ماذا تبقى من البنيوية؟

ماذا تبقى من البنيوية؟

منذ ستينات القرن الماضي، صارت البنيوية أكثر من مجرد توجه فكري، غدت موضة ثقافية، وككل موضة، اجتاحت ميادين متعددة متنوعة: الفلسفة، والأنثروبولوجيا، والنقد الأدبي، واللسانيات، وعلم النفس، وصولا إلى الفكر السياسي. أسماء كبرى اقترنت بهذه "الحركة": كلود ليفي-ستروس، أ. جوليان غريماس، تزفيتان تودوروف، ميشيل فوكو، رولان بارت، جاك لاكان، لوي ألتوسير، لوسيان سوباغ... وغيرهم.

في قلب البنيوية، كان هناك رهان نظري: وهو أن اللغة، والثقافة، والأسطورة، والسلوك، كل هذه الظواهر تخضع لبنى غير مرئية، يمكن تحليلها كأنظمة، مستقلة عن الأفراد، وعن الحركة التاريخية.

كانت الثورة البنيوية في جوهرها ثورة على المعنى والقصدية والذات والتفسير التكويني، مستبدلة كل ذلك بـ"المنظومة"، و"البنية"، و"اللاوعي البنيوي".

منذ بدايات هذه "الحركة"، وحتى عندما كانت ما تزال في أوج ازدهارها، كان رولان بارت قد نبه إلى أن قضية البنيوية، رغم المظاهر، ليست هي البنية وما تثيره من إشكالات، وأنه "لا يكفينا الحديث عن بنيات النصوص لكي نكون بنيويين (...) وإلا فستكون البنيوية عريقة في القدم: فكون العالم بنية، وكون الأشياء والحضارات بنيات، هذا أمر عرفناه منذ زمن بعيد، أما الجديد فهو التمكن من الخلخلة".

قد يبدو غريبا، للوهلة الأولى، أن يصرف أحد أعمدة البنيوية ذهننا عن مفهوم البنية في تحديده للبنيوية، إلا أن هدفه، كما يبدو، هو أن يضع أصبعنا على أهم ما طبع تلك "الحركة"، التي لم تقتصر على مجال الأدب والفلسفة، وإنما امتدت لتطال ميادين الدراسات الإبستمولوجية والأنثربولوجية والتاريخية، وأهم ما طبعها في نظر صاحب "أسطوريات" هو طاقتها وقوتها على الخلخلة، وعلى زعزعة ما يعد ثابتا، طبيعيا، أو متماسكا.

ما كان يهم بارت، ليس البنية كمنظومة مغلقة، بل ما تحدثه البنيوية من صدع في الخطاب

ما كان يهم بارت، ليس البنية كمنظومة مغلقة، بل ما تحدثه البنيوية من صدع في الخطاب. كان يرى أن القوة الحقيقية للبنيوية تكمن في قدرتها على تفكيك البداهات، لا في بناء أنساق ومنظومات جديدة محلها. لذلك دعا إلى اعتبار كل تحليل "لعبة" مفتوحة أكثر من كونه وصفا لنظام مستقر. فلم يكن يهمه تفسير النص، بل ما يتولد عنه من أثر. ما شغله هو "الكتابة" أكثر من "المعنى".

فما تتيحه البنيوية، في نظره، ليس إرساء علم جديد، بل زعزعة علوم كانت تدعي رسوخها. البنيوية لا تبني قلاعا بل تفتح صدوعا، وتحدث شروخا. في هذا الإطار، يمكننا فهم انتقال بارت من مرحلة "علم العلامات البنيوي" إلى مرحلة "لذة النص"، حيث لا تظل اللغة منظومة، بل فضاء للعب، للانفلات، للهروب من كل بنية.

مجمل القول، إن ما قام به بارت لم يكن دفاعا عن البنية في صلابتها، بل عن قدرتها على الخلخلة، وعلى زعزعة ما يعد ثابتا، طبيعيا، أو متماسكا.

يمكن أن نتفهم موقف بارت هذا لكونه، بخلاف ليفي-ستروس أو لاكان، لم يكن بنيويا "عقائديا"، بل "بنيويا شغوفا بالهامش والانزياح واللعب"، ولهذا السبب ربما، كان من أوائل من "انشقوا" عن "الحركة" من داخلها.

فما الذي يبقى من البنيوية والحالة هذه؟ إنها موقف نقدي، وليست نموذجا تفسيريا، وهي أداة للتقويض، لا للبناء والتشييد. إنها حساسية تجاه البنيات الخفية، وليست إيمانا نهائيا بوجودها.

ما كان يهم صاحب "النقد والحقيقة" هو الجرأة النقدية التي تمخضت عن ظهور هاته الحركة التي لم تعمل فحسب على زرع نفَس جديد في ما كان يسمى "تاريخا للأدب"، وما كان يسمى "نقدا" أدبيا، وإنما مكنت أكثر الفلسفات إيمانا بالسلب والجدل والتناقض، من أن تعيد النظر في "ثوابتها". ولعل أهم تلك الثوابت هو مفهوم الجدل نفسه، وما يحيط به من مفهومات كالسلب، والتناقض والاختلاف.

