أوروبا وضرورة تهدئة ترمب

مجرد إبداء القادة الأوروبيين استعدادهم لتولي عمليات حفظ سلام حيوية في أوكرانيا يسهم في تخفيف التوتر في العلاقات عبر الأطلسي

أوروبا وضرورة تهدئة ترمب

استمع إلى المقال دقيقة

في ذروة التوتر بين أوروبا والولايات المتحدة، قد يسهم اقتراح قوى أوروبية رائدة، كالمملكة المتحدة وفرنسا، لتوفير قوة أمنية لأوكرانيا، في ترميم العلاقات عبر الأطلسي. وقد دفع قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب المثير للجدل بإزاحة زعيم فنزويلا نيكولاس مادورو بالقوة- إضافة إلى تهديده بالاستحواذ على غرينلاند- بالعلاقات عبر الأطلسي إلى مستوى متدن.

وأثار خبر اعتقال نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس ونقلهما إلى الولايات المتحدة- حيث يقبعان في سجن بروكلين بانتظار محاكمة بتهم تتعلق بـ"الإرهاب المرتبط بالمخدرات"– قلقا عميقا لدى عدد من الحلفاء الأوروبيين لواشنطن، فيما يؤكد مسؤولون أميركيون أن الخطوة تندرج ضمن الدفاع عن النفس وأن نظام مادورو متورط في تهريب المخدرات.

لكن التدخل العسكري الأميركي لإسقاط نظام مادورو، ثم إعلان ترمب لاحقا تولي إدارة فنزويلا في المستقبل المنظور، أثارا قلقا بالغا في أوروبا، على الرغم من أن دولا كثيرة في القارة لا تعترف بشرعية الرئيس الفنزويلي منذ انتخابات يونيو/حزيران 2024.

ورغم نزوع القادة الأوروبيين إلى تهدئة خطابهم تجاه العملية العسكرية الأميركية خشية استفزاز ترمب، إلا أن وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو لخص حالة القلق بقوله إن عملية القبض على مادورو انتهكت "مبدأ عدم استخدام القوة الذي يقوم عليه القانون الدولي".

تزايد القلق الأوروبي من سلوك ترمب بعد زعمه لاحقا رغبته في أن تفرض الولايات المتحدة سيطرتها على غرينلاند قبل ثلاث سنوات من انتهاء ولايته الثانية، مؤكدا أن وضع اليد على تلك الجزيرة الشاسعة في القطب الشمالي يصب في المصلحة الوطنية الأميركية.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن ترمب يعد الاستحواذ على الجزيرة الغنية بالمعادن أولوية استراتيجية للأمن القومي في مواجهة روسيا والصين، إذ إنها إلى جانب كونها موقعا محوريا للدفاع الصاروخي الأميركي وتوفر أقصر مسار بين الولايات المتحدة وروسيا، فهي تزخر بالعناصر الأرضية النادرة وتختزن إمكانات واعدة من النفط والغاز في مياهها البحرية.

بعد توقيعه اتفاقا مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أكد ستارمر أن المملكة المتحدة وفرنسا اتفقتا، إذا جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، على إنشاء "محاور عسكرية" في أنحاء أوكرانيا

