في سيرته الذاتية "الرحيل"، الصادرة عام 1995، يفصح الفنان المغربي العربي باطما (1948-1997)، ما يسميه "طي الضلوع"، الذي قرر كتابته أخيرا، وقد ألمّ به السرطان، دونما ادعاء بامتلاك مهارات فن الكتابة ومقدراتها وألاعيبها، بل الرهان هو محاولة كتابة حياته بأيّما لغة ديدنها هو الصدق أولا، ومواجهة شبح الموت ثانيا.
وفي الآن ذاته، يهاجسه طموح استكمال أسطورته الزجلية "لهمام حسام" التي يراهن على أن يبلغ بعدد أبياتها 21 ألف بيت شعري، وهو رقم غير مسبوق.
في "طي الضلوع" الجميل، يتذكر العربي باطما طفولته وهو يركض طليقا في جبال "أولاد بوزيري"، على ضفاف نهر "أم الربيع"، في دوار "رحال بن العربي"، على اسم جده رحال، وهو نفسه اسم الأب، في المقابل أمه اسمها "حادة"، وبين الرحيل والحدة يتأرجح قدره، مثلما هو تأرجُح حياته البكر بين القرية والدار البيضاء.
ولأنها فترة استعمار، فعين الطفل تروي هذا الطور من تاريخ البلدة، ميسمها تحليق طائرات عسكرية مرعبة خفيضا من البيت، وتعاقب شاحنات الاحتلال على ثكنة في الجوار، في "مشرع بن عبو"، مع الفخر بعمليات الفدائيين من المقاومة، وضمنهم الجد والأب، لدرجة أن رغبة الكتابة تفتقت عند العربي باطما يوم شاهد عملية تصفية خائن في السوق، أشبه ما تكون بملحمة في تخييله اليافع، وأما أول لحظة جرّب فيها أن يغني، فمع حبيبته الأولى "الشهباء" التي أدهشها صوته، بالتزامن مع لحظة الاستقلال ومحافلها الصاخبة، ثم تزهر صبية أخرى في حياته المدرسية تدعى "الزوهرة"، وهي بنت المدير، بمثابة ملهمة على سبيل حبٍّ عذريٍّ، أيقظ بركانه الشعري، يلي ذلك اكتشاف مبهر لا يقل سحرية، هو تجربة مشاهدة أول فيلم في قاعة سينما، وهلم ذكريات عذبة، في تماوج الطيش والشقاوة، والاستئناس بالحيوانات والتدرج في مباهج الصبا على سلم القرية ذات الأثر الغنائي الخالص.
يفردُ العربي باطما الجانب القبيح من "طي الضلوع"، للمدينة التي سترحل إليها الأسرة، بقرار مفاجئ من الأب، والإقامة الطارئة في "الحي المحمدي" بالدار البيضاء، ولا يفتأ يقطع وتيرة السرد، بالالتفات إلى حالته المرضية المزمنة في حاضره، وهو يكتب سيرته باستعجال. وأما ظلال القبح السوداء، فيستهلها بحالة أخيه الأعرج، ضحية خطأ طبي، زجال هو الآخر وموسيقي، لكن سيلم به الجنون إثر حب جارف لأنثى تدعى بشرى، وتليها حالة الخال صائد سمك "الشابل"، الذي قتله صاحب ضيعة برتقال من الفرنسيين المستعمرين المدعو كازناف، والتهمة سرقة البرتقال.
يسترجع العربي باطما أطوار تكوينه الفني، بدءا بأحد الأدوار المسرحية في المدرسة، وتدرُّجا في صناعة الآلات الموسيقية إلى أن يتعرف على شخصيتي "بوجميع" و"عمر السيد"
وتظل "سينما السعادة" في "الحي المحمدي" هي المكان الحقيقي الذي شهد التحولات البكر لوعيه الفني، سواء تعلق الأمر بطبيعة الأفلام السينمائية المعروضة داخل القاعة، أو تعلق بالأفلام الواقعية التي يصخب بها الحي. وأما ذروة القبح، في "طي الضلوع" هذا، حينما يتذكر اللحظة السوداوية التي أُخْبِرَ فيها العربي باطما بمرضه، وكان جرثومة سرطان ستستفحل على نحو خارق.
