لم يكن عبدالله البردوني شاعرا عابرا في سجل الشعر العربي، ولا حالة استثنائية تخص اليمن وحده، إنما جاء امتدادا لسلالة نادرة من الشعراء العرب الذين فقدوا البصر، لكنهم امتلكوا من البصيرة ما مكنهم من اختراق الأزمنة، من بشار بن برد إلى أبي العلاء المعري.
ظل العمى في الثقافة العربية قرينا لرؤية أعمق، لا تُبصر الأشياء كما هي، إلى أن وقف البردوني في "مهرجان أبي تمام" الذي أقيم بالموصل عام 1971، ملقيا قصيدته "أبو تمام وعروبة اليوم" التي هي "عروبة البردوني" الذي لم يحضر لطلب الاعتراف بشاعريته، بل صوتا إنسانيا جاء ليضع العروبة نفسها موضع سؤال منهك يعيد الشعر إلى دوره الأصيل، ويساجل التاريخ أمام الشعوب.
في تلك الليلة بدا أن البردوني جاء إلى الشعر محمولا على العتمة، لا ليشكوها، بل ليحولها إلى نافذة. لم ير المدن العربية واليمنية بعينيه إلا بمقدار ستة أعوام صغيرة قضاها قبل أن يفقد بصره، مع هذا تحسس تاريخها المتعب، وظل يمشي داخل أزقة القصيدة كما يمشي الحكيم في خراب يعرفه جيدا، لا يندهش منه ولا يهادنه. وحين كتب عروبته لم يكتب ليُطرب، بل لينادي، فكانت كلماته أشبه بناقوس قديم يُقرَع في ليل عربي موجوع، ينعش الذاكرة بما حاولت نسيانه، ويعيد للغة دورها الأسمى في تحديد، وتحييد هوية وثقافة الشعوب.
والسؤال الأهم اليوم: ماذا لو أن البردوني غاب عن مهرجان الشعر في الموصل ذلك العام؟ ربما بقي شاعرا يمنيا كبيرا، حاضرا بقوة في سياقه المحلي، لكن دون تلك القفزة النوعية التي نقلته دفعة واحدة إلى قلب المشهد العربي، في لحظة كانت فيها المنابر الشعرية تصنع الشرعية الرمزية للأصوات الكبرى.
لكن البردوني حضر، لا بوصفه شاعرا لبى الدعوة، بل مسائلا للتاريخ العربي من داخل لغته وعبر متخيله الشعري. وعندما ألقى قصيدته الخالدة "أبو تمام وعروبة اليوم"، لم يكن يستعيد شاعرا عباسيا بوصفه رمزا بلاغيا، بل مرآة لواقع عربي مأزوم، تتنازع فيه الهوية والانكسار، وتفقد فيه اللغة يقينها القديم. ليخرج بعدها من الخريطة اليمنية إلى الفضاء العربي الرحب، لا عبر الخطاب المتعاطف معه، بل عبر دهشة الفكر وجموح الخيال. قصيدته تلك استقبلت يومها بالإصغاء، وهو أندر أشكال الاعتراف الثقافي، وأكثرها صدقا.
على ضفة أخرى أبعد بقليل من خريطة العراق كان اليمن بأكمله يتابع شاعره كأحد أهم المبصرين العرب. يمن بلقيس، حيث تتجاور الأسطورة مع التاريخ، وتتشابك القبيلة مع اللغة، حيث نشأ البردوني حاملا إرثا ثقافيا مُعقدا لا يخلو من الثقل والتناقض. بلد تتراكم فيه طبقات الزمن، الشعر فيه ليس ترفا جماليا، بل وسيلة فهم وبقاء، حيث في كل بيت أكثر من شاعر. والتقط البردوني ذلك التناقض الجميل مبكرا، وحوله إلى مشروع شعري كامل، جعل من القصيدة سجلا لليمن العميق ألغى منه المدائح والأيديولوجيات الجاهزة.
