق بين الدولتين على نقل المحكومين السوريين في السجون اللبنانية إلى السلطات السورية، على أن يتم لاحقاً حل ملف الموقوفين أو الملاحقين أمام القضاء السوريين في لبنان، وبعضهم مضى على توقيفه أكثر من عشر سنوات دون أن يُعرض على القضاء اللبناني.
بات المعتقلون المحكومون على خلفية الثورة قاب قوسين أو أدنى من الحرية التي سبقهم إليها أقرانهم السوريون منذ أكثر من عام.
بين البلدين الكثير من الملفات العالقة، ولكن الرئيس السوري أحمد الشرع وضع هذا الملف الإنساني كأولوية قبل البدء بأي حديث جدي عن تعاون اقتصادي وسياسي، كذلك تعاون الجانب اللبناني لحل هذا الأمر بما لا يتعارض مع سيادته وقوانينه، الأمر الذي لاقى تفهماً سورياً رسمياً.
إضافة إلى الجانب الإنساني للملف، فإن أهميته تكمن أيضاً بتحقيق خرق سياسي في العلاقة بين الدولتين، العلاقة التي شابها الكثير منذ الاستقلال إلى اليوم، وتحديداً مرحلة الوجود العسكري السوري في لبنان ومن ثم التدخل العسكري لـ"حزب الله" في سوريا.
يُدرك الجميع في سوريا ولبنان كما في العالم العربي والغربي أن الدولتين اليوم أمام فرصة تاريخية لن تتكرر لإقامة علاقات جيدة وندية
يُدرك الجميع في سوريا ولبنان كما في العالم العربي والغربي أن الدولتين اليوم أمام فرصة تاريخية لن تتكرر لإقامة علاقات جيدة وندية، كما يدرك الجميع حجم التحديات داخل الدولتين وبينهما، ولكن كما يقول المسؤولون في كلا البلدين اليوم هناك "إرادة سياسية" جدية لمعالجة شوائب الماضي والتطلع نحو مستقبل أفضل للدولتين وشعبيهما مع احترام سيادة واستقلال كل دولة للأخرى.
لن يكون الأمر سهلاً بطبيعة الحال، ليس فقط بسبب صعوبات الملفات الواجب حلها، بل أيضاً بسبب المتضررين من تحسن العلاقة على جانبي الحدود، ويمكن للمراقب أن يتابع ما بات يُعرف بملف الفلول في لبنان ليُدرك حجم من يحاولون عرقلة إقامة علاقة متوازنة بين البلدين.
ما يُطرح اليوم على الإعلام السوري واللبناني وعلى منصات التواصل الاجتماعي بخصوص هذا الملف يفتقد في كثير من الأحيان إلى المصداقية، وكأن البعض يحول أحلامه وأمنياته وحتى توجهاته السياسية إلى تسريبات ومعلومات.
بالنسبة للسوريين، كان لبنان قبل حكم الأسدين بالنسبة إلى سوريا هو البلد الذي تنطلق منه "المؤامرات" على سوريا، ومع وصول الأسد الأب إلى السلطة تحولت سوريا بتدخلها العسكري والسياسي المباشر والسافر في لبنان إلى بلد المؤامرات على لبنان، كما أن البعض ورغم معارضته لتلك الحقبة يرغب في إعادتها من منطلق الاستفادة، وهو ما ترفضه السلطة في دمشق وكرره الشرع أكثر من مرة حتى إنه أبدى في بعض الأحيان حساسية زائدة من الحديث عن لبنان كي لا يفهم البعض من كلامه أنه تدخل، قالها بوضوح نحن لسنا هنا ليستقوي طرف لبناني على آخر بنا.
لبنان وبسبب تركيبته السياسية والطائفية اليوم منقسم حول العلاقة مع سوريا، حتى لو كرر الجميع أمام الكاميرا أنه يرغب بأفضل العلاقات الندية، حتى إن البعض بات يرى أن لبنان تحول إلى منصة تحريض يومي على سوريا، ليس فقط من أصدقاء نظام الأسد الساقط ولكن حتى من بعض خصومه، فترى البعض على الشاشات يومياً يهاجم سردية "حزب الله" بما يتعلق بسلاحه وربطه بمصير الطائفة الشيعية، وفي الوقت نفسه يتبنى منطق "حزب الله" عندما يتعلق الأمر بسوريا والميليشيات الطائفية هناك.
ويرى بعض حديثي الموهبة في العمل السياسي في سوريا أن الحل يكمن في وضع هؤلاء بالسجون بسبب رأيهم، ولكن المنطق يقول إن الحل يكمن في إطلاق عجلة العلاقة بين البلدين، بحيث لا يبقى أثر لما يقوم به المحرضون.
حل ملف المحكومين السوريين ومن ثم الموقوفين في لبنان يجب أن يكون الخطوة الأولى بالتعاون الجدي بين الدولتين، والخطوة الأولى لبناء الثقة بينهما، فلا سوريا ولا لبنان اليوم يملكان ترف الانتظار ولا ترف عدم الاستقرار لتنفيذ أجندات لا تخدم مصلحة الدولة في كلا البلدين
هي فرصة يجب على العقلاء بكلا البلدين التمسك بها والانطلاق إلى مرحلة تعاون سياسي واقتصادي وثقافي يستفيد منها البلدان والشعبان بعيداً عن الإرث الثقيل الذي ورثه كل منهما من حقبة انتهت، وكل ما علينا فعله هو الاعتراف بأن تلك الحقبة انتهت ولا يجب أن يسمح أحد بتكرارها.