في "طي الضلوع" الفني، يسترجع العربي باطما أطوار تكوينه الفني، بدءا بأحد الأدوار المسرحية في المدرسة، وتدرُّجا في صناعة الآلات الموسيقية بأيما أدوات مهملة، كعلبة بنزين من قصدير لصالح الكمان، وقرن الثور لصالح غيطة النفير، قبل أن يلتحق بفرقة مسرحية هاوية تسمى "الإنارة الذهبية"، وعانى فيها أفدح الشتم من أبيه، الذي كان يرفض أن يحترف الفن، ويمتهن بدله العمل في السكك الحديدية، أو فلاحا في ألطف الأحوال... إلى أن يتعرف على شخصيتي "بوجميع" و"عمر السيد" في محل حلاق يتقمص شخصية الفنان فريد الأطرش، لا كعازف ومطرب، بل في نبرة حكيه ومشيته أيضا.
و"بوجميع" هو صلة الوصل بينه وبين الالتحاق بفرقة المسرحي الطيب الصديقي في المسرح البلدي، وكانت هذه هي الطفرة، لطفل يصنع نايات القصب في البادية، مارس حراسة الدراجات أمام "سينما السعادة"، كي يحترف ضمن فرقة ذائعة الصيت، وشارك باقتدار في مسرحيات معروفة، منها: سيدي عبد الرحمان المجدوب، سيدي ياسين في الطريق، الحراز.
اللافت أن العربي باطما تحاشى في الكتاب تسمية الطيب الصديقي باسمه، وألمح إليه بمدير الفرقة، والسبب فظاظة تعامل الصديقي معه ومجمل أفراد الفرقة، إلى أن يتمردوا عليه في عرض بفرنسا، كرد فعل على إهانته لهم في حوار مع جريدة مرموقة، نعتهم فيها بفئران تجاربه... وكان التمرد مقلبا ماكرا منهم في أداء عرض مسرحي، تصرفوا في حواره على نحو رد الصاع صاعين، وبذا تغيّر سلوك الصديقي معهم، خاصة صاحب فكرة التمرد "بوجميع" والعربي باطما، وفي المقابل لا ينكر هذا الأخير فضل الصديقي عليه، الذي ارتقى بوعيه المسرحي بالانفتاح على التجارب الكونية من جهة، وكذا التمكن من مهارات التشخيص بشكل احترافي من جهة ثانية.
كان لتجربة التشرد العابرة في فرنسا مع صديقه "بوجميع"، الأثر الدامغ في كتابة أغانٍ لاذعة ضمن مجموعة "ناس الغيوان"
وفي "طي الضلوع" الغيواني، يروي العربي باطما حكاية نشوء مجموعة "ناس الغيوان"، بدءا بإرهاصات إبداع أول أغانيها الشهيرة "الصينية"، وقد كان لتجربة التشرد العابرة في فرنسا مع صديقه "بوجميع"، الأثر الدامغ في كتابة أغان لاذعة من قبيل "ما هموني غير الرجال إلا ضاعوا"، إذ مع العودة إلى المغرب، والانسلاخ عن فرقة المسرح البلدي بعد آخر مسرحية، وهي "الزلاقة"، سيبادران إلى خلق وتأسيس مجموعة "ناس الغيوان" التي سيلتحق بها "عمر السيد"، وتستقر على فاعلية خمسة فنانين، مع إضافة عازف البانجو "علال يعلى"، وعازف الهجهوج "عبد الرحمان باكو"، لتنطلق من "سينما السعادة" إياها وتطبق الآفاق.