يشير قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالسفر إلى واشنطن لإجراء محادثات طارئة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تعمق القلق داخل الحكومة الإسرائيلية من أن البيت الأبيض قد يكون مستعدا لإبرام اتفاق نووي مع طهران لا يرضي الإسرائيليين.
في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط نتيجة الحشد العسكري الأميركي الضخم الذي نُشر قرب حدودها، يتضح أن إدارة ترمب تسعى إلى صيغة اتفاق ما مع النظام الإيراني.
وقد أثار قرار واشنطن حشد أكبر قوة عسكرية تُنشر في منطقة الخليج منذ حرب الصيف الماضي التي استمرت 12 يوما، وأسفرت عن شن الولايات المتحدة ضربات جوية على البنية التحتية النووية الإيرانية، أثار هذا القرار تكهنات أولية بأن ترمب يتحرك دعما للمتظاهرين المناهضين للنظام الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بإسقاط الجمهورية الإسلامية.
وزاد ترمب هذه التكهنات حين أعلن، في ذروة الاحتجاجات، أن "المساعدة في الطريق" ودعا المتظاهرين إلى مواصلة حملة الاحتجاج ضد النظام.
لكن، رغم التقارير التي تفيد بأن قوات الأمن التابعة للنظام قتلت آلاف المتظاهرين، وتحتجز حاليا مئات آخرين يُتهمون بالمشاركة في المظاهرات، تشير كل الدلالات إلى أن ترمب تراجع عن تعهده بدعم الاحتجاجات، وقرر بدلا من ذلك تركيز جهده على التفاوض بشأن اتفاق نووي جديد مع إيران.
أفضى ذلك إلى عقد مسؤولين أميركيين وإيرانيين جولة أولى من المحادثات في سلطنة عمان، في وقت قال فيه الطرفان إن تقدما تحقق نحو التوصل إلى اتفاق جديد يتعلق ببرنامج طهران النووي.
رغم تعرض الإيرانيين لضغوط عسكرية هائلة تدفعهم إلى إبرام اتفاق، فإنهم يرفضون التراجع عن مطلبهم بالاحتفاظ بحق مواصلة تخصيب اليورانيوم
ومع حرص طهران على تفادي تكرار الضربات الجوية الأميركية المدمرة التي وقعت الصيف الماضي، قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لصحيفة "فايننشيال تايمز"، إن الولايات المتحدة وإيران تُظهران مرونة حيال اتفاق نووي، وأن واشنطن تبدو "مستعدة" للتسامح مع قدر من تخصيب إيران لليورانيوم.
وقال فيدان، الذي شارك في محادثات مع واشنطن وطهران: "من الإيجابي أن الأميركيين يبدون مستعدين لقبول تخصيب إيراني ضمن حدود محددة بوضوح. يدرك الإيرانيون الآن أنهم بحاجة إلى اتفاق مع الأميركيين، ويفهم الأميركيون أن لدى الإيرانيين حدودا معينة. لا جدوى من محاولة إرغامهم".
وعلى الرغم من تعرض الإيرانيين لضغوط عسكرية هائلة تدفعهم إلى إبرام اتفاق، فإنهم يرفضون التراجع عن مطلبهم بالاحتفاظ بحق مواصلة تخصيب اليورانيوم، مؤكدين أنه لأغراض سلمية لا لتطوير أسلحة نووية، وهو ما خلصت إليه وكالات استخبارات غربية عديدة.
وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، متحدثا بعد الجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين، إن المفاوضات لن تنجح من دون الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم. ويصر الإيرانيون على أن هذه المسألة تظل خطا أحمر في أي محادثات لاحقة.
وأضاف: "لا يمكننا أبدا قبول تصفير التخصيب. لذلك يجب أن نركز على مناقشات تقبل التخصيب داخل إيران، مع بناء الثقة بأن التخصيب هو وسيظل لأغراض سلمية".
وكان مجرد التلميح إلى أن إدارة ترمب قد تدرس بجدية القبول بتسوية بشأن هذه المسألة الشائكة كافيا لإطلاق أجراس الإنذار في إسرائيل، حيث لا يطالب نتنياهو بتفكيك كامل لبرنامج إيران النووي فحسب، بل يريد أيضا إدراج قيود صارمة على قدرات إيران الصاروخية الباليستية ضمن أي اتفاق جديد مع البيت الأبيض.
وأدت الادعاءات بأن تسوية تلوح في الأفق إلى طلب نتنياهو عقد قمة عاجلة مع ترمب، رغم أن الأخير ألمح إلى أنه يدرس إرسال مجموعة ثانية من حاملات الطائرات إلى الخليج لزيادة الضغط على إيران كي تلتزم باتفاق نووي.
مما يعكس محدودية ما تحقق، على الأقل من منظور نتنياهو، أن ترمب لم يعقد مؤتمرا صحافيا بعد اللقاء، خلافا لما يفضله عادة. واكتفى بنشر رسالة على منصة "تروث سوشيال" قال فيها إن الاجتماع كان "جيدا جدا"
وقبل لقائه نتنياهو، أكد ترمب أن إيران "تريد بشدة إبرام اتفاق" بعد أن وصف المحادثات مع الجمهورية الإسلامية بأنها "جيدة جدا".
وفي المقابل، حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن بلاده "لن ترضخ لمطالبهم (الأميركيين) المفرطة".
ورغم تشديد نتنياهو على أهمية اللقاء المباشر، فإن الاجتماع السادس بينه وبين ترمب منذ عودة الأخير إلى المنصب العام الماضي لم يسفر عن نتائج حاسمة.
ويوحي الطابع الهادئ للزيارة، إلى جانب تعليقات ترمب بعدها، بأن الزيارة ربما لم تحقق هدفها، خصوصا في ما يتعلق بمنع ترمب من المضي قدما في اتفاق جديد مع إيران لا يلائم إسرائيل.
وقبل اجتماعه مع ترمب، أمضى نتنياهو وقتا مع المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر ترمب جاريد كوشنر، اللذين "قدما تحديثا بشأن الجولة الأولى من المفاوضات التي أجرياها مع إيران الجمعة الماضي"، وفقا لمكتب نتنياهو.
ثم تحدث الزعيمان الأميركي والإسرائيلي قرابة ثلاث ساعات في اجتماع غير معتاد بطابعه المتحفظ، إذ دخل نتنياهو من مدخل جانبي بعيدا عن عدسات الكاميرات.
وإلى جانب إثارة مخاوفه من استعداد ترمب لتقديم تنازل في مسألة التخصيب، شدد نتنياهو على ضرورة معالجة شواغل إسرائيلية أخرى، مثل برنامج إيران للصواريخ الباليستية واستمرار دعمها للميليشيات المتطرفة.
ومما يعكس محدودية ما تحقق، على الأقل من منظور نتنياهو، أن ترمب لم يعقد مؤتمرا صحافيا بعد اللقاء، خلافا لما يفضله عادة. واكتفى بنشر رسالة على منصة "تروث سوشيال" قال فيها إن الاجتماع كان "جيدا جدا".
وأضاف: "لم نصل إلى شيء حاسم، سوى أنني أصررت على استمرار المفاوضات مع إيران لمعرفة ما إذا كان يمكن إتمام اتفاق".
وتابع أن إبرام اتفاق هو "ما يفضله"، لكن إذا تعذر ذلك "فسنرى ما ستكون عليه النتيجة".
وإذا كان من خلاصة يمكن استخلاصها من اللقاء، فهي أن الهدف الأساسي لترمب هو التوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، بصرف النظر عما إذا كان يعالج مخاوف رئيس الوزراء الإسرائيلي المحاصر سياسيا.