تواجه مهارات الرئيس الأميركي دونالد ترمب في صنع السلام اختبارا صارما، إذ يعمل على إبرام اتفاق ينهي النزاع في أوكرانيا.
وقد أمضى ترمب جزءا كبيرا من عامه الأول في البيت الأبيض وهو يسعى إلى حل نزاع يدخل عامه الرابع من دون مؤشر إلى قرب نهايته. ورغم محاولاته المتكررة لإقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقبول شروط وقف إطلاق النار، ومنها لقاء مباشر بين الزعيمين في ألاسكا في أغسطس/آب الماضي، واصلت موسكو حملتها العسكرية بلا هوادة.
وجاء مطلع هذا الأسبوع دليلا جديدا على إصرار بوتين على مواصلة ما يسميه "العملية العسكرية الخاصة" لتحقيق أهدافه المعلنة في أوكرانيا، إذ شن الروس هجوما صاروخيا استهدف البنية التحتية للطاقة فأغرق مناطق واسعة في الظلام خلال واحدة من أكثر فترات السنة بردا.
وجاء الهجوم رغم تأكيد ترمب أنه تلقى ضمانا شخصيا من بوتين بوقف استهداف المدن الأوكرانية الرئيسة لمدة أسبوع، كي لا يواجه السكان المدنيون مزيدا من الحرمان في ذروة الشتاء الأوكراني القارس. وقال ترمب خلال اجتماع لإدارته في واشنطن نقلته شاشات التلفزة: "طلبت شخصيا من الرئيس بوتين أن لا يستهدف كييف وبلدات أخرى لمدة أسبوع، ووافق على ذلك".
وأضاف: "كان الأمر جيدا. نصحني كثيرون بأن لا أضيّع وقتي بهذه المكالمة وقالوا إنني لن أحصل على هذا التعهد، لكن بوتين فعل ذلك". ولكن خلال أيام من إعلان ترمب، شنّت روسيا واحدة من أكبر هجماتها الصاروخية على أوكرانيا، وركّزت فيها على استهداف قطاع الطاقة.
وقال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن موسكو استخدمت عددا قياسيا من الصواريخ الباليستية لاستهداف قطاع الطاقة في أوكرانيا، رغم "هدنة الطاقة" التي يؤكد ترمب أنه تفاوض عليها مع بوتين. وأصابت الضربات المشتركة بالصواريخ والطائرات المسيّرة محطات توليد الكهرباء وبنى تحتية في كييف ومواقع أخرى، ووجّهت- وفق شركة الطاقة الخاصة "دي تي إي كيه"- "أعنف ضربة" هذا العام حتى الآن.
وتزامنت الهجمات مع انخفاض درجات الحرارة إلى 20 درجة مئوية تحت الصفر، ما أعاد حرمان أكثر من ألف مبنى سكني شاهق في العاصمة من التدفئة، وألحق أضرارا جسيمة بمحطة توليد كهرباء في مدينة خاركيف شرقي البلاد حالت دون إصلاحها. وفي المقابل انقطعت الكهرباء والتدفئة عن آلاف السكان في منطقة بيلغورود الروسية إثر هجوم جوي أوكراني.
وقال زيلينسكي إن روسيا "تختار الإرهاب والتصعيد" بدلا من الدبلوماسية لإنهاء الحرب، وحثّ حلفاء أوكرانيا على ممارسة "أقصى الضغوط" على موسكو. وجاءت هذه الضربات في وقت شارك فيه مسؤولون من الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا في جولة جديدة من المحادثات الهادفة إلى إنهاء النزاع.
ورغم شراسة الهجوم، أصر ترمب على أن بوتين أوفى بتعهده، مؤكدا أن الضربات وقعت بعد انقضاء المدة المتفق عليها للهدنة، وهو ما قوبل برفض أوكراني شديد. وقال ترمب عن تعهد بوتين: "أوفى بوعده. سنقبل أي شيء، فالبرد هناك قارس جدا".
ويُظهر إصرار موسكو على مواصلة هجومها- في وقت يُفترض فيه تركيز الجهود على تسوية النزاع- سعيها إلى زيادة الضغط على ترمب وزيلينسكي لدفعهما إلى تقديم تنازلات تتعلق بالأراضي تُنهي الحرب، وهو مطلب واجهته كييف بمرارة.