ولفهم أهمية البردوني وعروبته علينا استعادة ما كتبه عنه المفكر اليمني عبدالعزيز المقالح، أحد أكثر النقاد اقترابا من تجربته وفهما لمراحلها، وتحديدا في مقدمته لأعمال البردوني الكاملة التي شرح خلالها الكثير عنه لا من موقع الصداقة، بل كشاهد ثقافي على المرحلة، إذ جعله ضمير الشعر العربي واليمني، وصوتا كتب بلاده كوطني مخلص، قال عنه: "لقد توقف هؤلاء عند مستوى معين من الكتابة الشعرية، وتجمدت أذواقهم عند مراحل معينة ولم يدركوا أهمية التغيير ولم يظهروا شيئا من الاستجابة لنداء العصر ومؤثراته، في حين أدرك شاعرنا خطورة الوقوف عند مستوى معين مهما تحقق له عنده من شهرة ومعجبين ومقلدين".
في "أبو تمام وعروبة اليوم" لم يكن يستعيد شاعرا عباسيا بوصفه رمزا بلاغيا، بل مرآة لواقع عربي مأزوم، تتنازع فيه الهوية والانكسار
ولأن البردوني كان شاعر أفكار لا شاعر صالونات، فقد أثار الجدل بقدر ما حصد الإعجاب، حتى إن بعض الأدباء رأوا فيه "شاعرا قوميا" يفتقد الرهافة، بينما اعتبره آخرون "مفكرا شعريا" يكتب اللغة كما يكتب التاريخ. لكن في النهاية خلصت مجمل القراءات عن تجربته إلى أنه لم يكن مجرد صوت عربي يمر، بل صوت متفرد يترك بصمته الخاصة في قرائه.
ومع الأسماء الشعرية اليمنية المعاصرة ومقدار بصمتها في الشعر الحديث كعبدالعزيز المقالح، ومحمد عبدالسلام منصور، وأحمد الجابري، ومطهر الأرياني وغيرهم، إلا أن البردوني ظل الاسم الأكثر رسوخا في الذهنية العربية، والأصدق مخاطبة للهم العربي العام دون أن يفقد محليته. ولأنه جاء في لحظة تاريخية استثنائية، عاشت القصيدة خلالها في جو من النقاش السياسي والثقافي العربي، وكانت أحد أهم أدوات التكوين والهوية، كان آخر الخارجين من ديوان اليمن بمعناه الرمزي، وآخر شاعر استطاع أن يفرض اليمن على المشهد العربي بوساطة الشعر وحده، دون وسيط إعلامي.
عاش البردوني سنواته الأخيرة في حالة من الصمت الحاد المهيب، اختلط فيه الوعي الثقافي بالحزن الوطني. كان حاضرا في ذاكرة الوجدان العربي، وفي الوقت ذاته كان بعيدا عن ضجيج المشهد، مغلقا على نفسه كما يغلق الشاعر بابا لا يريد أن يدخل منه سوى من يستحق. لم يساوم على لغته ووطنه، ولم يخفف من حدة قصائده، بل ظل يكتب كأن العالم لا يزال بحاجة إلى أسئلة لم يجب عنها، ولم يعترف بالعمى في أي لحظة من حياته.
وبعد موته بسنوات ظهرت على الساحة اليمنية والعربية دواوين نسبت إليه، وأُعلن عنها على أنها "مخطوطات" أو "نصوص محفوظة" كان يعتزم نشرها لولا أن المنية وافته، لتتولى جهات ثقافية قريبة منه أو مؤسسات أدبية الإشراف على إصدار بعضها، بينما ظل بعضها الآخر موضوعا للجدل بين الباحثين والنقاد، خاصة في ما يتعلق بمدى صحة النسب الشعري للبردوني، وأسلوب التحقيق، وغياب معايير التوثيق العلمية التي تسند مثل هذه الإصدارات إلى المرحلة البردونية.
وبينما كان البعض يبرر التأخير لظروف سياسية وأمنية، أو بضعف إمكانات النشر في اليمن، رأى آخرون أن ثمة أسبابا أعمق، كتغير أولويات المشهد الثقافي، وصعود الخطاب الإعلامي على حساب النصوص، فضلا عن تعقيدات حفظ المخطوطات والتحقق منها في بيئة شعرية غير مستقرة.
ظل يكتب كأن العالم لا يزال بحاجة إلى أسئلة لم يجب عنها، ولم يعترف بالعمى في أي لحظة من حياته
وهنا يبرز السؤال: هل كنا أوفياء لإرثه بما يكفي؟ وهل كانت النصوص التي نُشرت بعده تعبيرا حقيقيا عن صوته، أم إنها جزء من محاولات لتثبيت اسمه في الثقافة اليمنية والعربية دون ضمانات نقدية أو أسلوبية تؤكد نسبها للبردوني من عدمه.