تعمد فيلم "هامنت" إخفاء شخصية شكسبير فلم يكشف عنها إلا في النهاية، لأنه أراد أن يوضح أن الموضوع الأساس ليس الشاعر ولا تاريخه ولا قصة نجاحه، بل الحزن هو القضية. وشكسبير هنا مجرد أب فقد ابنه. إبعاد الشاعر عن مركز الفيلم يعيد ترتيب الأولويات. العمل لا ينشغل بالعبقرية بقدر انشغاله بما يسبقها. أراد أن يعيده إنسانا قبل أن يكون اسما. كأن الفيلم كله يقول إن الأدب العظيم لا يولد من المجد، بل من التجربة المرة. فلو ظهر شكسبير منذ البداية بوصفه الاسم العظيم لانصرف الاهتمام إلى الأدب ومواضيع البلاغة واللغة. بينما الفيلم لا يهمه هذا، بل يريد أن يعيدنا إلى ما يسبق الأدب، إلى ما يجعل الكتابة ممكنة أصلا. نحن لا نشاهد مجرد نشأة مسرحية، بل تشكل حزن. الحزن هو ما نحتاج لفهمه.
الحزن في "هامنت" لا يظهر بوصفه فكرة قابلة للتفسير، بل بوصفه تجربة خاما تسبق كل تأويل. حين يموت الطفل لا يحدث حدث واحد داخل العائلة، بل تتغير موسيقى الوجود كله. البيت نفسه يبدو مختلفا، والطريق إليه، وحركة الأيام. الأشياء لا تختفي، لكنها تفقد معناها المألوف. الزمان يمضي، لكنه لا يحمل شيئا. ليس في المشهد صراخ كبير ولا انهيار درامي حاد، بل مجرد ثقل. ثقل صامت يحشو كل شيء. كأن العالم استمر خارجيا وتوقف في الداخل.
عند هذه النقطة يبدأ الحزن في اتخاذ مسارين مختلفين. لا ينقسم من حيث الشدة، بل من حيث الشكل الذي يأخذه داخل الحياة. هناك حزن يطفئ نور العالم ويجعل الإنسان يعيش داخل فراغ لا يطاق، وحزن آخر لا يطفئه بل يعيد تشكيل حضوره، فيستقر في الداخل ويتحول إلى طريقة جديدة في العيش. كلاهما يصبح أسلوبا في الحياة، لكن أحدهما يحاصر الإنسان داخل الصمت، بينما الآخر يبحث عن منفذ في اللغة والذاكرة. منذ هذه اللحظة يسير الفيلم على هذين الخطين المتوازيين، حزن يعاش حتى يغير علاقة الإنسان بالعالم، وحزن لا يزول، لكنه يحتمل حين يجد طريقه إلى التعبير والفهم، فالكلام عنه أو كتابته يمنحانه شكلا واضحا، ويحولانه من ألم صامت يثقل الداخل إلى تجربة يمكن حملها والعيش معها.
شخصية أغنس تقف في قلب المسار الأول. منذ البداية تبدو مختلفة عن محيطها. علاقتها بالعالم مباشرة وحدسية، قريبة من سحر الطبيعة ومن الإيقاع البطيء للحياة. تعيش الأشياء قبل أن تفكر فيها. لهذا يكون الفقد عندها أكثر جذرية. حين يموت الطفل لا تفقد ابنا فقط، بل تفقد الشكل الذي كانت تعيش به في هذا العالم. ما كان مألوفا يصبح غريبا، وما كان حيا يصبح صامتا تماما.