وقالت في بيان: "يناقش الرئيس وفريقه حزمة خيارات لتحقيق هذا الهدف المحوري في السياسة الخارجية، وبطبيعة الحال يبقى استخدام القوات الأميركية خيارا متاحا دائما للقائد الأعلى". وأثار تركيز ترمب على غرينلاند ردود فعل غاضبة لدى عدد من القادة الأوروبيين، ولا سيما أن الجزيرة الأكبر في العالم جزء من مملكة الدنمارك منذ عام 1721، وهي اليوم إقليم يتمتع بالحكم الذاتي داخل دولة حليفة في "الناتو".
وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن إن مهاجمة الولايات المتحدة دولة أخرى من دول حلف شمال الأطلسي تعني عمليا نهاية الحلف، بينما حذر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك من أن "أي عضو في الحلف لا ينبغي أن يهاجم عضوا آخر أو يهدده وإلا فقد (الناتو) معناه".
وفي هذا السياق، قد تسهم الأنباء عن توقيع المملكة المتحدة وفرنسا إعلانا يلتزمان فيه بنشر قوات في أوكرانيا إذا تحقق اتفاق سلام للنزاع الطويل الأمد في تخفيف التوتر عبر الأطلسي.
جاء الإعلان عقب اجتماع ما يعرف بـ"تحالف الراغبين"، إذ اجتمع في باريس مطلع الأسبوع قادة ثلاثين دولة لبحث أحدث مقترحات إدارة ترمب لإنهاء الحرب. ويعد منح أوكرانيا ضمانات أمنية محكمة ركنا أساسيا في خطة السلام المتوقعة إذا جرى الاتفاق على وقف لإطلاق النار، بما يردع روسيا عن أي عدوان جديد. 
وفي هذا السياق ناقش قادة أوروبيون إنشاء "قوة طمأنة" تتألف من وحدات عسكرية أوروبية، وقاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مباحثات تشكيلها.
وبعد توقيعه اتفاقا مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أكد ستارمر أن المملكة المتحدة وفرنسا اتفقتا، إذا جرى التوصل إلى وقف لإطلاق النار، على إنشاء "محاور عسكرية" في أنحاء أوكرانيا لبناء مرافق محمية للأسلحة والمعدات دعما لاحتياجات كييف الدفاعية.

وجاء في بيان صادر في باريس باسم تحالف الراغبين أن البلدين يلتزمان إنشاء "قوة متعددة الجنسيات من أجل أوكرانيا" من الدول الراغبة، تكون قادرة على دعم الردع وإعادة بناء القوات المسلحة الأوكرانية في حال تثبيت وقف إطلاق النار.
ولقي الاتفاق ترحيبا واسعا من إدارة ترمب التي كانت قد انتقدت سابقا الانقسامات الأوروبية بشأن أفضل السبل لإنهاء النزاع في أوكرانيا. وأعرب المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف الذي حضر اجتماع باريس برفقة جاريد كوشنر، صهر ترمب، عن تأييده للاتفاق، قائلا في مؤتمر صحافي إن الزعيم الأميركي "يدعم بقوة" بروتوكولات الأمن المقترحة لأوكرانيا إذا جرى تثبيت وقف إطلاق النار. وأوضح أن "هذه البروتوكولات تهدف إلى أمرين: أولا ردع أي هجمات جديدة على أوكرانيا، وثانيا إن وقعت هجمات فالغرض هو الدفاع"، مضيفا: "وسيُنَفذ الهدفان معا".
وقال كوشنر إن الاتفاق يشكل إنجازا كبيرا جدا، موجها الشكر إلى الرئيس ماكرون "على جمع هذا الحشد وعلى ما بُذل خلف الكواليس لتحقيقه". ثم أردف: "هذا لا يعني أننا سنصنع السلام، لكنه لن يكون ممكنا من دون التقدم الذي تحقق اليوم".
وأثيرت تحفظات بشأن قدرة القوة الأوروبية المقترحة على حفظ السلام في أوكرانيا من دون دعم عسكري أميركي. وقال الجنرال الأميركي المتقاعد بن هودجز، القائد السابق للقوات الأميركية في أوروبا، في مقابلة مع "الغارديان": "لا بد لتحالف الراغبين أن يمتلك قوة حقيقية وقواعد اشتباك تتيح الرد الفوري على أي انتهاكات"، مضيفا: "لا ينبغي لقادة السرايا أن يضطروا إلى الاتصال بباريس أو لندن لمعرفة كيفية التعامل مع طائرة مسيرة روسية". وتابع: "من يظن أن روسيا ستفي بأي اتفاق لا يتحلى بالواقعية؟"، مشيرا إلى الفترة بين عامي 2014-2022 حين تكررت انتهاكات خطوط وقف إطلاق النار في أوكرانيا. 
ومع استمرار التساؤلات حول فاعلية تحالف الراغبين الأوروبي، فإن مجرد إبداء القادة الأوروبيين استعدادهم لتولي عمليات حفظ سلام حيوية في أوكرانيا يسهم في تخفيف التوتر في العلاقات عبر الأطلسي.

font change