عن المشجع المثير الذي يتقمص تمثال لومومبا في "الأمم الأفريقية 2025"

أيقونة المدرجات الذي يذكر بنضال القارة السمراء ضد الاستعمار

عن المشجع المثير الذي يتقمص تمثال لومومبا في "الأمم الأفريقية 2025"

على غير عادة المشجعين في النسخة الحالية من كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم، المقامة في المغرب 2025، يلفت شخصٌ متوقد الغرابة، انتباه الجميع، وهو من مناصري منتخب جمهورية الكونغو الديمقراطية، يقف في طليعة المدرجات، على مصطبة، بطريقة ثابتة، دون حراك طوال المباراة، 90 دقيقة ونيّف، وهو يرفع شارة ذراعه اليمنى، متمثلا في وضعه الاحتفالي هيئة وحركة أيقونة النضال الأفريقي باتريس إيميري لومومبا، صاحب الخطاب التاريخي الصارخ "الدموع والدم والنار"، مؤسس "حزب الحركة الوطنية"، وقائد أشرس التظاهرات الاحتجاجية ضد الاستعمار البلجيكي، وكان أول رئيس وزراء لجمهورية الكونغو الديمقراطية بعد استقلال البلاد عن الاستعمار البلجيكي 1960، قبل عزله وتجريده من مهامه، بتحريض من ملك بلجيكا وإيعاز من الولايات المتحدة، ثم اغتياله رميا بالرصاص، وإذابة قطع جثته في حمض الكبريتيك في 17 يناير/كانون الثاني 1961، بحسب كتاب "اغتيال لومومبا" للمؤلف البلجيكي لودو ديفيت، استنادا إلى وثائق بلجيكية سرية.

تقمص شخصية لومومبا

باتريس لومومبا إذن، رمز لنضال التحرر الوطني، يلازم اسمه مشروع وحدة أفريقيا، ونزوع الكرامة الوطنية، واسترداد السيادة على الموارد الطبيعية للقارة. لا يزال تاريخ تصفيته لحظة مأسوية فارقة، في التاريخ الاستعماري الأوروبي لأفريقيا، وهو لذلك لا يمثل الكونغوليين وحدهم كعلامة كبرى للتحرر والاستقلال، بل القارة السمراء ككل، بالنظر إليه كبطل ملحمي لمجمل نزعات الانسلاخ عن سطوة الهيمنة الخارجية، والنضال ضد الاستغلال الاقتصادي والسياسي.

وأن يستلهمه هذا المشجع الكونغولي حدّ التقمص والمطابقة، المدعو ميشال كوكا مبولادينغا، فتمثيل رمزي مضاعف، بصورة تتألق حياة، دامغة الإشارة السياسية والتاريخية، متخطيا السقف التقليدي الاحتفالي للمشجع العادي، كيفما كانت بلاغة نمط تعبيره.

يقف ميشال كوكا مبولادينغا صامتا، راسخا في ثبات كتمثال، رافعا يده اليمنى بالطريقة ذاتها الشهيرة لباتريس لومومبا، وفق ما تبدو عليه أنصاب تماثيل ذكراه

ومما يجعل المشهد لا مألوفا، أن يقف ميشال كوكا مبولادينغا صامتا، راسخا في ثبات كتمثال، رافعا يده اليمنى بالطريقة ذاتها الشهيرة لباتريس لومومبا، وفق ما تبدو عليه أنصاب تماثيل ذكراه في العاصمة كينشاسا على الأقل، ويستبسل كوكا مبولادينغا في احتفاليته الراسخة دونما حراك، ولا ينال صخب الجماهير، وحماسة المحفل، وشرارات اللعبة الكروية، من وضعه الصامد، إذ يظل متوازنا، ضالعا في التجذر، وقد أكسبه هذا الوضع الرمزي المبهر، الظفر بلقب "لومومبا فيّا".