هناك حزن يطفئ نور العالم ويجعل الإنسان يعيش داخل فراغ لا يطاق، وحزن آخر لا يطفئه بل يعيد تشكيل حضوره
هنا يمكن فهم تجربتها في ضوء تصور هايدغر للحالات الوجودية العميقة. الحزن ليس مجرد شعور داخلي، بل انكشاف جديد للعالم. حين يسكن الحزن العميق لا يتغير الإحساس فقط، بل يتغير العالم نفسه. الأشياء تفقد معناها المعتاد، والزمان يثقل، والحياة اليومية تصبح ضيفا غريبا على صاحبها. هذا ما تعيشه أغنس. الحزن عندها لا يبقى حالة تمر بها، بل يصبح الأفق الذي تعيش داخله. هي لا تشرحه ولا تحاول تجاوزه، بل تسكنه. ويصبح هو الوسط الذي ترى من خلاله العالم. هذا هو الحزن حين يبلغ طبيعته الوجودية الكامنة في حياتنا. لا يطلب عزاء سريعا ولا تفسيرا مريحا، بل يغير علاقة الإنسان بكل ما حوله. أغنس لا تعبر عن حزنها كثيرا لأنها لا تقف خارجه لتصفه. هي تعيش داخله، وتعيد ترتيب حياتها حوله.
في المسار الآخر يقف شكسبير. يظهر منذ البداية شخصية يلفها الغموض، وسيرته تشهد بهذا. كان شابا غريب الأطوار منذ البداية. لا يستقر تماما في القرية ولا في البيت، كأنه يعيش دائما نصف خطوة خارج المكان الذي يوجد فيه. حياته الحقيقية ظلت غامضة إلى حد بعيد. لا رسائل شخصية تقريبا، ولا يوميات، ولا اعترافات فكرية واضحة. نعرف نصوصه أكثر بكثير مما نعرفه هو. حتى في مسرحياته لا يتكلم بصوت واحد يمكن الإمساك به، بل يذيب نفسه في أصوات متعددة وعوالم متعارضة.
حين تقع المأساة لا يتحول حزنه إلى صمت وجودي طويل كما عند أغنس، بل إلى محاولة للفهم عبر مقاربة اللغة ومساءلة القدر. يحمل الفقد بطريقته الخاصة، ويعيد تشكيله في كتابة ومسرح. هنا يظهر الفن لا بوصفه تعويضا عن الألم، بل بوصفه طريقة لحمله. ما لا يمكن احتماله في الحياة يمكن أن يعاد تشكيله في نص. ليس لأن النص يشفي، بل لأنه يمنح التجربة شكلا يمكن النظر إليه والعيش معه.
إيقاع الفيلم المتمهل جزء من هذه الرؤية. الزمن فيه ثقيل وممتد، كأن الحزن نفسه هو ضابط الحركة. الصمت حاضر، واللقطات طويلة، والحركة قليلة. فالحزن العميق لا يحدث دفعة واحدة، ولا ينتهي دفعة واحدة، بل يصبح وجودا كاملا يعيش فيه الإنسان.
في مسرحية "هاملت" نفسها يظهر صدى هذا المسار. هناك لا يحزن هاملت على أبيه فقط، بل على العالم كله. كل شيء يبدو له عقيما ومثقلا بالتردد. التفكير نفسه يتحول عبئا، والوعي يصبح حملا. ومع ذلك لا يجد خلاصا حاسما. ينتهي الأمر إلى إدراك هادئ بأن بعض الأحزان لا تحل، بل تحمل. لذلك تبدو عبارة هاملت الأخيرة كأنها خلاصة تجربة الحزن كلها، "إن بقية الأمر صمت".
هكذا يبقى الحزن، لا بوصفه عاصفة عابرة، بل كظل طويل يمشي مع الإنسان ما بقي حيا
لا يقدم "هامنت" عزاء تقليديا، ولا يعد بأن الزمن يشفي كل شيء. لا يعود العالم كما كان، ولا تستعيد الحياة إيقاعها القديم. ما يبقى هو أثر غياب لا يملؤه شيء، وذكرى طفل صار حضوره أقوى بعد رحيله. كل ما يتغير أن الألم قد كشف لنا عن مكانه، في القلب أو في اللغة، لكنه لا يغادر. بعض الفقد لا يعالج ولا ينسى، بل يتحول إلى جزء من نسيج الحياة نفسها. يمضي الزمن، ويكبر الناس، وتستمر الأيام في حركتها العادية، لكن هناك دائما مقعد فارغ، وصوت لم يعد يسمع، واسم يهمس بصمت. هكذا يبقى الحزن، لا بوصفه عاصفة عابرة، بل كظل طويل يمشي مع الإنسان ما بقي حيا.