لماذا ترفض السعودية التصعيد ضد إيران؟

معارضة الرياض لضرب إيران أو إسقاط نظامها لا تنبع من ضعف بل من قوة

لماذا ترفض السعودية التصعيد ضد إيران؟

استمع إلى المقال دقيقة

في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، تتخذ الرياض موقفا حازما يرفض استخدام أجوائها أو قواعدها العسكرية لشن أي هجوم محتمل ضد إيران، هذا الموقف الذي أبلغته السعودية للولايات المتحدة، يعكس عمقا وسياسة تضع المصالح الوطنية العليا في مقدمة الأولويات. فالمشهد الإقليمي الذي يتسم بالتعقيد والترابط، لا يحتمل تحركا غير محسوب العواقب، ولا يمكن أن ينجر إلى صراعات مفتوحة قد تحرق الأخضر واليابس. وصانع القرار السعودي يدرك ذلك، ويرى في الاستقرار الإقليمي ركيزة أساسية للتنمية.

جوهر هذا الموقف ينبع من فهم عميق لطبيعة الشراكات، فالتعاون مع القوى الدولية يتركز على مهام محددة لمواجهة التحديات، وهذا النوع من التعاون يختلف جذريا عن الانجرار إلى حرب إقليمية لا تكون دول المنطقة طرفا فيها، فغياب الوضوح الاستراتيجي، وعدم الشفافية في تحديد مسار أي قرار عسكري، يجعل أي مشاركة في مثل هذه العملية ضربا من ضروب المغامرة غير المحسوبة، فالدخول في حرب دون معرفة كاملة بأهدافها أو خططها أو حتى مآلاتها، يتنافى مع مبادئ السياسة المتعقلة، التي تزن الأمور بميزان دقيق، وتستشرف المستقبل بعين بصيرة. هذا ما يدفع إلى الحذر الشديد من أي تصعيد قد يفتح أبواب الفوضى على مصراعيها.

تاريخيا، حافظت السعودية على نهج ثابت ومتسق في رفض توظيف أجوائها في أي حرب لا تكون طرفا فيها. هذا يشمل استهداف إيران، أو أي طرف آخر في المنطقة، وهذا الموقف هو امتداد لسياسة خارجية تتبنى مبدأ السيادة الوطنية، وعدم الانجرار إلى صراعات الآخرين. فالرياض التي تسعى لتحقيق رؤيتها الطموحة، تدرك أن أي تصعيد عسكري في المنطقة سيؤثر سلبا على مسار التنمية ويشتت الجهود، ويحول الموارد عن أهدافها الاستراتيجية. فالأولوية القصوى هي حماية المكتسبات الوطنية، وتوفير بيئة آمنة ومستقرة للمواطنين والمقيمين والمستثمرين. وهذا لا يمكن أن يتحقق في ظل منطقة مشتعلة، أو أجواء مفتوحة لضربات عسكرية متبادلة، فالسلام هو السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف.

التوجه السعودي يعكس استقلالية القرار السيادي، والقدرة على تقييم المخاطر بعيدا عن الضغوط الخارجية. والرياض لاعب رئيس يمتلك رؤيته الخاصة ومصالحه الحيوية، وقدرته على اتخاذ القرارات التي تخدم أمنه واستقراره، وهذا الموقف الذي قد يراه البعض "تراجعا"، هو في حقيقته "تقدم" نحو ترسيخ مبادئ السيادة، وتأكيد على أن الأمن الوطني لا يمكن أن يكون رهينة لأجندات. فالحفاظ على الأجواء، وعدم السماح باستخدام القواعد، هو رسالة واضحة بأن الرياض لن تكون جزءا من أي تصعيد لا يخدم مصالحها، ولا يتوافق مع رؤيتها للسلام والاستقرار الإقليمي، والسعودية تدرك أن أي ضربة عسكرية لإيران أو محاولة لإسقاط نظامها، قد يؤدي إلى فراغ أمني وفوضى عارمة، تملؤها الميليشيات والجماعات المتطرفة. وهذا ما لا يخدم استقرار المنطقة بأسرها.

التوجه السعودي يعكس استقلالية القرار السيادي، والقدرة على تقييم المخاطر بعيدا عن الضغوط الخارجية. والرياض لاعب رئيس يمتلك رؤيته الخاصة ومصالحه الحيوية

معارضة الرياض لضرب إيران أو إسقاط نظامها لا تنبع من ضعف بل من قوة... قوة القرار المستقل، وقوة الرؤية الاستراتيجية التي تدرك أن الحلول العسكرية غالبا ما تولد مشاكل أكبر، وأن الفراغ السياسي الذي قد ينجم عن إسقاط نظام، يمكن أن يؤدي إلى تفكك الدولة وظهور كيانات غير مستقرة. هذا ما شهدته المنطقة في تجارب سابقة، حيث تفضل السعودية الحلول السياسية والدبلوماسية التي تضمن استقرار الدول وتحافظ على وحدة أراضيها، وتدعم الحكومات الشرعية. هذا ما يجعلها تدعو دائما إلى الحوار والحلول السلمية، والعمل المشترك على بناء منطقة أكثر استقرارا. فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا باحترام السيادة، والعمل على مصالح مشتركة، تضمن الأمن للجميع، وتجنب المنطقة ويلات الحروب التي لا تبقي ولا تذر.
المتوقع في الفترة المقبلة أن تواصل السعودية سياستها التي تجمع بين تغليب منطق الاستقرار والدبلوماسية، والقناعة بأن السلام هو السبيل الوحيد لتحقيق التنمية والازدهار، وهذا ما يجعلها تعمل على بناء شراكات قوية، لا تهدف إلى فرض الهيمنة، بل إلى تحقيق الأمن المشترك، فالرياض تظل ركيزة أساسية للاستقرار في المنطقة، ودورها في تهدئة التوترات، والدعوة إلى الحوار سيظل محوريا في صياغة مستقبل أكثر أمنا للجميع، بعيدا عن الصراعات التي لا تخدم أحدا، لأن الحفاظ على استقرار المنطقة هو مصلحة عليا، لا يمكن المساومة عليها.

font change