AFP
باتريس لومومبا خلال مؤتمر صحافي في ليوبولدفيل، 12 أغسطس 1960

على منصة شبه مرتفعة، ينتصب لومومبا فيّا، في طليعة جحافل من المشجعين، كأنما يقود الجماهير في معركة، يغدو فيها زعيما ثوريا، روحيا، وطليعيا، حدّ أن إبهاره بلغ مدة 115 دقيقة كاملة في مباراة منتخب بلده ضد منتخب بنين.

بلاغة الاحتجاج الصامت

في وقوف مبولادينغا ثابتا، متمثلا باتريس لومومبا، ما يضمر تاريخا حافلا، متعدد الرسائل، وليس مجرد احتفال اعتباطي، تلقائي عفوي. فمن جهة يقدم نفسه كتذكير مستمر بقيمة رمز محلي تحرري، هو عنوان كبير من عناوين النضال والاستقلال والكرامة الوطنية، والسيادة الشعبية، ومن جهة ثانية، هو إرث منذور لذاكرة الشعوب الأفريقية ككل، وبطولة قارية ككأس أفريقيا لكرة القدم، محفل رياضي جدير بالالتفات إلى إرث لومومبا المبادر الطليعي لوحدة القارة ضد السطو الخارجي.

المفارقة في المشهد الاحتفالي للمشجع ميشال مبولادينغا، هو أن يلتزم الصمت المطبق، ألا يبدي كسرة حركة، أن يتجلد في وقوفه رافعا يده وهو يهدر طاقة بدنية هائلة، وسط تموجات بشرية مستفحلة، هتافا ورقصا وصخبا، في دويّ عارم.

فما يموج ويمور به الملعب مِلْءَ جماهيره المتفاقمة، كحشد جارف، يشكل حدا أول، يقابله الحد الثاني المجابه، وهو تمثال ميشال مبولادينغا الحي، كنقيض جذري، إذ يشكل بمفرده علامة للاحتجاج البصري، ناهبة للانتباه، تفوق إثارة صيغة الجمع للجماهير من حوله. في فرادته المنسلخة عن الجميع، يستقطب الأنظار إليه في قيامة مشجعين لم يستطع زحفها ودويها أن يحجبه، أو يلغي ألق وغرابة رمزيته الشاخصة في ذهول من المتتبعين، المتلقين، داخل الملعب وخارجه، داخل تضاعيف اللعبة وخارجها، أفقيتها وعموديتها، هدوئها وسعارها، تحولاتها ومنعطفاتها، من صافرة البداية إلى نهايتها.

يشكل بمفرده علامة للاحتجاج البصري، ناهبة للانتباه، تفوق إثارة صيغة الجمع للجماهير من حوله

بقدرة قادر، سيتحول المشجع ميشال مبولادينغا إلى بطل أفريقي، إلى أيقونة جماهيرية، باتت طلائع من المشجعين تتطوع لتكون درعا بشريا له، لحظة دخوله الملعب، ولحظة خروجه، تقديرا واحتراما لفرادة احتفاليته الرمزية، واختياره الملحمي لمنحى بصري مقاوم، يستدعي فكرة مشروع التحرر المتواصل، وشعار الوحدة الأفريقية.

AFP
مشجع من جمهورية الكونغو الديمقراطية يحيّي ذكرى باتريس لومومبا بالوقوف ساكنا خلال مباراة في كأس أمم أفريقيا بالرباط، 30 ديسمبر 2025

يتناغم ما هو سياسي مع المنحى الفني للظاهرة، كعمل أيقوني، إذ يمسرح ميشال مبولادينغا تاريخا حيا للنضال الاجتماعي أيضا، في مشهد بصري مستميت، تضاعف من إبهاره ألوان بدلته الأنيقة، فضلا عن تصفيف شعره الطريف تماهيا مع الثوري لومومبا. لكن في بعد جديد، يجعل من محفل رياضي قاري، مناسبة سامقة لتمثل الثقافة الأفريقية، بالاحتكام إلى رموزها الوطنية، وإلى ثراء هويتها وعراقتها، وإلى أشكال تراثها المبهج، وإلى مشترك وجداني ضمن ذاكرة جماعية طاعنة في التاريخ.

