لم يقدم مسلسل "شارع الأعشى"، الذي عرض العام الماضي، نفسه بوصفه عملا عن حدث كبير، ولا عن شخصية استثنائية، ولا عن لحظة سياسية فاصلة. فمنذ حلقاته الأولى، بدا واضحا أنه اختار طريقا آخر، هو أن يروي المدينة من مستوى الشارع، من الحياة اليومية، من التفاصيل التي لا تدخل عادة في كتب التاريخ، لكنها تسكن الذاكرة طويلا. هذه المقاربة هي أهم ما في العمل، فالدراما السعودية، لسنوات، كانت أسيرة صورتين متقابلتين، وهما صورة تراثية نمطية تختزل الماضي في البداوة والبراءة، أو صورة وعظية جامدة تختصر المجتمع في منظومة قيم مغلقة، ليأتي شارع الأعشى مقترحا منطقة ثالثة: مدينة تعيش، تخطئ، تفاوض واقعها، وتعيد ترتيب علاقاتها الصغيرة كل يوم.
المسلسل المقتبس عن رواية "غراميات شارع الأعشى" للكاتبة بدرية البشر، حافظ على إحدى خصائص الرواية الأساسية وهي التمهل في بناء العالم، والاهتمام بالطبقات الاجتماعية، وبالتحولات البطيئة في العلاقات لا بالمنعطفات الصاخبة. نلاحظ ذلك في طريقة تقديم الشخصيات، حيث لا أحد يدخل بوصفه بطلا كامل التكوين، ولا أحد يقدم شريرا خالصا، فالجميع يتحرك داخل مساحة إنسانية قابلة للفهم، حتى حين تكون خياراتهم محدودة أو مرتبكة.
لكن هذا الخيار الجمالي، على أهميته، يحمل في داخله حدوده أيضا. فالمسلسل يبدو أحيانا شديد الحرص على التوازن، شديد الحذر من الذهاب بعيدا في المناطق الرمادية. الصراعات موجودة، لكنها محكومة بسقف أخلاقي واجتماعي واضح، كما أن التوترات تبنى بعناية، لكنها نادرا ما تترك لتنفجر أو لتخلخل يقين المتلقي، كأن النص يفضل المصالحة على الصدمة، والطمأنينة على القلق.
من هنا يمكن فهم العمل بوصفه نصا "تصالحيا" مع الذاكرة أكثر منه نصا تفكيكيا لها. هو لا يسعى إلى محاكمة الماضي، ولا إلى تمجيده، بل إلى تطبيعه، وإلى قول إن المجتمع الذي نراه اليوم تشكل من هذه التفاصيل البسيطة، من البيوت المتجاورة، والعلاقات المتشابكة. فالنساء في العمل يحتللن مساحة واضحة، وهذه نقطة تحسب له، فهن لسن مجرد خلفية، بل فاعلات في السرد، صاحبات قرار ورغبة وتردد. غير أن حضورهن يبقى في معظمه محكوما بإطار اجتماعي مألوف، لا يذهب بعيدا في مساءلة الأدوار أو تفكيك البنى العميقة داخل الأسرة والحي. مرة أخرى، نلمس هذا الميل إلى الاقتراب من الحافة دون القفز منها.
على المستوى البصري، ينجح المسلسل في بناء فضاء مقنع، فلا يبدو الشارع ديكورا، بل شخصية إضافية. الأزقة، البيوت، المحلات، الإضاءة، حركة الناس، كلها تشكل ما يشبه (الذاكرة المادية) للمكان، وهنا تظهر إحدى نقاط قوته الكبرى، أنه لا يتعامل مع الماضي كزينة، بل كبيئة مكتظة بالحياة.
النساء في العمل يحتللن مساحة واضحة، وهذه نقطة تحسب له، فهن لسن مجرد خلفية، بل فاعلات في السرد، صاحبات قرار ورغبة وتردد
وعليه، يمكن القول إن "شارع الأعشى" جزء من لحظة ثقافية سعودية أوسع، تعيد فيها المملكة سرد تاريخها الاجتماعي بعيدا عن الشعارات الكبرى، وبقرب أكبر من الإنسان العادي.. إنه عمل يؤسس أكثر مما يغامر، يمهد أكثر مما يقتحم، ويكتب سطرا مهماً في انتقال الدراما المحلية من الحكاية النموذجية إلى الحكاية البشرية.
قد لا يكون المسلسل عملا مقلقا فكريا، ولا تجربة سردية قصوى، لكنه خطوة ناضجة في اتجاه دراما تعرف أن المجتمعات لا تفهم من قممها فقط، بل من شوارعها الحقيقية. ومع الإعلان عن جزء ثان مرتقب في رمضان المقبل، يصبح السؤال النقدي أكثر إلحاحا، هل سيكتفي العمل بتوسيع الحكاية داخل الإطار نفسه، أم سيغامر بتعميق أسئلته حول التحولات الاجتماعية التي بدأ بتلمسها؟ الجزء الجديد لا ينتظر بوصفه امتدادا سرديا فحسب، بل اختبار لقدرة المسلسل على الانتقال من توثيق الذاكرة اليومية إلى مساءلتها بعمق أكبر، وعلى تحويل الشارع من مساحة للحنين الهادئ إلى مجال أوسع للتأمل في ما تغير فعلا في المجتمع السعودي، وما الذي ما يزال يعيد إنتاج نفسه بصيغ جديدة.