بينما تقترب الحرب في أوكرانيا من ذكراها السنوية الرابعة، يبقى التوصل إلى حل سلمي للنزاع احتمالا بعيدا، تماما كما كان منذ اللحظة التي أعلن فيها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما سماه "العملية العسكرية الخاصة" ضد كييف في فبراير/شباط 2022.
ورغم الجهود المكثفة التي تبذلها إدارة ترمب لإنهاء الأعمال القتالية، لا يبدو أن أيا من الطرفين مستعد لاتخاذ الخطوات اللازمة لتثبيت وقف إطلاق نار دائم. بل على العكس، وبحسب ما عكسته النهاية المبكرة لأحدث جولة من محادثات السلام التي عقدت في جنيف هذا الأسبوع، بدا أن طرفي الصراع عازمان على مواصلة عملياتهما العسكرية، على الرغم من المعاناة المروعة التي تلحق بالشعبين الأوكراني والروسي.
وقبل الجولة الأخيرة من محادثات جنيف، قال المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف إن المفاوضات بين أوكرانيا وروسيا "أحرزت تقدما ملموسا" باتجاه إنهاء الحرب.
وكتب ويتكوف على منصة "إكس" بعد الجولة الأولى من المحادثات: "أسهم نجاح الرئيس ترمب في جمع طرفي هذه الحرب في تحقيق تقدم ملموس، ونحن فخورون بالعمل تحت قيادته لوقف القتل في هذا الصراع المروع".
لكن، على الرغم من تفاؤل إدارة ترمب، ظلت المخاوف قائمة من أن محاولات الرئيس ترمب الضغط على كييف لإبرام اتفاق عبر التنازل عن أراضٍ لموسكو تعرقل أي تقدم. وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي غاب عن المحادثات، أنه "ليس من العدل" أن يواصل ترمب مطالبة بلاده بتقديم تنازلات، مضيفا أن "السلام لن يتحقق إذا مُنحت روسيا النصر". وقال زيلينسكي مرارا إن بلاده تُجبر على تقديم تنازلات غير متكافئة مع ما يُطلب من روسيا.
أكد زيلينسكي أن جولة أخرى من المحادثات ستعقد في سويسرا، وكرر أنه على الرغم من إحراز تقدم عسكري، فإن "الوضع من الناحية السياسية أكثر صعوبة"
عامل آخر حال دون إحراز أي اختراق تمثل في إصرار الكرملين على التمسك بمطالبه القصوى بشأن الأراضي الأوكرانية. إذ تسيطر روسيا على نحو 20 في المئة من الأراضي الأوكرانية، بما في ذلك مساحات واسعة من إقليم دونباس في الشرق. ويريد الكرملين أن تتنازل أوكرانيا عما تبقى من الإقليم، وهو ما ترفضه كييف. وفي المقابل، تؤكد أوكرانيا أن أي تسوية مع روسيا يجب أن تسبقها ضمانات أمنية قوية من الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة.
لذلك، لم يتفاجأ كثير من المراقبين عندما انهارت محادثات جنيف في نهاية المطاف يوم الأربعاء، بعد أقل من ساعتين من انطلاق اليوم الثاني من المفاوضات. وقال فلاديمير ميدينسكي، مساعد الكرملين المتشدد الذي عينه بوتين شخصيا لقيادة الوفد الروسي في جنيف، لوسائل إعلام رسمية إن المحادثات كانت "صعبة لكنها عملية".
لكن مسؤولين أوكرانيين نظروا إلى مشاركة ميدينسكي في العملية بريبة شديدة، معربين عن قلقهم من أن إشراكه، وهو مؤرخ قومي تنقيحي، يرمي إلى الحيلولة دون تقديم روسيا أي تنازلات إقليمية.
وفي مقابلة مطولة بثها برنامج "بيرس مورغان أنسينسورد" (من دون رقابة) يوم الأربعاء، أكد زيلينسكي أن جولة أخرى من المحادثات ستعقد في سويسرا، وكرر أنه على الرغم من إحراز تقدم عسكري، فإن "الوضع من الناحية السياسية أكثر صعوبة". كما عبّر عن إحباطه من موقف ترمب إزاء المحادثات، ولا سيما علاقته ببوتين، التي قال إنه يجد صعوبة في فهمها. وأضاف الزعيم الأوكراني: "بالنسبة لي، يؤلمني جدا أن يكون موقفه من بوتين أحيانا أفضل مما يستحقه بوتين".