اللعبة كمحفل لأنماط التعبير الجديدة

حالة ميشال مبولادينغا الموسومة بالغرابة والاحتفالية الصامتة كشكل من أشكال الاحتجاج الثوري، أو المقاومة المستمرة، تجعل من محفل كروي، يتعدى حدود اللعبة كحدث رياضي، بل ينعطف به صوب معترك مشتعل لأنماط تعبير جديدة، ذات رسائل مشحوذة، في مدارج القيم الإنسانية، منها ما هو جماعي حافل، وفق استعادة الذاكرة، أو إيقاظها بالأحرى، ومنها ما هو تاريخي وثقافي وفني ينتصر للهوية المحلية الغائرة.

على هذا النحو تتحول المدرجات الآهلة بالحشود، إلى محفل رمزي للصمود، بقيادة طليعية من المشجع ميشال مبولادينغا، تقديرا لإرث الزعيم التاريخي لومومبا، المشجع الضالع في الإثارة، الذي أمسى ملازما لوعي جماهيري رمزي، حدّ أن ما باتت تحفل به مدرجات اللعبة، يضاهي أو يتخطى فرجة الإثارة داخل الحلبة نفسها في ما بين اللاعبين، يتجاوز سحر وقيمة وفن المباراة ذاتها، في نزوع مبهر، يجعل من الحدث منصة صاخبة، لأساليب تعبيرية متعددة، ذات تشعبات سياسية وثقافية وجمالية وإنسانية، وهذا ما باتت تتفرد به فرجة الكأس الكروية الأفريقية، في الانزياح إلى خصوصية دامغة، في استقلال ينتصر لهوية محلية راسخة ذات بعد كوني.

ألهب أيضا قرائح المتتبعين والمهتمين، من الإعلاميين الرياضيين وغيرهم، فأغدقوا عليه ألقابا من قبيل: حفيد لومومبا، التمثال الحي أو الرجل التمثال

ما عاد نجوم الكرة من لاعبيها المرموقين، يستأثرون بالبطولة وحدهم، بل أصبح من المشجعين من يظفر بها، الى درجة طبقت شهرته الآفاق من فرط إبداعيته، وهذا ما تفصح عنه أيقونة الكونغولي ميشال مبولادينغا، ليس في المغرب وحده، بل في القارة وما جاورها إلى أبعد الحدود.

AFP
جنود يحرسون باتريس لومومبا وجوزيف أوكيتو عند اعتقالهما في كينشاسا، ديسمبر 1960

تحوّل ميشال كوكا مبولادينغا إلى ظاهرة لافتة، دمغ باحتفاله الصامت، المرهق، احتفاليات كأس الأمم الأفريقية لكرة القدم في المغرب 2025. وفي جسارته واستبساله هذا، يكون من أغرب وأبدع المشجعين في تاريخ هذا التباري القاري عن بكرة أبيه.

وكما لفت انتباه عدسات الكاميرات، في انشداه فرجوي غرائبي، يتناغم فيه لباسه الأنيق مع وقوفه الصامت، العتيد، ألهب أيضا قرائح المتتبعين والمهتمين، من الإعلاميين الرياضيين وغيرهم، فأغدقوا عليه ألقابا من قبيل: حفيد لومومبا، التمثال الحي أو الرجل التمثال، لومومبا فيّا.

 وفق أحد حوارات ميشال كوكا مبولادينغا يفصح: "أنا فنان، أقف بلا حركة لأجل باتريس لومومبا، لأنني أعتبر هذا شكلا من أشكال التعبير الثقافي والوطني، وأشعر أن وجودي في المدرجات يعطي فريقنا روحا إضافية. لم أتوقع كل هذا التفاعل، وأنا سعيد جدا برؤية الناس يتعرفون اليّ، ويستجيبون لرسالتي".

font change