وبينما كان مسؤولون أميركيون وروس وأوكرانيون يجتمعون في أبوظبي لعقد الجولة الثانية من المناقشات، قال زيلينسكي: "ننتظر رد فعل الولايات المتحدة على الضربات الروسية". وأضاف: "جاء المقترح بوقف استهداف قطاع الطاقة خلال المسار التفاوضي من الجانب الأميركي، وفي ظل طقس شتوي قاس. وقد قدّم رئيس الولايات المتحدة هذا الطلب شخصيا. لكن روسيا ردّت بإطلاق عدد قياسي من الصواريخ الباليستية".
وحثّ الزعيم الأوكراني الكونغرس الأميركي على إقرار عقوبات جديدة على روسيا بشكل عاجل. وقال: "يعمل الكونغرس منذ وقت طويل على مشروع قانون للعقوبات، ولا بد من إحراز تقدم فيه. كما يستطيع الشركاء الأوروبيون اتخاذ خطوات حاسمة بشأن أرباح ناقلات النفط الروسية التي تموّل الحرب. يجب أن تشعر روسيا بالضغط لتتحرك في المفاوضات نحو السلام".
وأبدى المفاوضون حتى الآن قدرا من التفاؤل تجاه مسار المحادثات التي وصفوها بـ"الجوهرية" و"المثمرة". وقال رستم عمروف، كبير المفاوضين الأوكرانيين ورئيس مجلس الأمن القومي والدفاع، إن عمل الوفود حتى الآن "انصب على خطوات ملموسة وحلول عملية" لإنهاء الحرب التي تقترب من ذكراها السنوية الرابعة.
يعكس إرسال ترمب وفدا رفيعا إلى هذه المحادثات عزمه إبرام تفاهم مع الكرملين في طيف واسع من الملفات، وليس نزاع أوكرانيا سوى أحدها
وقاد الجانب الروسي مجددا رئيس الاستخبارات العسكرية إيغور كوستيوكوف، الخاضع لعقوبات غربية لدوره في الغزو، وبرفقته مسؤولون كبار من أجهزة الاستخبارات. وقبيل المحادثات قال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف للصحافيين إن "أبواب الحل السلمي" للنزاع، الذي أودى بحياة عشرات الآلاف من الجانبين، "لا تزال مفتوحة".
وتكشف تشكيلة الوفد الأميركي عن الوزن الذي توليه إدارة ترمب لهذه المحادثات. إذ يترأس الوفد المبعوث الخاص للبيت الأبيض ستيف ويتكوف وإلى جانبه صهر ترمب جاريد كوشنر، وقد غدا حضورهما سمة ثابتة في جهود الإدارة الدبلوماسية لإنهاء الحرب في أوكرانيا. ويضم الوفد أيضا وزير الجيش الأميركي دانيال دريسكول، والقائد الأعلى لقوات الحلفاء في "الناتو" أليكس غرينكيفيتش.
وبينما تتواصل المحادثات الثلاثية لإنهاء النزاع في أوكرانيا، تجري بالتوازي مناقشات ثنائية بين مسؤولين روس وأميركيين، يقود وفدها عن الجانب الروسي مبعوث الكرملين والرئيس التنفيذي لصندوق الاستثمار المباشر الروسي كيريل ديمترييف. وقال ديمترييف: "نعمل مع إدارة ترمب على استعادة العلاقات الاقتصادية بين روسيا والولايات المتحدة، بما في ذلك عبر مجموعة التعاون الاقتصادي الروسية-الأميركية".
ويعكس إرسال ترمب وفدا رفيعا إلى هذه المحادثات عزمه إبرام تفاهم مع الكرملين في طيف واسع من الملفات، وليس نزاع أوكرانيا سوى أحدها. وفي نهاية المطاف، سيعتمد نجاح خطته الطموحة لإرساء حقبة جديدة من التعاون الأميركي-الروسي على قدرته في حمل بوتين على إنهاء حملته العسكرية المكلفة في أوكرانيا.