لعل هذا هو ما جعلنا نجد أنفسنا، بعد "ضجة" البنية، أمام المفكرين أنفسهم تحت اسم آخر هذه المرة، هو "مفكرو الاختلاف"

كلنا يذكر أن المجد الذي عرفه مفهوم البنية ظل مقترنا بمفهوم آخر سيعرف فيما بعد ازدهارا كبيرا، ذاك هو مفهوم الاختلاف. وكلنا يذكر تلك العبارة التي كنا نلفيها عند أصحاب اللسانيات أو السيميولوجيا أو الأنثربولوجيا أو الإبستمولوجيا على السواء، والتي تؤكد أن "البنيوية تبدأ عندما نؤكد أن مجموعات متباينة يمكن أن تتقارب فيما بينها، لا بالرغم من اختلافاتها، بل بفضل تلك الاختلافات".

لا ينبغي أن ننسى أن هذا "المفهوم" الأخير، الذي برز مواكبا لمفهوم البنية منذ سوسير، هو المفهوم الذي "استفاد" كثيرا من هذه الحركة، إلى حد أننا نستطيع أن نقول إنه هو الذي حل مكان مفهوم البنية ذاته.

لعل هذا هو ما جعلنا نجد أنفسنا، بعد "ضجة" البنية، أمام المفكرين أنفسهم تحت اسم آخر هذه المرة، هو "مفكرو الاختلاف". وقد حاول هؤلاء، كل في مجاله: سواء مع بارت في ميدان السيميولوجيا الأدبية، أو مع ليڤي-ستروس في مجال الأنثربولوجيا، أو مع ألتوسير في ميدان الأبحاث الماركسية، أو مع دريدا في ميدان تاريخ الفلسفة... حاولوا جميعهم أن يزودوا الفكر بمزيد من "قوة الخلخلة".

لا عجب أن نرى، مع نهاية السبعينات، موضة "البنية" وقد أخذت تفقد بريقها. فظهرت تفكيكية دريدا، ونقد فوكو المتأخر للبنيوية، ونبرة ما بعد حداثية تتهم البنيوية بأنها مجرد وهم علموي آخر.

ورغم ذلك يمكن أن نقول إن البنيوية لم تندثر كليا، بل ذابت في نسيج الفكر المعاصر: صارت جزءا من "العدة المفهومية" للفكر، حتى دون أن تعلن حضورها. من يفكر اليوم بالرمز أو اللغة أو النظام أو اللاوعي الثقافي، يفعل ذلك غالبا بتأثير بنيوي، ولو دون وعي، وبعد حين.

ورث "مفكرو الاختلاف" من البنيوية الشغف بالنسق والمنظومة، لكنهم جعلوا من نسف الأنساق والمنظومات ذاته هدفا للفكر

لقد تراجعت البنيوية في مركزيتها، ولم تعد تطرح كـ"مشروع شامل" لفهم العالم. فكأن "ما بعد البنيوية"، بخطاباتها المتعددة، أفرغت البنية من صلابتها، وشككت في قدرة أي منظومة فكرية على الإحاطة بالواقع. لكنها ظلت فاعلة في بعض المجالات: خاصة في اللسانيات ذات النزعة الصورية، والنقد الأدبي البنيوي، وبعض فروع الأنثروبولوجيا. إلا أنها غالبا ما تدمج اليوم مع أدوات تحليلية أخرى (سوسيولوجية، تفكيكية، نفسية...).

لا عجب أن نرى كبار البنيويين يعملون "خارج المذهب": فهذا بارت لا يبحث في البنية، بل في اللعب واللذة والانفلات، وهذا دريدا لا يفتش عن النسق، بل عن "ما لا يقال"، عن أثر التمركز والغياب، وهذا فوكو لا يحلل نظام الخطاب كما هو، بل يبحث عن قواه الكامنة وقابليته للتشظي والهيمنة، وهذا ألتوسير نفسه، في لحظة ما، يتخلى عن "الحتمية البنيوية" ويعلن القطيعة المعرفية واللاشعور في التاريخ، وأخيرا ها هما، دولوز/غواتاري، يرفضان منطق البنية كله، ويقترحان "التشعب" بدل "التنظيم"، و"السطح" بدل "العمق".

هذه التحولات ليست رفضا للبنيوية، بل "ذهاب بها إلى ما هو أبعد"، إنه "ما بعد البنية" واستنفاد لها من الداخل، كما لو أن خلخلة الذات والمعنى والبنية، التي بدأتها البنيوية، لم تكن إلا نقطة انطلاق نحو خلخلة أعمق شملت البنية ذاتها.

ما توحد فيه "مفكرو الاختلاف" هو تحويل الفكر من مشروع تفسير إلى مشروع خلخلة. فلم يعد الفكر يقاس بقدرته على إقامة أنساق ومنظومات، وإنما على إحداث الارتجاجات. لقد ورث "مفكرو الاختلاف" من البنيوية الشغف بالنسق والمنظومة، لكنهم جعلوا من نسف الأنساق والمنظومات ذاته هدفا للفكر.

font change