في المقابل، حملت ساحة المعركة مؤشرات أكثر إيجابية لأوكرانيا، إذ بدا أن خطوة اتخذها أخيرا رائد الأعمال الأميركي في مجال التكنولوجيا إيلون ماسك، لحرمان القوات الروسية من الوصول إلى خدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية "ستارلينك" التي يملكها، أسهمت في إبطاء تقدم موسكو وإرباك صفوف جنودها، ومنحت المدافعين الأوكرانيين أفضلية.
بدا أن ماسك اتخذ قرار حجب وصول روسيا إلى نظام "ستارلينك" استجابة لطلب من وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف. وأفادت تقارير بأن هذه الخطوة أسهمت في تحقيق أوكرانيا أكبر مكاسب ميدانية لها منذ أكثر من عامين ونصف العام
وقال مشغل طائرات مسيرة أوكراني، يُعرف بالرمز "جيوفاني"، في مقابلة مع صحيفة "التلغراف": "فقد الروس قدرتهم على السيطرة على الميدان". وأضاف: "أعتقد أنهم فقدوا 50 في المئة من قدرتهم الهجومية. هذا ما تشير إليه الأرقام. هجمات أقل، وطائرات مسيرة عدوة أقل، وكل شيء أقل".
وبدا أن ماسك اتخذ قرار حجب وصول روسيا إلى نظام "ستارلينك" استجابة لطلب من وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف. وأفادت تقارير بأن هذه الخطوة أسهمت في تحقيق أوكرانيا أكبر مكاسب ميدانية لها منذ أكثر من عامين ونصف العام، إذ استعادت القوات الأوكرانية أكثر من 200 كيلومتر مربع من أراضيها من روسيا خلال خمسة أيام فقط الأسبوع الماضي.
واستندت وكالة الأنباء الفرنسية في احتساب هذه المكاسب الإقليمية إلى بيانات "معهد دراسة الحرب"، وهو منظمة بحثية مستقلة تتابع تطورات الحرب.
وتفيد التقارير بأن هذه المكاسب، المسجلة بين 11 و15 فبراير/شباط، جاءت نتيجة للصعوبات التي واجهها الجيش الروسي في الاتصالات عقب منعه من الوصول إلى نظام "ستارلينك". وتشير المعطيات إلى أن القوات الروسية اضطرت إلى التراجع في بعض القطاعات على امتداد خط الجبهة، ولا سيما شرق زاباروجيا.
يتزامن هذا التحول في ملامح ساحة المعركة مع صدور تقرير عن "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن العاصمة، خلص إلى أن روسيا تكبدت نحو 1.2 مليون ضحية، بين قتيل وجريح ومفقود، منذ بدء الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022.
وجاء في التقرير: "هذه الأرقام استثنائية. إذ لم تتكبد أي قوة كبرى هذا العدد من الخسائر البشرية أو الوفيات في أي حرب منذ الحرب العالمية الثانية".
وقال التقرير إن عدد الضحايا الروس بلغ نحو 415 ألفا خلال العام الماضي وحده، وإن مكاسب روسيا الإقليمية ظلت محدودة على الرغم من هذه الخسائر الهائلة.
وخلص التقرير إلى ما يلي: "بعد استعادة القوات الروسية زمام المبادرة في 2024، تراوح تقدمها في أبرز هجماتها بين 15 و70 مترا يوميا، وهي وتيرة أبطأ من معظم الحملات الهجومية الكبرى في حروب القرن الماضي". وإذا صحت أرقام التقرير، فهذا يعني أن خسائر الروس في 2025 بلغت في المتوسط نحو 35 ألفا شهريا.
لكن، على الرغم من الثمن الباهظ الذي دفعته أوكرانيا وروسيا، دما ومالا، خلال الأعوام الأربعة الماضية من الصراع، يشير تعثر الجولة الأخيرة من محادثات جنيف إلى أن أيا من الطرفين لا يزال غير مستعد لقبول وقف لإطلاق النار، مهما كان الثمن.